تعرف على أفضل أنواع الفلفل في العالم



أثمرت النباتات المتسلقة الملتفة على دعامات خشبية في جنوب شرق كمبوديا براعم كانت محصلة لخبرة سكانها بالأساليب الزراعية التي توارثوها عبر الأجيال.وفي طريقي إلى مزارع الفلفل الأسود، اجتزت طرقا غير ممهدة على دراجتي البخارية. ثم توقفت لبرهة لأضع قناعا يحمي وجهي من الأتربة، فإذا بمشهد يأسر الألباب. إذ كان جاموس الماء يجوب حقول الأرز التي غمرتها المياه بمحاذاة التلال الخضراء التي تحتضن كهوفا تضم أطلال أقدم المعابد في كمبوديا.وعلى مشارف مدينة كامبوت، لاحت في الأفق مزارع تنتج تربتها أفضل أنواع حبوب الفلفل العضوي في العالم.ومنذ ثمانية قرون، زرع سكان المدينة نباتات الفلفل الأسود، وهي نبتة متسلقة موطنها الأصلي كيرلا في الهند، ومنها انتشرت إلى جنوب شرق آسيا. لكن ثمار الفلفل التي زرعت في كامبوت وصلت للعالمية في مستهل القرن التاسع عشر عندما تذوقها المستعمرون الفرنسيون وعشقوا مذاقها الحريف وقرروا زراعة شجيرات الفلفل على دعامات من الخيزران طولها عشرة أقدام، ثم صدّروا كميات هائلة منها إلى موطنهم.وفي السبعينيات من القرن الماضي، كان الخمير الحمر- الذين كانوا يحكمون البلاد بقبضة من حديد- يعدون حبوب الفلفل رمزا للاستعمار وأجبروا المزارعين على زراعة الأرز بدلا منها. ولم يتمكن المزارعون المحليون، الذين كانت زراعة الفلفل الأسود تجري في عروقهم، من العودة إلى جذورهم إلا في أواخر التسعينيات من القرن الماضي بعد سنوات طوال من سقوط نظام الخمير الحمر.وقد دفع الفقر المزارعين آنذاك إلى العودة لأساليب الزراعة القديمة التي توراثوها من جيل إلى آخر، وأكثرهم كانوا يزرعون الفلفل في قطع أراض صغيرة.وبلغت أسعار فلفل الكامبوت أعلى مستوياتها في عام 2014، حين بيع الكيلوغرام الواحد من الفلفل الأحمر مقابل 25 دولارا، لكنها انخفضت نسبيا إثر هيمنة الفلفل الفيتنامي الأرخص سعرا على الأسواق العالمية في السنوات الأخيرة. غير أن المزارعين الكمبوديين يعلقون آمالهم على جودة فلفل كامبوت الفائقة التي تجتذب المشترين الأوروبيين. وينظم زراعة الفلفل في مدينة كامبوت اتحاد الترويج لفلفل كامبوت من أجل الحفاظ على جودته، ويُلزم الاتحاد المزارعين باستخدام أساليب الزراعة العضوية والتربة الخصبة وتعريض النباتات لقدر مناسب من أشعة الشمس.وفي عام 2010، حاز فلفل كامبوت على علامة مؤشر جغرافي محمي من منظمة التجارة العالمية، بفضل السمعة التي اكتسبها من بلد المنشأ.لا أنكر أنني لست ذواقا للطعام، وليس لدي خبرة بالتوابل. وقادني الحظ إلى فلفل كامبوت حين كنت أبحث عن مكان متواضع لألتقط فيه أنفاسي من إيقاع الحياة المتسارع في مسقط رأسي، هو تشي منه، في فايتنام.ويبلغ تعداد سكان مدينة كامبوت التي تبعد بضعة أميال عن خليج تايلاند نحو 50 ألف نسمة، أي أنها ليست مدينة هادئة تماما، لكنها على الأقل لا تعاني من الازدحام المروري.وتصطف في المدينة المباني المنخفضة المبنية على الطراز الاستعماري الفرنسي إلى جوار المنازل العائلية على الطراز الصيني أمام ساحة عامة على ضفاف النهر تكتنفها جبال متنزه بوكور الوطني. وعند مغيب الشمس، تتهادى السفن والمراكب في النهر بينما يجتاز البعض الطرق الجبلية وسط القرود سيرا على الأقدام.ودخلت إلى مقهى في المدينة يديره سو سوخا الستيني المتقاعد الذي ينحدر من مدينة بنوم بنه، وسألته عن كيفية تمييز فلفل كامبوت من الفلفل الرخيص العادي. وأجاب سو سوخا قائلا إن فلفل كامبوت الأصلي له مذاق لاذع وحار في البداية، ثم تهدأ حرارته تدريجيا حتى يصبح كالأزهار في مؤخرة اللسان.ويحصد المزارعون ثمار الفلفل في الفترة من فبراير/شباط إلى مايو/أيار. وهناك أنواع عديدة من فلفل كامبوت، فمنه الأسود الذي يستخدم في طهي اللحوم الحمراء، والأحمر الذي يضاف إلى الحلويات، أما الفلفل الأبيض فيضاف إلى الأسماك والسلطات والصلصات. وتستخدم حبوب الفلفل الخضراء، التي تتميز بمذاقها القوي، في تحضير بعض الأطباق من الأسماك والدجاج.وانتشرت في القرى مؤخرا مزارع فلفل عديدة يديرها أجانب، وتوفر رحلات للزوار ووجبات منكهة بالفلفل، ومنها مزرعة "بو تري" التي يديرها كريستوفر غاو الاسكتلندي وزوجته الكمبودية التي تنتمي إلى شعب الخمير.وكان الزوجان يبحثان عن مكان لبناء منزل ريفي، ثم قادهما شغفهما بالفلفل الأسود المحلي إلى زراعته ووظفا عشرات العمال لزراعة ثلاثة هيكتارات من الفلفل.ويقول غاو، إن فلفل كامبوت له مذاق مميز يحملك على استكشافه والتعرف عليه.وعندما تذوقت الفلفل الأسود العادي شعرت بلسعة خفيفة سرعان ما اختفت بعد 40 ثانية، وبعدها تذوقت فلفل كامبوت الأسود، وكان الإحساس مختلفا تماما، إذ استقر على لساني ثم انتشر المذاق الحرّيف اللاذع في فمي لبضع دقائق.ويقول غاو إن هذا الفلفل يوقظ حاسة التذوق ويعزز مذاق الأطعمة التي يضاف إليها.ويضاف الفلفل في مدينة كامبوت إلى الكثير من الأطباق بأنواعها من الأطباق المالحة إلى الحلويات، مثل مثلجات الفلفل الأحمر، وكعك الفلفل برقائق الشكولاتة.ولا يقتصر استخدام الفلفل في المدينة على الطعام، إذ يقدم مشروع بانتي سري، وهو ناد صحي للنساء، دهان الفلفل. وتقول تشاني أوكي، مديرة المشروع، إن هذا العلاج ليس جديدا، فقد اعتاد الكمبوديون على فرك الجلد بحبيبات الفلفل الأسود لمساعدة المرأة على التعافي بعد الولادة.وتقول أوكي إن دهان الفلفل يرطب البشرة. ربما يجعلك تتعرق في البداية، لكنك بعدها ستشعر بالانتعاش.واشتهرت المنطقة بطبق سلطعون كامبوت بالفلفل. إذ يختار الزائر السلطعون من سوق الأسماك ثم يقدمه للطهاة لتقطيعه وتحميره في إناء ضخم مع الثوم والبصل وحبيبات الفلفل المحلية. وتبلغ تكلفة الطبق خمسة دولارات.تنمو نبتة الفلفل المتسلقة على دعامات وتثمر في سبتمبر/أيلول عناقيد من حبيبات الفلفل الخضراء ثم تنضج مع بداية العام الجديد ويقطفها المزارعون ويجففونها في الشمس ليومين، بعدها تتحول للون الأسود.وللحصول على الفلفل الأبيض، تُنقع حبيبات الفلفل الأسود في الماء ثم تُنزع قشرتها. وإذا تركت حبيبات الفلفل على الأشجار لمدة شهرين حتى تمام النضج يتحول لونها إلى الأحمر القرمزي، وتصبح فلفل أحمر.وتوجهت بعدها إلى بضع مزارع أخرى، كان أكبرها مزرعة "لا بلانتاسيون" التي يعمل بها 150 مزارعا محليا.ويقدم المطعم التابع للمزرعة أطباقا فرنسية وكمبودية مثل طبق لحم لوك لاك المتبل بالفلفل الأسود والأحمر والأبيض.وتقول ناتالي شابوش الفرنسية صاحبة المزرعة إنها تذوقت فلفل كامبوت في أوروبا، لكنها لم تكن تعرف شيئا عن زراعته. وعندما زارت مزارع الفلفل للمرة الأولى في عام 2013، قررت هي وزوجها أن يشتريا قطعة أرض في المنطقة لزراعة الفلفل الأسود.وأنتجت مزرعتهما العام الماضي 10 أطنان من الفلفل الأسود، والعام الحالي 23 طنا، أي ربع إجمالي إنتاج المنطقة من الفلفل.غير أن هذا الانتعاش في قطاع زراعة الفلفل الذي أعقب ركودا طويلا لم يكن كافيا لإحداث تحولات اقتصادية ملموسة في كمبوديا. وذلك لأن حجم إنتاج فلفل كامبوت لا يقارن بحجم إنتاج الأنواع الأخرى من الفلفل في العالم. إذ تنتج كامبوت على سبيل المثال ما يتراوح بين 70 و100 طن سنويا من الفلفل، في حين تنتج فيتنام 15 ألف طن سنويا من الفلفل غير العضوي الأقل جودة.وفي عام 2006، تأسست مزرعة "فارملينك" لمساعدة صغار المزارعين والتعاون معهم بهدف زيادة الأرباح والترويج لمنتجاتهم في أوروبا، التي لا تزال تشتري نصف المحصول السنوي من فلفل الكامبوت.واصطحبني مدير المزرعة سباستيان ليسيور، في جولة لمقابلة المزارعين الذين توارثوا خبرة زراعة الفلفل الأسود العضوي على مر أجيال، ومنهم تشان دينغ، المزارع الستيني برفقة كلبه الأسود. وقادنا دينغ إلى ممر طيني ضيق بين صفين من شجيرات الفلفل التي أثمرت براعم خضراء.ويقول دينغ إن كل نبتة فلفل تحتاج سبعة أو ثمانية لترات من الماء يوميا، يحملها بيديه من البركة إلى الأرض. وأنتجت مزرعته العام الماضي 200 كيلو من الفلفل الأسود.ويقول دينغ: "تعلمت ذلك من أبي عندما كنت صغيرا، والآن يزرع ابني الفلفل في مزرعة مجاورة، وبدأ حفيدي في التعلم من أبيه".ويحمل كل صندوق من المزرعة اسم وصورة المزارع الذي زرع هذه التوابل العضوية واعتنى بها. والآن كلما طحنت الفلفل الأسود في منزلي تذكرت جميع المزارعين في كامبوت الذين حافظوا على عادات أجدادهم وتعلمت منهم كيف أستطعم مذاق أفضل فلفل في العالم.يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel
مقالات مرتبطة :


إقرأ أيضاً