سوف تلهو بنا الحياة وتسخر

ألم يقل عز وجل «إنما الحياة الدنيا لعب ولهو»؟ فها نحن هاربون من الأخطار مختبئون نعض على أصابعنا لأننا كنا نحمل أطراف الحياة من حيث ثقلت، وكنا مهرة في البحث عن المعقد، وفي الانزلاق لفخاخ السفلة والحقراء.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

ياااه! ألهذه الدرجة؟ أبكل هذه القوة كانت لنا الحاجة لنجلس إلى أنفسنا، لننصت إلى دبيب الروح وهمس الخاطر ورجاء الجروح المهملة؟ لا مفر اليوم من المواجهة، فالأيام تتوالى والأوهام تتساقط تباعا، ونحن ندخل على رغم أنف الإرادة في مفاوضات ذاتية جديدة لإعادة تشكيل مفهوم الحياة.

 

ياااه !كم كانت فداحة الخسارة ونحن في حجر التأمل نكتشف هول ما كنا نبدده من رصيد الحياة في الهامشي والكمالي، وفي الحروب الصغيرة والفخاخ الوضيعة. وها هي نبوءة الشاعر اللبناني الجميل جورج جرداق تتحقق: «سوف تلهو بنا الحياة وتسخر»! فاصدحي يا كوكب الشرق بأن الحياة تفعل بنا الآن ما غنيته وأكثر. إنها تسخر من طموحاتنا الجامحة قبل الجائحة ومن غرائبية «هل من مزيد» ومن الذي كان أساسيا فأصبح في رحاب الإنصات للذات ثانويا، وما كان مهما وأصبح تافها، وما كان مهملا واكتشفنا أنه إكسير الوجود.

 

ألم يقل عز وجل «إنما الحياة الدنيا لعب ولهو»؟ فها نحن هاربون من الأخطار مختبئون نعض على أصابعنا لأننا كنا نحمل أطراف الحياة من حيث ثقلت، وكنا مهرة في البحث عن المعقد، وفي الانزلاق لفخاخ السفلة والحقراء.

 

ما أصعب أسئلة النفس التواقة للطمأنينة، وما أثمنها: لماذا نقضي أيام الله في الإجهاد بالتنازلات والترضيات والتوافقات؟ فهل السمو هو أن تعلو بالكسب أو أن ترتفع بالحب؟ أليس درس هذه الجائحة الكبرى في تاريخ البشرية هو أنها أعادتنا إلى حجمنا وإلى أصلنا وإلى أسئلتنا المؤجلة؟ فلماذا الاستمرار في هذا التساهل القيمي وديبلوماسية العلاقات المكلفة؟

 

إن الجائحة في مجتمع يعاني من الانحطاط القيمي ومن جشع الأثرياء وانتهازية النخب وأمراض الوصولية والنفاق لها وقع مضاعف. ففي الخلوة الطويلة يستعيد الواحد منا الوجوه والمواقف ويبدأ في الاستعداد للقطع مع أنصاف الحلول، يستعد للحسم. ولكن ما أكثر الأراذل! وقد بدا لي أن الواحد إذا أراد أن يأخذ بيد نفسه في رحاب الحياة البسيطة والشفافة، فإن عليه أن يخوض معركة من نفس مستوى المعركة ضد كوفيد 19، ولنقل إنها الكوفيد 20. إنها معركة ضرورية من أجل حياة لا تلعب ولا تلهو أبدا بالمبادئ والقيم وما دون ذلك فمرحى! فهل كانت الحياة حياة لو لم تبتغ إسعاد الإنسان؟

 

فهل نحن سعداء؟ ياااه! كم هي معقدة هذه الأسئلة البسيطة. ولكن دعنا نلتف على السؤال بسؤال، وهذا دأب المفاوضات الذاتية الطويلة هذه الأيام.

 

لماذا نختبئ من فيروس مجهري لما يناهز الشهرين ضمن أكثر من أربعة ملايير إنسان في العالم؟ لأننا نخشى الموت!

 

ولماذا نخشى الموت؟ لأننا لا نريد أن نفقد الذين نحبهم. ولكن هل نكرس ـ أو كنا نكرس ـ حياتنا لمن نحبهم بما يكفي أو بما يستحقون أو ما نستحق لنكون في الاتجاه الصحيح لهذه الرحلة القصيرة في الدنيا الفانية؟ بالطبع لا.. وللأسف لا!!

 

تسخر منا الحياة اليوم وهي توقفنا أمام المرآة إجباراً لنرى في ذهول أننا كنا منشغلين بمن أساء أو طعن أو غدر أو ناور أو تحامل أو خاصم أو نافس أو شاكس، وكنا نعتقد أن من نحب هم مكسب لم يعد يستحق الجهد والعناء. فنخرج في الصباح لحروبنا مع الحياة، ونعود في المساء منهكين، لنعد العدة ليوم جديد. والحب على الهامش، فمن ملك شيئا أهانه!

 

كنا نمشي بجانب السعادة كل يوم، ولكن نخطئ في المقادير. كنا مغفلين وما نزال كذلك ونحن نتوق لليوم الذي سنعود فيه إلى «الخارج» وإلى الدوامة ذاتها، ونحن نتوهم أن الزمن سيبقى هو الزمن.

 

ها نحن شهود على هذا الانقلاب الرهيب في المفاهيم، فجبن الأمس في القعود في زمن الحرب أصبح شهامة، والإقدام في المواجهة أصبح تهوراً، والخوف الذي كان يعرقل الحياة أصبح سلاحا ضد الموت. ولكن الانقلاب الأكبر سنعيشه في حياة لن تعود كما كانت في السابق أبداً. لقد ضيعنا الفرص قبل الجائحة، أما في الغد، فلا عنوان للعلاقات الاجتماعية إلا التباعد، وسيكون مغفلا من يعتقد أن الحسم من أجل تصور لأسلوب عيش جديد هو اختيار، فهذه الدنيا ستكون أصعب، وسنعيش ردحا من الزمن مكممين مكبلين بالخوف من الآخر علينا، وبالخوف على الآخر منا! إنه عهد اللا اتصال بين البشر، وهو عهد لا رجعة فيه.

 

لقد تحرك خبراء في الغرب ينظرون للإنساني عقب الجائحة. فإذا كان اللمس مثلا من الحواس الأساسية التي ننسج من خلالها العلاقات ـ كما يقول أحدهم ـ وكانت المصافحة طقسا للولوج إلى الآخر، وطريقة لفتح علاقة أو إغلاقها، أو لتوجيه رسالة، فإن هذه الحركة، التي لم تكن تشفي غليل المغاربة إلا إذا تباوسوا بقوة، ستصبح من عداد الماضي، بل هناك من يتحدث عن المسؤولية الأخلاقية في الاتصال البيني اليوم، بحيث أن كل حركة تتمخض عنها عواقب، وبالتالي تصبح المصافحة غير المحمية من الآن في عداد العلاقات الجنسية بلا واق على عهد السيدا. «إن الكوفيد 19 سيعيد كتابة سكريبت الولوج للآخر وطريقة تعبيرنا عن ارتباطنا به».

 

إن احترام المسافة بين الأفراد في الشارع والمكاتب والمحلات، سيجعل الأفراد يرقصون! وقد ذهب كوريغرافيون أمريكيون لدرجة اعتبار الطريقة المنتظمة للحركة وفن مراوغة الآخر وتجنبه، بمثابة رقص. فـ»كلنا اليوم راقصون، ويجب أن نتحرك على هذا الأساس». والحكمة هي أن التخفيف من قساوة التباعد الاجتماعي يجب أن تتم من خلال التحول من احترام الفضاء العام إلى الاحتفاء به، فالحياة ثمينة والحركة أيضا!

 

لا أحد يعرف متى سنخرج لـ»الرقص مع الفيروسات» ولا ما إذا كانت هناك موجة ثانية من الجائحة، ولا لماذا صار كوفيد 19 نقطة فاصلة في التاريخ، ولكن الذي نعرفه اليوم، هو أن هذا الامتحان يجب أن يقرأ بشكل صحيح، حتى نواجه الموت إذا كان لابد منه بشموخ، أو نبقى في الحياة بعزة.

 

إن هذه الأطراف المترامية للفقراء في الجهات الأربعة للمملكة يصعب عليها أن «ترقص» أو تفكر في «الحب»، وهي واقفة على باب الحياة لم تدخله بعد. كاد الفقر أن يكون كفرا، فكيف لا يكون عاصفة غضب؟

 

إخواننا لم يصلوا بعد لأن تلهو بهم الحياة أو تسخر. إنهم على الهامش وليس سبب ذلك إلا أولئك الذين نسجوا الفشل بأنانيتهم لعقود خلت، وسرقوا أو استبدوا أو انبطحوا أو تمسحوا وتمادوا أمام تعفف الأصفياء، وتواري الكبار، وتقافز الصغار.

 

ربما لن نخرج من تبعات الجائحة كما كنا، ولكن يمكن أن نخرج بتعاقد جديد مع أنفسنا، على ألا نبخل أبدا بكرم المشاعر الفياضة على كل عزيز وغالي وكل من يستحق، وألا نقوم إلا بما يجب لا ما قد يعجب، وأن نعرض عن أصحاب المعالي في الدناءة والتفاهة، وأن نحب أكثر.. الآن الآن أكثر.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً