مستشار الرئيس الموريتاني الأسبق: إنشاء دولة سادسة في الفضاء المغاربي سيكون خطيئة تاريخية



حاوره: رضوان مبشور

محمد ولد أمّيْن هو سياسي موريتاني مشهور، حيث اشتغل في السلك الدبلوماسي لبلاده لسنوات في العاصمة البلجيكية بروكسيل ثم في كندا و جنوب إفريقيا، كما شغل عدة حقائب وزارية على فترات مختلفة في حكومات نواكشوط، و تولي حقيبة وزير الاعلام، و شغل كذلك منصب وزير مستشار في رئاسة الدولة.

يعتبر كذلك محمد ولد أمّيْن واحد من الكتاب الموريتانيين النشيطين المعروفين بمواقفهم القوية في عدد من المواضيع التي يخوض فيها سواء من خلال مقالاته أو خرجاته على بعض منصات التواصل الاجتماعي، ومن بينها مواقفه من قضية الصحراء، التي يعرفها حق المعرفة، وهو الدبلوماسي و الوزير و مستشار الرئيس الموريتاني.

في هذا الحوار يخلص ضيفنا إلى قناعة راسخة مفادها أن دعم إنشاء دولة سادسة في الوطن المغاربي سيكون خطيئة تاريخية، يعرج للحديث عن تداعيات أزمة الكركرات على الجارة الجنوبية للمغرب موريتانيا، و يتحدث عن الأخطاء التاريخية التي ارتكبتها مختلف دول المنطقة لنصل إلى الوضع الراهن، ليخلص في الأخير إلى أن انفراج ملف الصحراء مرتبط بريح وحدوية آن لها أن تتبلور، بسبب ثورة يقوم بها المثقفون لتسويق خطاء إخاء و تصالح.
————————————————————————————————-

+ كيف تقرأ اليوم الوضع في منطقة الكركرات. و هل لما حدث و يحدث انعكاس على الشقيقة موريتانيا ؟

الوضع اليوم مفزع جدا، وكيف لا يكون وقد انتهت حالة الهدنة و أصبحنا أمام وضعية توتر معلن تؤدي إلى تقليص وجود الأمم المتحدة وتنذر بكثير من علائم السوء.

مما لا شك فيه أن التوتر هو أساس الحروب، فأي عسكري مغمور على طول الحدود بين المغرب والجزائر يستطيع في حالة اطلاق رصاصة واحدة أن يفجر المنطقة برمتها، لان الحالة الراهنة حالة تحشد و تحفز. الشاب البلقاني الذي قتل الارشيدوق النمساوي لم يكن يعلم أنه سيجر للعالم حربا يموت فيها الملايين.

منذ القدم وتجارب الشعوب والأمم تقول لنا إن أحسن شيء هو نزع فتيل النزاعات وعدم تركها تستفحل وتتراكم. و الواقع يقول أنه منذ الاستقلال والمنطقة في حروب الرمال الناتجة في جلها عن المكابرة وضغائن عنيدة لا مبرر لها ولا مسوغ.

بالنسبة لموريتانيا التي تحاول قدر الامكان أن تبتعد بنفسها عن الصراع فهي معنية به في اقتصادها وفي أمنها، فليس سهلا أن تمتلك حدودا ملتهبة أو مهددة على طول الف كيلومتر ونيف! إضافة إلى ذلك فاغلاق المعبر قتل التجارة البينية ليس بين موريتانيا والمغرب وحسب و إنما بين موريتانيا والبرتغال التي تستورد برا كميات ضخمة من الاسماك الطازجة مثلا، أضف إلى ذلك أن هذه الوضعية المفزعة فرضت علينا حشودا عسكرية كبيرة لمراقبة الحدود في وقت نواجه فيه تبعات أزمة الكوفيد التي عصفت بالاقتصاد العالمي، ولا ندري غدا إلى أي اتجاه ستستقر الاوضاع.

على كل حال مصلحتنا الاستراتيجية توجد في الهدوء وفي العمل على ارساء منطقة ثراء مشترك، وليست في التوتر وسفك الدماء الغالية لإخواننا.

+ كتبت منذ أيام قليلة تقول أنه “… لا يمكن لمن يؤمن بالوحدة المغاربية أن يطالب بالمزيد من التقسيم، إذ ليس من الممكن في الرياضيات الوصول إلى الجمع عبر الطرح”. هل ما تقصده هو أن إنشاء دولة سادسة في الفضاء المغاربي سيكون خطيئة تاريخية لا تغتفر ؟

هذا صحيح، فمن البديهي أن الوحدة تعني إزالة الحدود القطرية وترك الشعوب تتفاعل بحرية. من المحزن أن نسجل أننا كنا أكثر تراحما ومحبة بيننا أيام كنا تحت الاستعمار الفرنسي حين كان الناس يمضون بعض اليوم في وجدة ويمسون في وهران. حصل الاستقلال، طرد الغزاة وها أمامكم على طول الحدود المغربية الجزائرية نفس العائلات الممزقة تتبادل الصرخات عبر مكبرات الصوت لأن الساسة أغلقوا الحدود !؟

هذه جريمة سببها تقديس الحدود على حساب المشترك العام، سببها الضغائن السياسية وككل الضغائن فهي لا تستند على أي منطق عقلاني و إنما على مشاعر مبهمة تخلط بين السلبية والعناد.
بالنسبة لإنشاء دولة سادسة أمر غير جدي وغير ملح. فماذا سيفيد؟

على كل حال ليس لي أن أقرر نيابة عن أحد، لكن من حقي كإنسان أن أضع السؤال التالي: الصحراء الكبرى قسمتها الدول الكبرى بين الدول الافريقية الحديثة ونالت الجزائر منها أكبر و أغنى قطعة، أي قرابة مليونين كيلومتر، وهي القطعة التي يوجد فيها البترول، ونالت منها موريتانيا مليون كيلومتر. وبالمناسبة نالت الجزائر هذه القطعة صدفة، ودون خيار سكان الإقليم، فقط لأن فرنسا التي كانت تخطط على استبقاء الجزائر لنفسها قررت ضم أكبر قدر ممكن من الصحراء الكبرى لسيادتها واستخدمتها للتجارب النووية وطورت الاكتشافات النفطية بها.

وهكذا أصبحت الارض جزائرية تماما، كما أصبحت تمبكتو وصحاريها من مالي، وكل هذا أمر مشروع ومقبول في عالم الدولة الافريقية الحديثة. و لتتضح الصورة أكثر نسجل أن اسبانيا قبلت أن تترك للمغرب مدن طانطان و سيدي إيفني، و في نهاية الخمسينيات، أي بسنوات قبل استقلال الجزائر لذلك لم يتم تأسيس جبهة لتحرير طانطان وكليميم، ربما لأن الجزائر ساعتها ما زالت تحت الاحتلال الفرنسي ! انهم نفس القبائل، ونفس العادات، ونفس التقاليد، وكيف يعقل أن يقبل لهؤلاء ما لا يقبل لأولئك ؟
بكل صراحة الأمر برمته نتيجة لانعدام الثقة بين المغرب والجزائر، وهي ازمة الثقة الناتجة عن حرب الرمال الاولى، وعلى أهل الدراية في العالم العربي والإسلامي وفي المنطقة السعي لإعادة الثقة بين هذين البلدين. فمن ينظر من زاوية إطلاق النهضة وضرورة ردم الهوة بين الأقطار العربية و أوربا لن يكون فرحا بتقسيم المقسم وتفتيت المفتت، خصوصا حين نحسب الخسائر الاقتصادية الضخمة الناتجة عن هذا الخلاف العقيم.

على النخب العربية في كل مكان أن تهتبل الحرية السياسية التي يتيحها الانترنت لخلق ثقافة بناءة، ثقافة اخاء، فالشعوب العربية التي تعيش الآن ذروة التحول الديمغرافي اذا لم تتمكن من ارساء النهضة الآن فلن تقدر عليها في العقود القليلة المقبلة، حيث تشير التوقعات الاحصائية إلى أن مجتمعاتنا الشابة اليوم ستكون مجتمعات مكتهلة غدا.

لنا الحق بأن نحلم برؤية الحديد الجزائري النائم منذ الازل في غار جبيلات يستخرج ويصدر عبر المحيط الاطلسي، فأوروبا التي ترون أمامكم بدأت باتفاق بسيط حول الصلب والفحم.

الجزائر رغم التصلب تبقى بلدا عربيا وقوة اقليمية كبرى وعليها أن تتحمل مسؤولياتها في تحريك القطار وتلبية رغبات الشعوب وتحقيق طموحاتهم. و أسجل بكثير من الارتياح التصريحات الايجابية لعدد كبير من المثقفين الجزائريين الذين لا يخفون اليوم رغبتهم في تصفية كل النقاط العالقة و حلحلتها من أجل غد مشرق طال انتظاره.

+ كتبت أيضا تقول أن “الحقد و الغلو ليسوا أحسن المستشارين في عملية التنمية”. أين يكمن هذا الحقد و الغلو في اعتقادك، و هنا أتكلم عن جميع الأطراف سواء من الجزائر أو جبهة البوليساريو أو المغرب وربما يمتد الأمر و يشمل موريتانيا بدورها ؟

طبعا هناك ضغائن متراكمة أنتجها طول الصراع بينكم والجزائر و المغذي للمسألة الصحراوية، و هناك ضغائن انتجتها حالة التوتر وعدد الضحايا، وسأعطيك أمثلة:

يلمس المراقب الفطن في النخب الجزائرية والموريتانية نوعا من رفض الملكية ويعتبرونها نظاما بدائيا مقارنة بالجمهورية حيث هناك مفهوم المساواة، وهنا نجد انفسنا أمام حالة مزاجية إذ كيف يكون نمط الحكم في بلد جار محل نقاش في هذا النوع من القضايا.

في هذا النوع من التموقعات المتصلبة ترشح أحقاد خارجة من حاضنة الصراع الطبقى، وعلينا أن لا ننسى الدور الذي لعبته الشيوعية والايديولجيات اليسارية في قولية العقل المغاربي.

من جهة أخرى، هذا الوضع أزمن، إذ نحن في العقد السادس من التوتر إذا حسبنا الامر من حرب الرمال الاولى، وبطبيعة الحال هناك سجل حقوقي حافل، و هناك ناس فقدوا ذويهم في الحرب، وهناك ناس اختفوا في سجون المغرب والجزائر ومعتقلات البوليساريو وهناك في موريتانيا أيضا سجل مزعج، وكل هذه الدماء تخلق ضغائن.

لكن تاريخ الانسانية لا يمكن أن يتوقف على ضغينة مهما كانت مسوغاتها، فالدول تساس بالمصالح، والطموح يجب أن يكون كبيرا، فهذه الحالة تمنع دولنا من الانطلاق. ودعني أقول لك بكل صراحة أنه لولا هذه الوضعية لصار من الممكن لدولة كالجزائر أن تصل الى مراحل تصنيع تقترب من فرنسا ولجاز للمغرب ما يجوز لاسبانيا.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً