في البحث عن رجل راشد هناك

وإذا كانت يد المغرب ممدودة منذ أن بسطها الملك محمد السادس في يوليوز 2019، فإن الإبقاء على يد شجاعة هكذا في الهواء دون إسنادها بقبضة ثقة ومودة يصيب الكتف بالتوعك، ويطيل أمد هذه الشوكة التي بينت السنين الطويلة أنها لا تدمي المملكة فقط ولكنها تدمي الجميع. لقد آن لهذا الاستنزاف المتبادل أن ينتهي من أجل الشعب المغربي والشعب الجزائري ووراءهما الشعوب المغاربية، فهل من رجل راشد هناك؟

نور الدين مفتاح [email protected]

 

 

بعد أسبوعين تقريباً على تحرير معبر الكركرات، سارت الأمور باتجاه معاكس تماما لما كانت تنتظره جبهة البوليساريو، فعلى المستوى الميداني، قدمت الجبهة للمملكة المغربية فرصة ثمينة لإنهاء وجع الرأس في هذا المعبر الحيوي الذي يربط المغرب بعمقه الإفريقي برا ويربط موريطانيا بأفقها المتوسطى. وعلى المستوى الديبلوماسي، تبين للبوليساريو وللجزائر أيضا أن المحيط الإقليمي والدولي لم يعد ينصت إلا إلى صوت الواقعية والحكمة، لدرجة أن مواقف الدول جلها كانت مساندة للمغرب مع كسب العديد من الأصوات المترددة أو المتوددة قديما للطرح الانفصالي، وبالتالي بقيت القيادة في الرابوني تصدر البلاغات العسكرية التي لا يسمع صداها إلا من يصدرها وهي تتحدث عن هجوم هنا وقصف هناك والأمر لا يعدو أن يكون إلا جعجعة بلا طحين.

 

 

المشكل المطروح اليوم بعد عملية الكركرات هو أن كل ما جرى منذ 1991 تم جمعه في حقائب لتتعرى منطقة الصحراء في شقها الملتهب شرق الجدار الرملي الدفاعي المغربي، والسؤال الذي يطرحه المنتظم الدولي هو إلى أين الرحيل؟

 

 

إن البوليساريو عندما اتخذت من الاستفزاز طريقة للتفاوض مع المغرب وخصوصا في معبر الكركرات وفي أكثر من مرة، وبأكثر من شكل، لم تكن تنتظر إلا ما قامت به القوات المسلحة الملكية بالضبط، إلا أنها كانت تخطط لأن يكون هناك تدخل «دموي» يكون ضحاياه مدنيين وتطوف صور «المجزرة» على شاشات العالم ويرتفع علم «الضحية» وتعود «القضية الصحراوية» إلى الواجهة وتتقاطر بيانات الإدانة لـ«الاحتلال» المزعوم وربما يجتمع مجلس الأمن على عجل ويقرر عقوبات ضد المملكة المغربية!

 

 

هذا الفيلم كان يدعمه تحرك في ما يسميه الانفصاليون بـ«الأراضي المحتلة» ورأينا كيف تزامن احتلال معبر الكركرات مع حل أميناتو حيدر لجمعيتها القديمة «الكوديسا» وتأسيس جمعية باسم مستفز هو «الهيئة الصحراوية لمناهضة الاحتلال المغربي».

 

وكما أن المغرب لم يخضع للاستفزاز في المعبر، فإنه ظل على نفس الإيقاع في ضبط النفس ولم يمنع ولم يعتقل، وإنما تم إصدار بلاغ قضائي من طرف الوكيل العام في الموضوع إلى أن تتضح الأمور، ونفس الشيء وقع مع بعض المناوشات المحدودة في الداخل وأكبرها محاولة استغلال أمينتو حيدر لحادثة منعها من السفر بسبب حملها لفيروس كوفيد استغلالا سياسياً وهو ما لم يؤت أكله حيث قامت بتصريحات مستفزة جدا من قلب المطار ولكنها عادت إلى بيتها، فيما سافر ابنها ولا انقلاب حصل في الخارج ولا قيامة قامت، بل كما أسلفنا قربت الأزمة المغرب من بعض من كان بعيدا وكانت إيذانا بإعادة الدفء إلى مفاصل بعض العلاقات التي عانت البرود في الشهور الأخيرة، وكدنا نقول رب ضارّة نافعة لولا أن القضية أكبر والجرح أعمق من أن نرقص فوقه رقصات الإنتصار.

 

 

إلى أين الوجهة إذن؟ هذا السؤال مطروح اليوم على البوليساريو وليس على المغرب، وبالتالي فالمأزق يطوق عنق الطرف الآخر ومن ورائه الجزائر. إن التحلل من اتفاق وقف إطلاق النار يجعل المغرب بدوره في حل من هذا الاتفاق، وهذا يعني التحلل من مسلسل التسوية الأممي وربّما إنهاء مهمة المينورسو وطيّ الملف ديبلوماسيا لنحتكم للميدان. هذا الوضع لا يخيف دولة كالمغرب توجد في صحرائها ولها ثقة في إمكانياتها العسكرية الدفاعية، وفي قواتها وفي عقيدتها وفي التعبئة الوطنية الصادقة من أجل الوحدة الترابية، بل إن هذا الوضع يجعل المغرب يخاف على الآلاف من أبنائه الموجودين في مخيمات تندوف، فهم من يعانون من القرارات غير المحسوبة للقيادة هناك، وهم من يعاني التمزق، والمنطقة برمتها من ستؤدي ثمن المغامرات غير المحسوبة. هذا هو المؤلم في هذا الموضوع الذي يمكن بهذه الطريقة أن يستمر قرنا آخر من الزمان ونحن نراوج مكاننا في انتظار وهم خلق دولة سادسة في المغرب الكبير.

 

 

قد يكون المستحيل هو المستحيل نفسه، ولكن خلق هذه الدولة السادسة بمباركة من المغرب مستحيل لسبب لا غبار عليه هو أن التفريط في الصحراء يعني التفريط في المملكة بكل بساطة! وحتى إذا كانت بعض دول الجوار تعتقد أن دولة صحراوية يمكن أن تجد لها مكانا في شمال إفريقيا، فلماذا ستكون هذه الدولة على تراب الصحراء المغربية فقط؟ ولماذا لا تشمل الصحراء الجزائرية التي تمتد على مساحة مليوني كلم مربع وتتحرك في باطنها ثروة ذهبية من الغاز؟ هل كانت صحراء الجزائر للجزائر لولا الاستيطان الفرنسي؟ هل يعقل أن يقبل مغربي أن تكون الجزائر مترامية الأطراف وتكون هي الدولة الوحيدة في العالم التي تجعل من قضية الصحراء أولوية ديبلوماسية لقطع ثلث مساحة المملكة وحشرها في زاوية ضيقة بمساحة منكمشة لا تتسع إلا لحسرة استرجاع الذكريات الإمبراطورية للمغرب الأقصى؟ هل لابد أن نقبل هذا المصير وإلا سنصبح دولة توسعيّة مسلط على رقابها مبدأ لم تستفد منه إلا الجزائر وهو عدم المساس بالحدود المتوارثة عن الاستعمار؟ وإذا كان الأمر هكذا، فلماذا لا تطالب البوليساريو بسيدي إيفني والتي لم تتحرر إلا بعد الاستقلال الرسمي للمملكة بـ 13 سنة؟ ألم تندفع الجزائر الرسمية ودعايتها إلى إدانة المغرب عندما دخل أفراد من القوات المساعدة إلى صخرة البقدونس في ما سمي بأزمة جزيرة ليلى سنة 2002 معتبرة أننا دولة توسعية، في الوقت الذي يعتبر احتلال الثغرين السليبين سبتة ومليلية والجزر الجعفرية من مسلمات العقلاء، فما بالك بدولة تدعي أنها في مقدمة دول العالم دفاعاً عن التحرر من ربقة الاستعمار؟ ما الذي يجعل هذه الضغائن عصية على الذوبان في كأس المصالح العليا للشعوب المغاربية بعد نصف قرن على الإنهاك المتبادل من أجل صحراء اتخذت كذريعة للإيذاء؟

 

 

لن ينتهي سيل أو سيف الأسئلة التي تدمي، والحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن الحل يوجد هناك في الجزائر، وعلينا أن نبذل جهوداً جبارة في اتجاه معاكس، أي مقابل بناء الجدار الدفاعي في رمال الصحراء علينا أن نهدم جدار التباعد وطبقات الأحقاد المتراكمة مع هذا الجار الشرقي العصي على الفهم.

 

 

وإذا كانت يد المغرب ممدودة منذ أن بسطها الملك محمد السادس في يوليوز 2019، فإن الإبقاء على يد شجاعة هكذا في الهواء دون إسنادها بقبضة ثقة ومودة يصيب الكتف بالتوعك، ويطيل أمد هذه الشوكة التي بينت السنين الطويلة أنها لا تدمي المملكة فقط ولكنها تدمي الجميع. لقد آن لهذا الاستنزاف المتبادل أن ينتهي من أجل الشعب المغربي والشعب الجزائري ووراءهما الشعوب المغاربية، فهل من رجل راشد هناك؟

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً