الخلفيات الحقيقية للأزمة المغربية التركية

العلمي لم يمزق شيئا، ولكنه دفع نظيرته التركية المسكينة إلى الطيران للرباط على عجل لأن الأمر جلل. وعادت “روهصار بكجان” إلى بلادها معتقدة أن الأعطاب قد أصلحت والأعصاب قد أطلقت، خصوصا وأن العلمي أعلن أنها ستعود بعد أيام لتعديل الاتفاقية.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

لا يمكن إلا أن نتفق مع السيد مولاي حفيظ العلمي، وزير الصناعة والتجارة وأشياء أخرى، في ما ذهب إليه وهو يناقش البرلمانيين بحماسة حول اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، من أن الأهم في الموضوع هو مصلحة الوطن، ولكن الاختلاف الذي يعرفه كل لبيب هو ما شكل وما لون وما طعم هذه المصلحة؟ فالوطن واحد، سيدي الوزير، ولكن القناعات والخلفيات والاستفادات متعددة ومتناقضة، وأكبر معلوم فيها هو أن ما خفي أعظم!

دفع السيد الوزير بأنه زعزع وزير الصناعة الفرنسي برينو لومير عندما صرح هذا الأخير بأن على شركة السيارات الفرنسية أن تغلق أبوابها في المغرب وتدخل إلى فرنسا، وقال إن لومير جاء صاغراً إلى المغرب وغيّر رأيه، وهو نفس ما يقوم به مع الأتراك، وصرخ في وجه ممثلي الأمة أنه يشتغل مع جلالة الملك وتحت رئاسة سعد الدين العثماني، رافعا عقيرته: “وا.. خليونا نخدمو!”.

 

قد نعذر السي العلمي القادم من أبراج المال والأعمال ودهاليز الصفقات الفرعونية منذ الخروج من شركة “أومنيوم إفريقيا” إلى الخروج من سهام بمليار دولار، ونقدر عدم فهمه للدستور جيّدا وأنه مجبر على تقديم الحساب للأمة عن طريق ممثليها، وأن احترام الملك هو في أن تحترم حكومته المؤسسات، ولكن ما لا يمكن أن نعذره عليه هو محاولته استغباء الأمة ونوابها والرأي العام ببعض الدفوعات في ملف مخدوم يتعلق بالعلاقات المغربية التركية، التي أصبحت مختزلة في متاجر “بيم”! مع التمويه بورقة لومير الخاوية. لقد استيقظ السي العلمي ليكتشف أن متاجر “بيم” التركية هي السبب في إفلاس آلاف المتاجر الصغرى المغربية وعلى المغرب أن يمارس سياسة الحزم التي بدأها مع هذه الدولة منذ الشهر الماضي، عندما زمجر الوزير داخل قبة البرلمان ليقول: “تكلمت مع الأتراك وقلت ليهم إما سنصل إلى حلول أو سنمزق الاتفاقية”، ولابد أن نستطرد أن العلمي اهتدى إلى التمزيق كسلاح قبل أن تستعمله بيلوسي، رئيسة الكونجرس الأمريكي، التي مزقت خطاب الرئيس ترامب للأمة، وراء ظهره أمام كاميرات العالم وفضحته!

 

العلمي لم يمزق شيئا، ولكنه دفع نظيرته التركية المسكينة إلى الطيران للرباط على عجل لأن الأمر جلل. وعادت “روهصار بكجان” إلى بلادها معتقدة أن الأعطاب قد أصلحت والأعصاب قد أطلقت، خصوصا وأن العلمي أعلن أنها ستعود بعد أيام لتعديل الاتفاقية.

 

الذي جرى ببساطة هو بدل أن تعود بكجان، طار طيب رجب أردوغان إلى الجزائر حاملا تحت جناحيه ملفات استثمارية مهمة للجارة المنافسة، وإذا أضفنا إلى هذا دخول أنقرة على خط الملف الليبي الملتهب ليس سياسيا فقط بل ميدانيا، فإن بعض مفاتيح فهم هذه الزوبعة في فنجان العلاقات البينية قد تتيسر.

 

لنخرج للأرقام التي يتقنها مولاي حفيظ العلمي أكثر من السياسة: صحيح أن العجز في اتفاقية التبادل الحر مع الأتراك يصل إلى 2 مليار دولار، ولكن العجز في اتفاقية التبادل الحر مع الاتحاد الأوربي يصل إلى 4,5 مليار دولار، ومع الولايات المتحدة الأمريكية إلى 2,6 مليار دولار، فلماذا تركيا الآن وعجزها هو الأضعف؟ جواب الوزير للصحافة: “دابا تركيا ومن بعد يحن الله”!

 

هذه الـ «من بعد» لم تكن فيها إلا تركيا أيضا من خلال مهاجمة الوزير لمتاجر “بيم” كما أسلفنا، ولكن الصحافة المغربية رجعت لمذكرة للمعلومات أصدرتها الشركة المنافسة لـ “بيم” في تجارة القرب “لابيل ڤفي”، والتي كان السي العلمي مساهما فيها قبل بيعه لشركة “سهام”، وتقول المذكرة إن فضاءات التسوق العصري تتقاسمها 4 شركات هي كوفارما بـ 48 ٪ و”لابيل ڤفي” بـ 31٪ و”بيم” التركية بـ 11,5 ٪ فأسواق السلام بـ 9 ٪ لقد مر السي العلمي على 88,5 ٪ من الأسواق العصرية ليقف على “بيم” ويلصق بها تهمة القضاء على التاجر الصغـير المـغربي. بـرافـو! محامي المصالح الوطنية الذي لم تنجب مغربيّة مثله.

 

لنعد إلى الأساس بعدما تبين بالملموس أن هذه الصولة التجارية ضد تركيا ليست هدفا في حد ذاتها، فلماذا يتبرم المغرب من تركيا؟

 

هناك من يرجع للتاريخ البعيد ويرفع ورقة وقوف المغرب الأقصى وحده ضد المد العثماني الذي وصل إلى وهران ولم يدخل فاس التي كانت حلما للقصر الإمبراطوري لم يتحقق، لدرجة أن تركيا هي البلد الوحيد في العالم الذي يسمي المغرب في لغته بـ “فاس”. ولكن هذا تاريخ بعيد. وفي التاريخ القريب تتبعنا كيف أن إلياس العماري في صولاته عندما كان مكلفا بدحر الإسلاميين جعل من تركيا عدوّاً محدقاً بالمملكة، ولم يقل كلاما سياسيا عابراً وإنما أخرج نظرية متكاملة رسم فيها مكنونات العقل التركي، الذي سيحيي حسبه الخلافة من إسطنبول إلى أمريكا اللاتينية مرورا بالأندلس وفاس! وكان هذا الحوار التحفة موزعا على أربع صفحات من جريدة من الحجم الكبير، أعقبه سفر إلياس إلى كردستان العراق وتسريبه لباللباس الكردي، والمهم رحل إلياس ولم ترحل الأصابع التي كانت تحرك خيوطه.

 

إن تركيا مع حزب العدالة والتنمية لرجب طيب أردوغان ظلت مصدر توجس بالنسبة للرباط على أساس أنها دولة إسلامية حاضنة للإسلام السياسي وخصوصا للإخوان المسلمين، وأنها نصير لإسلاميي الداخل، وكان هذا الكلام مفهوما عندما كانت الدولة منزعجة من إخوان ابن كيران، أما وقد دخل الملتحون إلى المشور السعيد سنة 2011، فإن استمرار هذا التوجس لم يكن يعني إلا عدم ارتياح للتعايش مع إسلاميي المؤسسات، بل إن نصرة تركيا أو الدراسة بها ظلت شبهة، ونتذكر أن الزيارة التي قام بها أردوغان إلى المغرب كانت باستقبال بارد، كما أن مؤتمر رجال الأعمال الأتراك الذي عقد بالدار البيضاء بدعوة من جمعية لرجال الأعمال قريبة من البيجيدي قوطع ببلاغ رسمي من طرف الاتحاد العام لمقاولات المغرب، الذي كانت تترأسه مريم بنصالح قبل أن تحتوى الأزمة.

 

المفارقة التي تصيب المتتبع بالشْقيقة هي أن تطورات الأحداث بعثرت التحالفات، وفيما حلفاء المغرب الأصليون في أبو ظبي والرياض عابوا عليه استمرار التعايش مع الإسلاميين وعاب عليهم التدخل في شؤونه، وفيما رممت الرباط علاقاتها مع الدوحة على الرغم من أنها مطبعة مع الإسلام السياسي، وفيما تصطف أبو ظبي ومصر والرياض مع خليفة حفتر في ليبيا، والمغرب أعلن اصطفافه مع الحكومة الشرعية تماما كما تركيا، نفاجأ بأن الحليف الطبيعي اليوم للمصلحة الوطنية “ديال بصح” هو الذي يشمر له المغرب ليحاربه في ساحة “بيم” التي تبعث على السخرية.

 

العلاقات الدولية لا تبنى على الإيديولوجية، وتركيا فرصة للمغرب لأنها أقرب إلى الرباط من الجزائر، وإذا كان لأنقرة طموح في مجالها الإقليمي، فالمغرب أيضا له طموح في مجاله الإفريقي الذي تحضر فيه تركيا بقوة، وهي اليوم حليف طبيعي في الأزمة الليبية، وإذا شكونا مبادرة أردوغان بالاستثمار في الجزائر فلأننا لم نفتح الباب لرجال الأعمال الأتراك ليستثمروا هنا، وأما التجارة الحرة فنحن من أوائل معتنقيها، واتفاقيات “الكات” وقعت في مراكش، وأما أن يأتي رجل الأعمال “العالمي” حفيظ العلمي ليفتي بأن تطوير الصناعة الوطنية لا يمر إلا عبر الحمائية، فإننا إزاء علامة من علامات الساعة.

 

لقد دخلنا مع العلمي صناعة السيارات والطائرات ولكنها صناعتهم يرحلونها عندنا، أما صناعتنا، ومنها النسيج، فإن العلامة المغربية أصلا منهارة السمعة، مجهولة المصير تنتظر رحمة العلي القدير.

مقالات مرتبطة :

تعليقات الزوار
  1. سي نور الدين مفتاح
    راجع اوراقك واعرف صديقك من عدوك قبل ان تكتب هذا المقال الطويل العرض
    السيد العلمي لم يقل الا كلمة الحق اما إدخاله في لعبة المصالح فهذا كلام مردود
    أولا الاتفاقيات الموقعة مع الاتحاد الاوروبي رغم أنها في صالح الأوروبين إلا أن أوروبا تستثمر في المغرب
    وأما تركيا فإنها لا تستثمر أي درهم في المغرب وتقوم بمحاربتنا بنفس منتوجنا أي النسيج والمواد الغذائية
    والفرق بينهما كالسماء والأرض
    اتركوا الرجل يعمل
    وباراكا من النباح

  2. مزكاني محمد

    كنت اقدر مقالاتكم سيدي، لكنكم هذه مرة إنما فضحتم جهلكم بالشؤون التجارية والعلاقات الدولية ذات الصلة. مقال فيه احتمال معرض في حق وزير التجارة .
    بدل ان تشرحوا خلفية قرارات السيد الوزير ، عريتم خلفيتكم .

  3. عبد الكريم بن عبد الله

    تركيا اردغان لا تخدم إلا مصالحها الذاتية الضيقة، ساعدت الارهابيين في سوريا وليبيا ،فلا تنتظروا ان تساعد أي دولة عربية أو تستثمر أي درهم ،رئيس له اطماع توسعية مثل اسرائيل و إيران ويستخدم الإسلام لدغدغة مشاعر واحاسيس العرب …

  4. القمري ( الامبراطورية المغربية )

    احداك اسي نور الدين ان تقول لنا ماذا استفاذ المغرب من تركيا ومن اتفاق التجارة الحرة معها
    غير الخسائر وان تقوم بمقارنة مع ما تستثمره في الجزائر
    المغاربة متابعين جيدين لشؤون الاقتصادية اسي نورالدين ويعرفون مولى حفيظ وما جلبه من شركات كبرى للمغرب للاستثمار بل ولتوسيع استثماراتها وبملايير الدولارات
    خلي السيد يخدم فهو اعلم بعالم المال والاعمال وكواليسه ودعنا من السياسة الفارغة والكلام الصحفي الرنان الذي لايشبع بطنا

  5. تتكلم عن تركيا وكانها أمريكا ما يقوم به اردوغان هو الميلان الى الهاوية ياسيدي
    أمريكا ترعاه وتبيعه الوهم وعندما ستغرق تركيا فيكون مالها ما وقع لعراق صدام

اترك تعليق


إقرأ أيضاً