العروسي: البيجيدي «دْرَاوْش» لكن علامات نعمة السلطة جعلتهم يعتقدون أنهم يختلفون عن الناس



حاوره: كريم بوخصاص

 

من بين التحولات التي يمكن رصدها داخل حزب العدالة والتنمية بعد تقلده تدبير الشأن العام منذ 2012، نزوع قياداته نحو الاهتمام بالجمال وتحسين المظهر، نساء ورجالا، ماذا يعني ذلك في نظركم؟

 

لقد ظهر لديهم اهتمام بتغيير المظهر الخارجي دون الحديث عن الجمال. أي أنهم نزعوا عنهم مسحة البؤس الذي كانوا يعيشون فيه والذي تحول لديهم مع مرور الوقت إلى نمط عيش ثم إلى إيديولوجيا يبحثون من خلالها عن الاندماج في أوساط المجتمع. وما حدث لمناضلي وزعماء حزب العدالة والتنمية أمر لا يخص حزب العدالة والتنمية لوحده بل يهم جميع الأحزاب، فالمناضلون بمجرد ما يتبوؤون مناصب في الدولة تصبح لهم طموحات وإيقاع حياة يجعلهم يحسون أنهم ينتمون لطبقة أخرى غير تلك التي ساعدتهم على الوصول للسلطة.

 

هل هناك علاقة بين الاهتمام بالمظهر الخارجي وتغير القناعات؟

 

من الضروري، حتى تقنع مؤيديك أو مريديك أو مناضليك بقبول وضعيتك الجديدة، أن تؤسس لخطاب جديد يبرر نمط حياتك الطارئة. أي أنك تتبنى استراتيجية خطاب جديد وأدلة نضالية مختلفة عن تلك التي كنت تقدمها للمناضلين عندما كنت في المعارضة. ولهذا الغرض تُعَبِئُ جيشا من المريدين وكتاب الافتتاحيات ونشطاء التواصل الاجتماعي لإقناع عامة الناس من مناصريك، أن الأمر ضروري وأن الوضعية الجديدة والمسؤوليات داخل الدولة تتطلب ذلك.

 

نتذكر النقاش الذي دار في بداية وصول الحزب إلى الحكومة والدعاية التي انتشرت على وسائط التواصل الاجتماعي والصور التي ظهر بها وزراء الحزب وهم يركبون سيارات شعبية ويلتهمون البيصارة في سوق باب الأحد بالرباط. لم يدم هذا طويلا إذ سرعان ما انبرى لهم أحد زعمائهم قائلا «أنا أريد أن أركب المرسديس، فمن لم يقبل فما عليه إلا أن يأتي مقر الوزارة على دراجة نارية». الخطاب تغير في الأيام الأولى يعني أنهم لم ينتظروا طويلا.

 

لطالما حرص الإسلاميون الحركيون (الذين سيلتحق عدد منهم بحزب الخطيب لتأسيس العدالة والتنمية بالشكل الحالي) في تجمعاتهم التربوية والتأطيرية على تصوير أنفسهم على أنهم «الفئة الناجية» أو «التي اصطفاها الله»، لكن ألا تتفق أن السنوات التي قضوها في تدبير الشأن أنزلتهم من برجهم العاجي؟

 

أظن أن البرج العاجي هو الذي صعدوا أدراجه الآن. كانوا بين الناس ولذا صدقوهم وصوتوا لهم. الصراحة هم من الشعب وإلى الشعب، فليسوا نبلاء ولا أرستقراطيين ولا حتى طبقة وسطى من حيث مستوياتهم الثقافية والمعرفية. هم في الأصل دراويش بمعنى الدروشة المغربية، أي أنهم يعيشون فاقة مادية وفكرية ولذا كان الناس من عامة الشعب يحسون أنهم قريبون منهم، لكن ما إن ظهرت عليهم علامات نعمة السلطة والجاه حتى أحسوا أنهم أصبحوا يختلفون عن الناس وصدقوا فعلا أنهم من مستوى آخر، أي أن بإمكانهم أن يلجوا الأبراج العاجية لكن هذا صعب، لأن ثقافتهم بدوية ولا تمكنهم من الاندماج في الأوساط المجتمعية.

 

عندما يحدث أن تحضر جلسات أو سهرات في الأوساط الراقية بمدينة الدار البيضاء أو الرباط وتسمعهم يتحدثون عن ممارساتهم سواء تعلق الأمر بطريقة الأكل أو طريقة اللباس فإنك تفهم أنهم استعملوا لفترة معينة لهدف معين فقط وأنهم ذاهبون إلى حال سبيلهم.

 

كانوا يتباهون بالزهد والترفع عن متاع الدنيا وصفاء السريرة ولهذا كانوا يقدمون أنفسهم كملائكة. واليوم تبخرت كل هذه المثاليات وسوف يجدون أنفسهم في مواجهة وضعهم كممارسين للسياسة وكأنهم يتعلمونها لأول مرة. سوف يكون من المفيد جدا لعلماء الاجتماع تتبع بعض مساراتهم خصوصا بعد مغادرتهم لميدان السياسة.

 

بعد كل التنازلات التي قدمها، وآخرها في موضوع التطبيع مع إسرائيل، ماذا ينبغي للعدالة والتنمية أن يفعل حتى ينال ثقة كافة النخب؟

 

لا أدري، ليس لي أن أنصح ولا أن أقول لأي حزب كان ما الذي يجب فعله، لكن من الممكن أن نتحدث عن كيف يمكن لمؤسسة سياسية أيا كانت توجهاتها أن تتدبر أمرها بعد نفاد زادها الإيديولوجي. أظن أن مرض السياسة الحالي هو الشعبوية وإذا كانت الشعبوية تؤتي أكلها في الأزمات فإن الأحزاب تؤدي ثمنها غاليا، إذ يجب إعطاء أجوبة سريعة وتقديم حلول للمشاكل الملحة. وأظن أن أكبر مشكلة واجهت العدالة والتنمية في تسيير الشأن العام لم تكن في الحكومة لأنه كان دائما ينجح في نسج التهم ضد المساهمين معه في الائتلاف ذلك أنه استفاد من خطاب حكومة التناوب ونظرية المقاومة التي كان يقول بها اليوسفي وهيأ مناضليه لهذه الاحتمالات.

المجال الذي خسر فيه حزب العدالة والتنمية الرهان هو المجال المحلي. جل المغاربة وخصوصا الكتلة الناخبة التي يعتمد عليها البيجيدي لا تعرف ملابسات السياسة ولا يذهب خيالها أبعد من حياتها اليومية وقضاياها المباشرة. هذه الكتلة تثق دائما بالشعبوية لأنها تعيش في الهشاشة الدائمة، ولذا فهي تحتاج إلى الأمل وإلى وعود تجرفها بسهولة، هذه الكتلة هي التي اعتمد عليها البيجيدي. وبما أنها بوأته الصدارة في البلديات فإنه استثمر النجاح مباشرة في التشريعيات. في البلديات أخفق البيجيدي إخفاقا ذريعا ولم يخفق فقط لأن بعض مستشاريه فاسدون أو لأن هناك مقاومة كما يقول (لأن أغلبية البلديات يسيرها اليوم بأغلبية مطلقة)، بل لأنه لا يعرف معنى التسيير.

 

ولهذا يجب على ابن كيران أن يحمد الله لأن الحكومات التي ترأسها والتي يرأسها الحزب اليوم كانت مكونة من أحزاب لها كفاءات لا تتوفر للبيجيدي ولن تتوفر له بحكم طبيعة أطره وطبيعة تكوين مناضليه السياسية والفكرية، وهذه الوضعية غطت على عجز أطره وعلى عجز الحكومات المتلاحقة التي سيرها البيجيدي. كان الوزراء الآخرون يشتغلون ووزراء العدالة والتنمية يرافعون في المنتديات والملتقيات ووسائل التواصل الاجتماعي.

 

إذن لو حدث أن عاقب الناخبون الحزب فسوف يعاقبونه انطلاقا من هذه المعطيات. يجب على الحزب أن يتعلم السياسة ويخرج نهائيا من منطق الدعوة.

 

ما هو الثمن الذي يجب أن يدفعه الحزب ليحصل على ولاية ثالثة؟

 

يجب عليه أن يعثر على من يجتهد في نسج حكايات عبد الإله ابن كيران وبكائياته. ولكن أظن أن هناك بعض ملامح الوضعية المقبلة: سوف يتواضع الحزب ويقبل بالتحالفات ويحاول أن يمسح عنه تهمة التوجهات الإسلامية. أظن أنه سوف يتبع مسارات أحزاب أخرى مرت من نفس الطريق: فتح الباب أمام الأعيان وخصوصا أن في المغرب طبقة برجوازية متدينة يمكنها أن تعتمد على الحزب في قضاء مصالحها خصوصا إذا تيقنت أن أظافره قلمت وأنه ابتعد عن من يسميهم ابن كيران بـ«الصكوعة» الذين يرمون الحجارة في كل اتجاه، فيطردهم ويدفعهم إلى تأسيس كيان متطرف حتى يصبحوا كبعض التيارات الأخرى الموجودة في الساحة أو يلتجئوا إلى تصوف العدل والإحسان.

 

هل سيحصل على ولاية ثالثة؟ بمعنى هل لازالت الحاجة إليه، بعد عشر سنوات، قائمة؟ لا أدري لكنه سوف يكون حاضرا وسوف يلعب دورا في التحالفات وسوف يحاول التقرب من بعض الأحزاب التي تعتمد على نفس طبقات السلطة.

 

  • موليم العروسي/ أستاذ علم الجماليات 
مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً