القيادي الإسلامي بلال التليدي: خمس نخب ونفسيتان تتصارعان داخل البيجيدي



حاوره: كريم بوخصاص

 

مخاض كبير يعيشه البيجيدي منذ مدة، وقد سبق لك أن وضعت أصبعك على الداء في ما يخص التصور والفكر، لكن ألا ترى أن ما وصل إليه الحزب نتيجة طبيعية لحالة بشرية أصابت قيادة الحزب بعد المشاركة في الحكم، حيث بدا نزوعه نحو الاهتمام بالشكل والمظهر، وهو ما حذر منه ابن كيران مرارا وتكرارا، بتذكيره بأساسيات الجماعة الأولى بعدما أصبحت القيادات تركب أفخم السيارات وترتدي أغلى الماركات وغيرها من الأمور؟

 

لا أعتقد أن المشكلة في العدالة والتنمية يمكن أن تبسط بهذه السهولة، تقديري أن القضية أبعد من ذلك، لأنها مرتبطة بضيق أفق الاجتهاد السياسي. فقد كان أكبر هم هذا الاجتهاد هو أن يبقى العدالة والتنمية في مربع الحكم، وكانت الحجة، أن أي اختيار سياسي آخر، غير ذلك، يعني الدخول في مواجهة مع الحكم، فكان الجواب هو خفض سقف التطلع السياسي، لاسيما في موضوع الدمقرطة، ظنا أن البقاء في مربع الحكم بأي ثمن، ريثما يتغير المحيط الدولي والإقليمي يمكن أن يساعد على استعادة الزخم الإصلاحي. لكن هذا الاجتهاد السياسي بقي جامدا، وأضاف إلى التراجع على مستوى الدمقرطة تراجعا على مستوى الهوية والمرجعية، وأصبحت بلاغات الأمانة العامة، أشبه ما تكون ببلاغات الأحزاب الإدارية التي تقوم بدور رجع الصدى لمبادرات الدولة، ولم ينجح الحزب في أن يقيم المسافة الضرورية بين عمله كأداة مجتمعية إصلاحية وبين عمل الحكومة، مما جعله في الأغلب الأعم، أداة لتبرير التراجعات الديمقراطية والحقوقية والهوياتية التي حصلت طيلة السنوات الأربع الماضية.

 

فالأمر ملخص في البدء والمحصلة في عدم القدرة على التقاط المتغيرات الاجتماعية والسياسية الداخلية، فضلا عن عجز في فهم تحولات السياق الدولي والإقليمي، والفرص المتاحة للقوى الديمقراطية، بل عجز فظيع عن تجميع الداخل الحزبي، وضمان إسهامه الجماعي في تملك جواب جماعي يعيد الألق الإصلاحي للحزب.

 

في تجربة ابن كيران، أنتج الحزب رؤية في المشاركة في الحكم، وصيغة في العلاقة مع المؤسسات، وإطارا للتمييز بين العملين الحزبي والحكومي، حتى صارت النخب المعارضة له تتحدث عن ابن كيران رئيس الحكومة وابن كيران الأمين العام للحزب، وتطالبه بأن يكف عن لعب دوره كأمين عام لحزبه ما دام رئيسا للحكومة، بل كان الكثير من الإعلاميين يتحدثون عن رئيس حكومة في خمسة أيام، وأمين عام حزب في السبت والأحد، وبعضهم لم يكف عن الحديث عن هوس انتخابي يؤطر كل مواقفه وتعبيراته من شدة حضور الأداة الحزبية الإصلاحية في اهتماماته ومواقفه ومشاغباته الإعلامية.

 

اليوم، حجب الموقع الحكومي الدور الحزبي للأمين العام، فصار العمل الحزبي هو صدى العمل الحكومي، وصارت بلاغات الأمانة العامة بلا طعم ولا رائحة، ولم يعد أحد من الخصوم والمعارضين يضرب حسابا لتأطير الأمين العام للحزب، ولم يعد حتى الداخل يحقق الإشباع من الأجوبة التي يقدمها.
يكفي أن نورد هنا الطريقة التي أدارت بها القيادة الموقف من التطبيع، وكيف عجزت سياسيا وتواصليا عن إقناع الداخل وفي تأمين وحدة الموقف، حتى أصبحت القيادات تتنابز بالاتهامات، في حين، ضمنت خرجة ابن كيران، لاسيما الثانية وحديثه عن التطبيع، الصيغة التي أضحت اليوم الأكثر إقناعا داخل الحزب.

 

إذا طلبنا منك تقديم تحليل سيكولوجي وسوسيولوجي للعدالة والتنمية، ماذا يمكنك أن ترصد من تحولات؟

 

بالمختصر المفيد، ثمة تيار تربوي غير مسيس، يشكل الغالبية داخل الحزب، تحكمه عقلية المحافظة المحكومة بسذاجة سياسية كبيرة، وثمة من جهة ثانية نخبة مسيسة قابضة على مواقع انتدابية، تتحرك وفقا لحسابات دقيقة، خوفا من جهة على مستقبل أدائها الجماعي أو البرلماني، وحفاظا من جهة أخرى على الاستقرار المؤسساتي للحزب، وثمة نخب تدور في فلك المسؤوليات الحكومية، تقوم بدور التبرير والحشد وصناعة رأي عام حزبي داعم لأطروحة القيادة، وثمة نخبة معارضة، متوزعة بين ثلة واسعة من الشباب المندفع إما بقناعاته المبدئية، أو بالرغبة في تحصيل مواقع، ونخب سياسية وفكرية ناقمة على الأسلوب الذي تدير به القيادة الجديدة الحزب، والمآل الانبطاحي الذي آل إليه. وكل هذه الفئات، ما عدا فئة الشباب، يحكمها منطق المحافظة، أو الرغبة في إحداث تغيير يراعي الاستقرار المؤسساتي والحفاظ على العلاقات البينية، وتأجيل الخلافات الداخلية واحترام القوانين وآداب تدبير الخلاف.

 

هذا من حيث الاعتبار السوسيولوجي، أما من حيث الاعتبار السيكولوجي، فثمة نفسيتان تتصارعان داخل البيجيدي تعبر أحيانا عن صراع الأجيال، وتارة أخرى عن صراع القيم، نفسية استبد بها الوهم وأصبحت تتسم بعمى الألوان، فلا ترى في كل التحولات التي حدثت في سلوك الحزب شيئا مخالفا لتاريخه ومواقفه السابقة، بل ترى ألا شيء تغير في منهج الحزب وسلوكه ومواقفه، وأنه يسير على النهج ذاته، وأن الآخرين هم الذين تغيروا وليس القيادة، ونفسية أخرى ترى أن الموقع فعل فعلته في النخب داخل الحزب، فغير منظومة القيم، وغير المواقف، بل غير حتى التمثلات والسلوكات، فصار في الحزب حسب هذه النفسية نخبتان، نخبة تحريفية تبريرية، ونخبة تريد أن يعود الحزب إلى أصله وطبيعته.

 

والتقدير عندي، أن هذه التحولات، سواء في طبيعتها السوسيولوجية أو النفسية، ليست أمرا خاصا بحزب العدالة والتنمية، فقد سرى على تنظيمات إصلاحية من قبله، وهي جزء من ضريبة الإدماج السياسي، وهي محل المناكفة اليوم في المنافسة المقبلة على الشرعية.

بعد كل التنازلات التي قدمها، ما هو الثمن الذي يجب أن يدفعه العدالة والتنمية للظفر بولاية ثالثة؟

 

لا أعتقد أن بإمكان الحزب في المنافسة الانتخابية القادمة أن يحصل على المرتبة الأولى، ولا أرى في المزاج العام، سواء لنخب الحكم أو المزاج الشعبي، حماسة لولاية ثالثة للعدالة والتنمية، على الأقل في ظل الشروط الراهنة، إلا إن حصل حدث كبير داخل العدالة والتنمية، بلغ درجة تغيير المزاج الشعبي، أو إذا ما لعب السياق الدولي والإقليمي دوره في تقدير نخب الحكم لمآل السياسة.
لحد الآن، المؤشرات لا تذهب في هذا السياق، وحتى الداخل الحزبي، فثمة جزء مهم داخله، أصبح مقتنعا بأن دورة أخرى في قيادة الحكومة بالأسلوب الحالي، أو حتى في المشاركة فيها، يعني إنهاء ما تبقى من رصيد قيمي وأخلاقي وسياسي لهذا الحزب.

 

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً