الدخول والخروج في الكلام

إن شراسة الأزمة كانت تتطلب اتخاذ قرارات مؤلمة، ولكن المشكل لم يكن في القرارات الصعبة في حد ذاتها، ولكن في طريقة إخراجها، وبالتالي أصبحنا أمام معادلة تبعث على السخرية السوداء، وهي أن الناس غاضبون على قرارات تتخذ لحمايتهم! إن الذي يبدو واضحا هو أن التواصل يبقى آخر همّ للمسؤولين في القطاعات الحساسة التي تدبر أزمتنا غير المسبوقة،

نور الدين مفتاح [email protected]

 

ما أفدح جهلنا وما أشرس عدونا!

 

لقد ضحك منا الكوفيد 19 جميعاً، من محللينا ومحرمينا ومن مفكرينا ومن سياسيينا، ومن خططنا ومن العلماء والأطبّاء والمخترعين، ومن الدول الديموقراطية والسائرة في طريق الدمقرطة، ومن الاطمئنان العام ومن أشيائنا الصغيرة. من الوفاء بالتزام مع طفل إلى الوفاء بالتزام بخطط للإنقاذ. من يستطيع أن يبرمج للغد؟ من يتجرأ على التكهن؟ من يضمن نفسه حتى يضمن غيره في حيه أو مدينته أو بلده؟ هذه قيامة اللايقين فما الذي جرى، وما الذي يجري؟

 

في مثل هذه الأوقات التي تشتد فيها الأزمات، تكثر الأسئلة وتعز الأجوبة، ولكن على الرغم من جهلنا المشروع بالفيروس في هذا العالم المفتوح على المجهول، إلا أننا لم نكف عن الكلام، ويبدو لي أنه كلما زاد جهلنا بالشيء كلما فاض حديثنا عنه، وفي النهاية نعود للمنطق الذي يقول إن الثرثرة لم يسبق في التاريخ أن كانت دواء شافياً. بل حتى الضجيج والصراخ لم ولن يحل المشكلة. إننا نراقص الموت في كل مكان، وفي لحظة نسينا أننا كنا مختبئين من الفيروس، فانتشرنا بعد الحجر في الأزقة والشوارع والشواطئ والأسواق ندعي شجاعة تبعث على الشفقة، وها نحن كما نرى مشاريع مرضى – حفظ الله الجميع – أو مشاريع مفلسين!

 

هل تدعو يا هذا للصمت حتى نتفرج بشكل جيد على سيف الجائحة وهو يقطف الرؤوس ويحصد الأرواح؟ أبداً! فليس كل الكلام ثرثرة، وإذا كان ما ينتج في العالم من ملايير الخطابات حول الجائحة لم يستطع أن يجيب على أبسط أسئلتها، فإنه على الأقل يناقش باستمرار كيفيات تدبيرها وهذا حق للمواطن نعاني نحن من عجز في تلبيته. نحن لا ننتج من الخطابات إلا ما يترك لردود الفعل أن تطغى كردود فعل شخصيّة على قضية مجتمعية بامتياز. وعن التواصل أتحدث يا سادة يا كرام.

 

لقد خرجنا من الحجر الصحي بقدر غير يسير من الزهو. والرضى عن النفس ليس خطيئة خصوصا إذا كان المغرب قد دبر الشهرين الأولين من الأزمة بشكل جيد. إلا أننا اكتشفنا أننا كنا ضحية ارتياحنا الذاتي. فعندما استمرينا في التسويق للمغرب كبلد هزم فرنسا في تدبير الكمامات واخترع أجهزة تنفس اصطناعية في لمح البصر، وكتبت عنه كبريات الصحف العالمية، وأن الجائحة متحكم فيها وأن كل مهوِّل هو متنكر غير موضوعي، أعطينا للرأي العام رأس مال من الاطمئنان والتهوين أصبح من الصعب جداً أن نقلبه رأساً على عقب بعد أن كتبت كورونا أسوأ السيناريوهات في موجتها الثانية التي نعيش في لجتها.

 

بالطبع ليست الحكومة مسؤولة عن كورونا، ولكنها مسؤولة عن حسن تدبير آثار الجائحة ومسؤولة عن الصحة العامة وعلى النظام العام وعلى مصالح الناس وعلى اللطف في الأزمة.

 

خرجنا من الحجر الصحي بنوع من الارتباك، وأرسلت وزارة الصحة إشارة لم يتم الانتباه لخطورتها وهي أنه سيتم إفراغ كل المستشفيات العمومية من مرضى كورونا وسيتم تركيزهم في ابن جرير وابن سليمان، مما زاد من الانطباع بأننا نودع الكوفيد إلى غير رجعة. ولكن جرت رياح الفيروس بما وضعنا في أسوأ مأزق يمكن أن توضع فيه أي بلاد، وهو استحالة الحسم في الاختيار بين صحة الناس وموارد العيش. لا يمكن أبدا العودة للإغلاق التام ولا يمكن أن نعيش انفتاحا كاملا، وهنا كان لابد أن ننتظر وقوفنا أمام المرآة، أن نكتشف أنفسنا ومجتمعنا وطرق تفكيرنا، في إطار حمّام سوسيولوجي خرافي بكلفة باهظة جدا جداً.

 

وخلال شهر غشت القائظ، تم تحويل الاستراتيجية التواصلية البسيطة 180 درجة، وبدأت تدخل الكاميرات إلى أقسام الإنعاش وكلمة الموت تتصدر التصريحات في التلفزيونات، ويتم استجواب الأرامل والأيتام في الإعلام الرسمي ويتاح لخطاب جديد أن يمر، من مثل أننا لا نمتلك إمكانيات أوروبا ولذلك فالفيروس سيفتك بنا مع استمرار التهاون، إلا أن كل هذا لم يفد، وإلى حدود كتابة هذه السطور تظل الأرقام المعلنة عن عدد الإصابات اليومية بالمرض مخيفة، مع أن هذه أرقام من استطاعوا فقط أن يجروا التحاليل، وتم التوصل بنتائجهم الرسمية، وأما عدد الإصابات الحقيقية فلا يعلمها إلا العلي العليم.

 

إن شراسة الأزمة كانت تتطلب اتخاذ قرارات مؤلمة، ولكن المشكل لم يكن في القرارات الصعبة في حد ذاتها، ولكن في طريقة إخراجها، وبالتالي أصبحنا أمام معادلة تبعث على السخرية السوداء، وهي أن الناس غاضبون على قرارات تتخذ لحمايتهم! إن الذي يبدو واضحا هو أن التواصل يبقى آخر همّ للمسؤولين في القطاعات الحساسة التي تدبر أزمتنا غير المسبوقة، ولنا أن نعطي مثالين دون حصر: الأول يتعلق بالندوة الصحافية اليومية لوزارة الصحة التي التصقت بمدير الأوبئة اليوبي، فبعد خلاف لم يكن مقبولا في هذه الظروف، استمر هذا التصريح اليومي إلى حدود الأربعاء ما قبل الماضي، حين قرر السيد وزير الصحة أن ينهي هذا الموعد مع المغاربة ليستبدله بتقرير مكتوب يوزع على وسائل الإعلام لتتصرف فيه كما تشاء. وإذا كان شكل التصريح الوزاري الأصلي مليئاً بالثقوب والعيوب، فإن الاستغناء عنه هو معالجة مشكلة بتركها وإعطاء انطباع للناس بأن هذه القضية لم تعد لها نفس الأهمية.

 

والمثال الثاني هو ما أصبح يعرف بقرارات منتصف الليل، ومنها إعلان قرار إغلاق الدار البيضاء وتأجيل الدراسة الحضورية بها بعد العاشرة ليلاً من يوم الأحد، بعد أن نام مئات التلاميذ وهم متأهبون لملاقاة أصدقائهم وصديقاتهم صباح الغد، فإذا بهم يستيقظون على حال يصعب على الأمهات والآباء أن يشرحوه لهم.

 

وإذا كان لابد من قرار كهذا، فلزاما كان يجب أن يحضر الوزير شخصيا لإعلانه، وأن يكون رئيس الحكومة أو وزراء معنيون أو معينون في الصباح الباكر في الإذاعات ولم لا التلفزيونات، يشرحون قرارهم ويخضعون للمساءلة حوله ويتلقون هواتف القلقين ليطمئنوهم والغاضبين ليهدئوا من روعهم، والمزايدين ليردوهم إلى أماكنهم. فالإذاعات الخاصة موجودة والتلفزة موجودة والأنترنيت متاح، وهذا يقع منذ سنوات في دول مجاورة شمالا وأقربها إلينا فرنسا التي لا يمر صباح باكر وإلا ووزير أو مسؤول يفتتح النقاش العمومي لليوم. لكن لا شيء يحصل، اللهم إلا بلاغ يخرج من قوس مذيع كالسهم ليشعل الفيسبوك ويعلن بداية الاشتباك.

 

لقد قامت وسائل الإعلام المغربية خلال الجائحة بمجهود جبّار، ولكنها لم تكن مسنودة بإرادة رسمية للتواصل الحقيقي. هناك شح فظيع في المعطيات وهناك تثاؤب في النقاش العمومي يترك المجال لفورات في مواقع التواصل الاجتماعي بإيجابياتها والكثير من انزلاقاتها، إلا أن الحق في المعلومة لو كان محترما في إطار استراتيجية تواصلية حقيقية لارتقى النقاش في كل ركن ولسهل التجاوب في أزمة الله وحده يعلم إلى أين ستقودنا.

 

لا العطلة كانت عطلة، ولا الدخول دخولاً، ولا الخروج سيكون خروجا، ولكننا رغم كل شيء نظل وافقين على باب الأمل.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً