كيف يقود أحمد الحليمي أربع كتائب في زمن الحرب مع كورونا



حاوره: رضوان مبشور

 

في هذه الظرفية العصيبة التي تعيشها المملكة، من المؤكد أن الأنظار تتجه أيضا للمندوبية السامية للتخطيط التي يرأسها السيد أحمد الحليمي، الذي دأب بشكل مستمر على نشر مجموعة من الأرقام و الدراسات حول الوضعية الاقتصادية للأسر المغربية و تحليل الظرفية الاقتصادية، و في هذا الحوار يتحدث المندوب السامي للتخطيط لـ “الأيام” عن الصعوبات التي ستعيشها المقاولات و المشتغلين كذلك في القطاع غير المهيكل، خاصة و أن هذا القطاع الذي ينشط فيه أزيد من 36 في المائة من اليد العاملة النشيطة، ستتسع دائرتها بسبب شح الأمطار و تراجع القطاع الفلاحي هذا العام.

+ كيف تعاملتم في المندوبية السامية للتخطيط مع التطورات الراهنة التي يعرفها المغرب، نتيجة انحصار النشاط الاقتصادي بسبب الحجر الصحي و حالة الطوارئ، هل لديكم أرقام و دراسات بخصوص كم خسر الاقتصاد المغربي وما تأثير ذلك على الأسرة المغربية ؟

هناك مجموعة من الجهات تصدر تقييمات لآثار هذا الوباء على الوضعية الاقتصادية و الاجتماعية للمغاربة، لكن كل ذلك يمكن اعتباره مجرد فرضيات يتم استيقائها من جهات مختلفة، كما نرى أن تلك الأرقام و الفرضيات متناقضة في الكثير من الأحيان، أما نحن في المندوبية السامية للتخطيط فلا يمكننا أن نشتغل بهذه الطريقة.

أنا اليوم أسهر على اشتغال أربع مجموعات، كل مجموعة تشتغل في إطار معين. هناك مجموعة تشتغل على البحوث الميدانية، بمعنى كيف يمكننا أن نتأقلم مع الوضعية الحالية، هذه المجموعة تتواصل هاتفيا مع الأسر التي سبق لنا الاتصال بها في مناسبات سالفة ممن نتوفر على أرقام هواتفهم، حيث نحاول أن نستجوب من هؤلاء عينة لها تمثيلية كافية، و بناء على ذلك سنقوم بإجراء بحوث، ستجعلنا نعرف الآثار الحقيقية لهذه التطورات الحالية على الأسرة المغربية، علما أن العينة التي نشتغل عليها تمثل جميع الشرائح، تضم عائلات ميسورة و متوسطة و فقيرة، كما تضم الذين يشتغلون في القطاع المهيكل و أيضا الذين يشتغلون في القطاع غير المهيكل. بمعنى أن المجموعة الأولى تشتغل لتوفر لنا معطيات لمعرفة الوضع.

أما المجموعة الثانية فهي تشتغل لجرد المنتوجات التي نصدرها للخارج و المنتوجات التي نستوردها، لنرى الاختلالات الموجودة في ما يتعلق بالتبادل التجاري (الميزان التجاري).

هذه المجموعة تقوم كذلك بتقييم الطاقة الآنية للإنتاج التي لازالت تشتغل في ظل هذه الظروف الحالية التي تعيشها بلادنا نتيجة الحجر الصحي و حالة الطوارئ، و معرفة القطاعات التي لها صعوبة آنية. هذه المنتوجات نقارنها مع خريطة لجميع المنتوجات التي تكون موضوع تبادلات على الصعيد الدولي، نقوم بذلك لكي نعرف أين نحن من حيث التأثير في هذه الخريطة، و بعد ذلك نحدد وزن كل منتوج من المنتوجات التي نصدرها، نقوم بكل هذا لنخلص لتقييم لـ “قيمة” (La valeur) الاقتصاد الوطني.

هناك أيضا مجموعة تشتغل حول بحوث لها علاقة بقطاع الشغل، لكي نعرف تأثير الوضعية الراهنة على الشغل، بحكم أن جزء كبير من الاقتصاد الوطني متوقف حاليا، وهناك جزء آخر من الاقتصاد الوطني يمكن أن يجد صعوبة في إعادة دوران عجلته من جديد إذا تجاوزنا هذه الظرفية.

هناك أيضا الجانب الفلاحي، لدينا دراسات متطورة في هذا القطاع، و نعرف أن الفلاحة تعيش حاليا وضعية صعبة، بسبب ضعف التساقطات المطرية، مما أفرز لنا أن جزءا كبيرا من اليد العاملة قدمت من البادية إلى المدينة، بفعل عامل الجفاف، هذه الفئة تغذي القطاع غير المهيكل بالمدن، بحيث أن هذا القطاع ينمو بكيفية كبيرة، على غرار التجارة الهشة و “الفراشة”. غير أن النقطة الأساسية التي تجب الاشارة إليها أنه في ظل الظروف الحالية ففرص شغل هؤلاء غير متوفر بالمدينة، هم نزحوا من القرية إلى المدينة بفعل الجفاف و شح التساقطات المطرية هذا العام، لكنهم لن يجدوا شغلا في المدينة بفعل العزل الصحي وحالة الطوارئ المفروضة.

 

+ هل لديك إحصائيات في هذا الخصوص ؟

ليست لدي إحصائيات دقيقة، لكن أقول لك أن جزءا كبيرا من هؤلاء لا يتوفرون على مأوى لهم في المدينة، بحكم أن مأواهم يوجد في البادية، فالشخص في البادية رغم أنه يكون فقيرا غير أنه يتوفر على “خيمته” أو “خيمة” والده في الدوار، و بالتالي فمسألة المأوى لا تكون مطروحة في العالم القروي، كما أن الفرد في البادية تحتضنه القبيلة و يحتضنه الدوار، فحتى في الوضعيات الصعبة مثل التي نعيشها الآن تكون هناك ميكانزمات للتضامن تلعب دورها.

 

+ وكأنك تتحدث لي عن مفهوم ” الجْمَاعَة” في الثقافة الشعبية المغربية، أو حينما تحتضن الجامعة الفرد ؟

صحيح و لو أن ” الجْمَاعَة” في الثقافة الشعبية المغربية اضمحلت تاريخيا، و تغيرت بشكل كبير جدا، بفعل عوامل هجرة الشباب و التغير الحاصل في الثقافة كما أن القيم تغيرت، لكن عندما نصل إلى مثل هذه الوضعية التي نعيشها اليوم تظهر لنا هذه الميكانزمات من جديد وتظهر لنا قيم التضامن وينصهر الفرد في إطار الجماعة، سواء في إطار الأسرة أو الدوار أو القبيلة.

بالعودة إلى سؤالك السابق فهذه الوضعية التي نعيشها اليوم و تأثيرها على الاقتصاد و الاسرة لا يمكن أن نحللها بسهولة، كما نقرأ بين الفينة و الأخرى في بعض الدراسات الميدانية و غير الميدانية.

الواقع أن الوضعية الاقتصادية للمغرب لا يمكن أن نقيمها بكل تجرد سوى بتحري -بكل دقة- الوضعية و تأثير هذه الجائحة على الوضعية العامة للسكان، لأننا في الأخير يمكن أن نبني الاقتصاد من جديد لكن ليس من السهل أن نبني الإنسان، فكما يقول المغاربة “مهموني غير الرجال ايلا ضاعوا”.

من المؤكد أن دورنا كمندوبية سامية للتخطيط سيأتي، لكن من الضروري أن نكون متوفرين على جميع المعطيات، و نحن بصدد تجميع هذه المعطيات.

+ في معرض كلامك تحدثت بإسهاب على الذين يشتغلون في القطاع غير المهيكل، كيف يمكن اليوم للدولة دعمهم في ظل هذا الركود الاقتصادي بسبب الحجر الصحي ؟

لا أريد أن أقول أشياء أنا لست في صلبها و لا أتوفر بخصوصها على معطيات، فعندما تكون في صلب القرار وتتوفر على جميع المعطيات تستطيع فعل ذلك، أما الكلام الذي سأقوله لك فهو مجرد متمنيات.

يظهر لي أننا يجب أن ندعم بعض المنتجات الفلاحية الملائمة لفصل الربيع، على غرار بعض الخضروات و القطنيات، التي يمكنها أن تشغل بعض اليد العاملة، مما يعني أننا سنجد شغلا لليد العاملة المتواجدة في البادية.

 

+ لكن ماذا عن المدن ؟

أهم شيء يجب الاشتغال عليه في المدن هي توفير الايواء للفئات التي تعاني من الهشاشة.

هناك أيضا فئة يجب أن نستغلها في هذا الظرف، و هي فئة المقدمين، و أنا أتذكر أننا في اليسار و في الفترة الطويلة التي قضيناها في المعارضة كانت لنا مؤاخذات على الادارة، وكنا نعتبرها تقوم بتبدير هؤلاء الموارد البشرية، لكن هذه الفئة (المقدمين) أبانت اليوم على فعاليتها، كونها قريبة من الناس، فهي مثلا ترصد بدقة الناس الذين عادوا للتو من خارج أرض الوطن، ويرصدون الحالات التي يقال أنها مريضة أو مشتبه فيها.

خلاصة الكلام أن المقدمين لهم شبكة اطلاع واسعة، ويمكن لهذه الفئة أن تلعب دورا هاما في توزيع بعض الاعانات على أساس ألا نتركها في هذه المهمة لوحدها في مواجهة المواطنين، لكن أن تكون معهم لجنة يكون فيها مثلا ممثل عن قطاع الفلاحة أو الأشغال العمومية أو بعض التقنيين، يمكن أن يقولوا أن هناك بؤرة للفقر يجب مواجهتها.

المشكل في الأخير ليس هو أن نعرف أين توجد بؤر الفقر، فنحن مثلا نتوفر على دراسات ونقدم نسبا مئوية حول كل دائرة إدارية معينة، حيث نقدم معطيات حول الجماعات و يمكن أن نذهب حتى للدواوير، لكننا نقدم النسب و الأرقام، لكن لا نحدد الأشخاص بأسمائهم.

عندما نقول نحن في المندوبية السامية للتخطيط أن 10 في المائة يعانون من الهشاشة لا نقدم أسمائهم، و الأسماء لا يمكن أن يقدمها سوى من يوجدون في الميدان (يقصد بذلك المقدمين)، رغم ذلك فالأرقام التي نقدمها يمكن أن تكون أداة لتوزيع الاعتمادات، فالمناطق التي نقدم بخصوصها أرقاما كبيرة يمكن أن ترصد لها اعتمادات أكبر، غير أننا في مقابل ذلك لا نقدم معطيات حول الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا من الدعم بأسمائهم، يمكن أن يقدمها من يوجدون في الميدان، ومن لهم القدرة على معرفة الأشياء في نطاق النزاهة.

 

+ هل لديكم في المندوبية السامية للتخطيط بعض الأرقام التقريبية حول الذين يعانون من هذه الهشاشة و الذين يجب دعمهم، خاصة و أننا لا نعرف بالتدقيق المتضررون من هذا الحجر الصحي المنزلي، الذين على الدولة اليوم دعمهم ماليا ؟

القطاع غير المهيكل يشغل حوالي 36 في المائة من اليد العاملة.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً