أسلحة المستقبل.. لهذا يصبح التحول الرقمي في المغرب حتميا بعد كورونا ؟



فجأة يدخل نصف سكان الكوكب إلى المحاجر، وتغلق كل الأماكن العامة بسبب فيروس كورونا المستجد، وتوصد الحدود في مارس 2020 ، ويتخلى الناس مضطرين عن هواياتهم خارج البيوت.

 

وجد العالم الحديث بكل قوته نفسه أمام عدو خفي، فيروس مجهري لا يٌرى بالعين المجردة، ولا يمكن قتله بالرصاص او الصواريخ البالستية أو طائرات الميغ او إف 35 المتطورة وغيرها من الأسلحة التي تحولت إلى مجرد خردة أمام كوفيد 19 الذي أصاب حتى كتابة هذا المقال أكثر من 20 مليون و 850 ألف شخص حول العالم ، وفتك بأزيد من 700 ألف شخص حتى الآن ويحتاج إلى أسلحة من نوع خاص لمواجهته في ظل السباق المحموم بين القوى الكبرى على اللقاح المنتظر.

 

وفي المغرب أعلنت وزارة الصحة الى حدود السادسة من مساء الأربعاء تسجيل 1499 حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد -19)- كأعلى حصيلة يومية- و292 حالة شفاء، و23 حالة وفاة خلال الـ24 ساعة الماضية.

 

الحصيلة الجديدة رفعت العدد الإجمالي لحالات الإصابة المؤكدة بالمملكة إلى 36 ألفا و694 حالة منذ الإعلان عن أول حالة في 2 مارس الماضي.

 

وبلغ مجموع حالات الشفاء التام إلى 25 ألفا و677 حالة، بنسبة تعاف تناهز 70 في المائة، فيما ارتفع عدد الوفيات إلى 556 حالة.

 

سلاح الإرادة

 

شكلت الإرادة اولى مراحل مواجهة الفيروس حيث السرعة في اتخاذ القرارات ، وخاصة قرارات الإغلاق التي تأخرت فيها بعض الدول ففتك الفيروس بعشرات الالاف فيها كإيطاليا ، وفرنسا ، والولايات المتحدة وبريطانيا والبرازيل.

 

الإرادة السياسية تحتاج إلى الجرأة حتى لو كانت هذه الجرأة مكلفة نوعا ما اقتصاديا وسياسيا، لكن انقاذ البشر اولوية الأولويات وإلا فإن لا جدوى من كل الخطابات، لذلك كانت السرعة في اتخاذ القرار حاسمة.

 

سلاح الطب والبحث العلمي

 

انتشار كورونا في العالم سلط الضوء على المنظومات الصحية وأيها ستصمد في وجه هذا السيل الهادر من عدد المصابين، وسط ضعف الإمكانات والموارد البشرية التي استدعت تدخل الطب العسكري في أكثر من بلد واستدعاء المتقاعدين والطلبة المتدربين والمتطوعين.

 

قطاع الطب الذي همشته الكثير من الدول في فترة ما ومنها المغرب، عل اعتبار أنه غير منتج، عاد ليسائل مستقبل ما بعد كورونا، حيث ينتظر أن تخصص له ميزانية تليق به وبالبحث العلمي، والذي يمكن أن يشكل طوق النجاة قبل اكتشاف اللقاح الذي أعلنت روسيا قبل يومين انها طورته ، وسط تشكيك من دول أخرى، خاصة تلك التي تخصص ميزانية ضخمة من الناتج الخام للبحث العلمي ، فأنظار العالم اليوم تتجه إلى المختبرات في الصين واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول، التي تخوض سباقا ضد عقارب الساعة، بينما يواصل الفيروس انتشاره منذ أول حالة اكتشفت في مدينة ووهان الصينية في دجنبر من العام الماضي.

 

السلاح الرقمي

 

يمكن اعتبار السلاح الرقمي هو واسطة عقد الأسلحة المستقبلية لعدة أسباب لعل أبرزها، العدد المرتفع لمستخدمي الانترنت ممن يملكون هواتف ذكية ، اي ان الانسان يملك سلاحا في جيبه، كما أن عدد المغاربة الذين يستخدمون الأنترنت من بين 4 ملايير ونصف من سكان الكوكب ممن يستخدمونها وتصل إلى 59 في المئة منهم. هو 25 مليون مغربي تصل إلى 69% منهم ، بينهم 18 مليون مستخدم نشط لمواقع التواصل الاجتماعي ، وفق آخر تقرير لمؤسسة we are social، بشراكة مع هوتسويت، وهو عدد مرشح للارتفاع بعد جائحة كورونا.

 

وقد دخل المغرب مواجهة كورونا رقميا عبر تطبيق وقايتنا، وهو تطبيق تتبع المصابين ومدى قربهم من غيرهم ، وهو على غرار التطبيقات الكثيرة والاجهزة التي كانت نيوزيلندا والصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة سباقة إلى تصميمها.

 

يقول البروفيسور ماثيو بايليس من جامعة ليفربول في تصريح سابق لبي بي سي نيوز “في السنوات العشرين الماضية، كانت لدينا تهديدات كبيرة – سارس، ميرس، إيبولا، إنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير”.وأضاف: “لقد هربنا من خمسة رصاصات لكن السادسة أصابتنا”. في إشارة إلى كورونا: “هذه ليست آخر جائحة سنواجهها، لذا نحتاج إلى النظر عن كثب في الأمراض الموجودة في الحياة البرية”.وكجزء من هذه الدراسة الدقيقة بهذه الأمراض، صمّم بايليس وزملاؤه نظاماً للتعرف على الأنماط التنبؤية، يمكنه استكشاف قاعدة بيانات واسعة من كل أمراض الحياة البرية المعروفة.

 

تجربة نيوزيلندا

 

أدرك المسؤولون في نيوزيلندا أن المعركة من أجل القضاء على الفيروس التاجي في البلاد سوف تدعو بشكل لا مفر منه إلى التحول الرقمي – لذلك سارعت الحكومة في تثبيت تطبيق يمكنه تسجيل تحركات المواطنين.

 

في بعض أنحاء العالم ، يعني تتبع الاتصال الرقمي الحصول على بيانات موقع الهاتف المحمول – مما يمنح الدولة بشكل فعال الإذن لرؤية تحركات الأشخاص الذين يحملون هواتفهم رغم ما يثيره الأمر من مشكلات مرتبطة بالخصوصية، لكن توماس بيجل ، المتحدث باسم المجلس النيوزيلندي للحريات المدنية ، اجرى استطلاعا غير رسمي في متم مارس 2020 على تويتر لمتابعيه لسؤالهم عما إذا كانوا سيثبتون تطبيق تتبع جهات الاتصال الرقمي على هواتفهم إذا طلبت منهم الحكومة ذلك. أجاب أكثر من النصف بأنهم سيفعلون.

 

خلصت دراسة لباحثين في جامعة أكسفورد ، نشرتها مجلة Science T في ابريل 2020 ، بأن الفيروس ينتشر بسرعة كبيرة بحيث لا يمكن احتواؤه عن طريق تتبع جهات الاتصال اليدوي – ولكن يمكن التحكم فيه عن طريق نظام رقمي أسرع وأكثر كفاءة وأكبر يمكن أن “يلعب دورًا حاسمًا” في البلدان التي تتجنب الإغلاق  أو تخرج من الحجر الصحي.

 

ويقول البروفيسور شون هندى ، مدير مركز أبحاث Te Punaha Matatini تعليقا على الدراسة ، إن أبحاث أكسفورد تظهر أنه بمجرد مغادرة نيوزيلندا للإغلاق ، سنحتاج إلى مساعدة رقمية للبقاء خارج شروط المستوى الرابع.

 

ويضيف هندى: “يبدو أن الطريقة التقليدية لتتبع الاتصال بحثًا عن المرض بطيئة للغاية ، دون تأثير الإغلاق”. “أحد التأثيرات الكبيرة للإغلاق هو مساعدة أدوات تتبع الاتصال على البقاء في طليعة المرض. ولكن إذا كنا سنخرج من الإغلاق ونعود إلى المستوى الثالث أو المستوى الثاني ، أعتقد أننا بحاجة إلى البحث عن حلول جديدة.”

 

تجربة سنغافورة

 

كانت سنغافورة من الدول السباقة بعد نيوزيلندا لاعتماد تطبيق مختلف في أبريل الماضي يساعد على الحد من انتشار وباء كورونا في البلاد .

 

لكن نجاح سنغافورة في إقناع أكثر من 600000 مواطن باستخدام تطبيق يستند إلى البلوتوث يسمى Trace Together يوفر بديلاً أكثر استساغة وأقل جاذبية ويمكن أن يقبله نشطاء الحريات المدنية – وبدا منطقيا محاكاته للجهاز النيوزيلندي.

 

تطبيق “تراس توغذر” السنغافوري، الذي يسجل تاريخ ومعلومات جهات الاتصال الموجودة على الجهاز، وإذا كان اختبار مالك الهاتف الذكي إيجابيا لمرض كوفيد-19 (الذي يسببه فيروس كورونا الجديد)، فيمكن تنزيل هذه البيانات حتى تتمكن فرق تتبع الاتصال من الاتصال بسرعة مع الآخرين المعرضين للخطر.
وتصل تنبيهات الجهاز الذي يستخدمه حتى أولئك الذين لايتوفرون على هاتف ذكي ، إلى المستخدمين إذا اكتُشِف أنهم قريبون من شخص مُصاب بفيروس كورونا.

 

الدفعة الأولى من هذه الأجهزة وزعت على كبار السن المعرضين لمخاطر ولهم دعم عائلي محدود ومن يعانون من مشاكل في التنقل.

 

هذه ليست سوى أمثلة، عن ملامح السلاح المستقبلي للمعضلات المقبلة التي يمكن أن تواجه البشرية وتعزل الدول عن بعضها البعض كما فعل كوفيد19.

 

حتمية التحول الرقمي

 

عموما فإن التحول الرقمي كان سيكون حتميا بدون كورونا ولكن الجائحة عجلت بدق الناقوس، ليسمع في الجهات الأربع من الكوكب، يبقى فقط من سيستجيب أولا ومن سيتحرك بالسرعة المطلوبة .

 

البيانات الضخمة ستكون أهم مرتكزات سلاح المستقبل، وأساس التحول الرقمي.

 

كما أن الحوسبة السحابية التي تعتبر من أفضل ما وصلت إليه البشرية بارتباطها بالإنترنت سيكون لها دور أساسي في نقل المعطيات والتعليم عن بعد.

 

يتوقع خبراء أن الكثير من الوظائف التقليدية ستلغى، والعالم في 5 سنوات سيستغني عن 50 مليون وظيفة تقليدية فقط في قطاع السياحة، بحسب تقرير لمجلة فوربس، في المقابل سيتم خلق ملايين الوظائف الجديدة المرتبطة بالتحول الرقمي .

 

التحول الرقمي لم يعد ترفا بعد كورونا بل هو شيء حتمي، ولعل ما واجهته وزارة التربية الوطنية على مستوى التعليم عن بعد يكشف حجم الأزمة، وما ينبغي القيام به في ها الشأن .

 

التحول الرقمي يحتاج إلى بنية تحتية عالية، وموارد بشرية مؤهلة ونظرة استشرافية نحو المستقبل وإرادة كذلك.

 

التحول الرقمي سيساهم في الإقلاع الاقتصادي لما بعد كورونا، كما أنه يمكن أن يساهم في الإشعاع الثقافي ، والتربوي وغيره عبر رقمنة العلوم جميعها والإنتاجات الثقافية والإبداعية.

 

التحول الرقمي سيجعل المواطن يحصل على خدمة جيدة في وقت وجيز كما أنه سيساهم في تخليق الحياة العامة على مستوى الإدارة كما يمكنه أن يساهم في الحد من الرشوة ومظاهر الفساد.

 

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً