بوكرن: تغير الوضع المادي أسهم في تغير القيم لدى الإسلاميين



حاوره: كريم بوخصاص

 

أنت متابع عن كثب لما يعتمل داخل حزب الإسلاميين، ماذا يمكنك أن ترصد من تحول داخل هذا الحزب بعين سوسيولوجية وسيكولوجية؟

 

لست متخصصا لا في علم الاجتماع، ولا في علم النفس. لكن ما أكتبه، وأنشره على وسائل التواصل الاجتماعي، يجعل بعض الباحثين في علم الاجتماع، يتصلون بي، ويهتمون بما أقدمه من تحليل للتحولات القيمية التي تحكم الأفراد داخل تيار الإسلاميين الإصلاحيين. وقد اعتمد باحث، كان يحضر بحث الإجازة في علم الاجتماع على مجموعة من نصوصي، أدرجها كملاحق في آخر بحثه، وكانت عبارة عن نصوص سردية، تكشف التحولات النفسية والاجتماعية لهذه الفئة من الناس. هذا التحول لا يعيشه الإسلاميون فقط، بل العالم أجمع، باعتباره أصبح شاشة في الهاتف.

أجد نفسي مضطرا، لاعتماد التحليل الماركسي في بيان هذا التحول، حيث أن تغير الوضع المادي أسهم في تغير القيم عند بعض الأفراد، وهذا لا ينطبق على التنظيم الإسلامي فقط، بل ينطبق حتى على بعض من كان إسلاميا، وبدأ يتخفف من «إخوانيته» بمجرد تحسن وضعه المادي. فيظهر هذا التحول في سكناهم وسياراتهم، وهناك من يأتي بزوجة جديدة. وهذا يشمل «الأخوات» أيضا، وهناك ظاهرة جديدة عندهم، هي ارتفاع نسبة الطلاق، بالمقارنة مع ما كان في الماضي، وهذا موضوع مسكوت عنه.

قالوا نريد أن نغير المجتمع، فإذا بهم يغيرون وضعهم المادي. وهذا الاستنتاج لا ينطبق على كل الأفراد، بل هناك من يقاوم ليظل كما كان زمن الجلسات التربوية، ولكن هذا نادر. ليس عيبا إذا كان التحول سببه المهنة أو الاستثمار التجاري، لكن أن يكون السبب هو الاستثمار في السياسة أو الدين، فهذه مشكلة، تحتاج لدراسة أعمق.

هناك سؤال يفرض نفسه بقوة، لماذا رغم تنازل الإسلاميين كل هذا التنازل وفي قضايا حساسة، وتغيير «صباغتهم» مع استمرار مشاركتهم في تدبير الشأن العام، مازال العدالة والتنمية «مرفوضا» من قبل عدد من النخب؟

إذا أردنا الإجابة عن هذا السؤال بعمق، يمكن أن نقرأ «السيرة الروائية: رواء مكة» لحسن أوريد. الدولة العميقة في المغرب لها هويتها وأخلاقها. بمعنى، أن الأفراد الذين في مركز السلطة، يعيشون بنمط معين في حياتهم، يتناقض جذريا مع الثقافة التربوية للإسلاميين. من النادر أن تجد إسلاميا مغربيا يدخن، بل أن يدمن شرب الخمر، أو أن يكون متحررا في علاقته مع النساء، بل هم أشعلوا نقاشات طويلة حول مصافحة النساء في الماضي.

الإشكال ليس سياسيا، بل أخلاقي، بالرغم أنهم قاموا بمراجعات، قال عنها الخطيب رحمه الله: ابن كيران ملكي أكثر من الملك. البيجيدي ينفي عن نفسه باستمرار أن له علاقة بالإخوان المسلمين، وهذا صحيح سياسيا، ولكن لا أحد يصدقه على المستوى الأخلاقي. فوصف «الخوانجية» لازال يلاحقهم، وإن بذل ابن كيران مجهودا لمحو هذا الوصف، بغنائه لأم كلثوم، ورقصه، والتعبير عن إعجابه بمذيعة جميلة أمام الملأ، وعناقه زوجة السفير الأمريكي. لا يمكن أن تكون جزءا من النخبة ذات السلطة والنفوذ إلا إذا تغيرت أخلاقك جذريا. وهذا واضح في الرواية التاريخية ذات البعد الرمزي الموريسكي لأوريد. إن توقيع اتفاقية التطبيع، هو تحول أخلاقي لا سياسي.

هناك نزوع لعدد من قيادات الحزب في الأشهر الأخيرة لإظهار اهتمامهم بالجمال والموضة، فأصبح الرجال منهم حليقي اللحية والنساء يعتنين بجمالهن، ومنهن من خلعت الحجاب أو تتجه لخلعه، أين يمكن أن نضع هذه التحولات؟

هذه تحولات أخلاقية ذات أبعاد سياسية، كما أن الحجاب واللحية كانت لهما دلالات سياسية. كان المحجوبي أحرضان رحمه الله بليغا حين قال سنة 2007 لجريدة المساء: «الفرق بيننا وبين العدالة والتنمية أنهم يصلون العصر في وقته، ونصليه نحن مع العشاء». أحرضان لم يكن موضوعه الصلاة، بل ينبه إلى أن الفرق بين فاعليْن سياسييْن، هو فرق في التدين، أي في الممارسة الأخلاقية. وهذا الفرق بدأ بعض أبناء البيجيدي، يقلصونه تدريجيا، خاصة مع قيادة الحكومة لولايتين، لأنهم وجدوا أنفسهم يخاطبون نخبا مناقضة لهم في لغتهم ونمط عيشهم. تحول الإسلامي في لباسه وهندامه لم يكن كافيا، ليصبح من خدام الدولة. فالسلطة لها منطقها الأخلاقي. وهذه الاستنتاجات كلها نسبية وليست على إطلاقها.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً