عبد الهادي بوطالب وقضايا الإسلام المعاصر: بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية (4)



من بين القضايا التي استأثرت باهتمام الأستاذ الراحل عبد الهادي بوطالب، قضايا الإسلام المعاصر. اهتمام الفقيد بهذا الموضوع، يعود من جهة إلى كونه من خريجي جامعة القرويين ، عالما علامة، ومن جهة أخرى إلى كونه تحمل مسؤولية مدير عام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم في مرحلة احتل فيها النقاش حول ما سمي بالصحوة الإسلامية، بعد الثورة الإيرانية، صدارة الأحداث والاهتمامات السياسية والفكرية في ذلك الوقت، حيث يجدر القول، بأن نفس القضايا مازالت مطروحة إلى اليوم، والتي خاض فيها الأستاذ عبد الهادي بوطالب بالدراسة والتحليل عبر العديد من المقالات والمحاضرات التي نشر البعض منها في كتاب من جزأين، تحت عنوان، “قضايا الإسلام المعاصر”. وهي كتابات مازالت لها راهنيتها.

 

وقد ارتأينا بمناسبة شهر رمضان المبارك، أن ننشر على حلقات بعضا من هذه المقالات المنشورة في الكتاب المذكور أو غيره، تعميما للفائدة ومساهمة منا في نشر فكر عبد الهادي بوطالب الذي يعد من رواد الفكر الإسلامي التنويري.

 

بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية

الحلقة (4)

 

1-توضيح المفهومين :

نرى لزاما أن نوضح باختصار شديد مفهومي السلطتين الزمنية والروحية. تُعنَى الأولى بتنظيم الحياة وما يتصل بها من أبدان وممتلكات وعلاقات بشرية دنيوية. أو بعبارة جامعة علاقات ساكنة العالم في زمن محدد. أما السلطة الروحية فتنظم شؤون الروح والضمير والدين، اعتقادا، وعبادة، وسلوكا، ومعاملة. ومن أجل ذلك أطلق التنظير الديني على السلطة الزمنية وصف العالمية، أي شؤون العالم فوق الأرض (أو الدنيوية)، وعلى الثانية نعت الروحية، أو الأخْرَوية.

 

وفي نظام الكنيسة الكاثوليكية يُطلق على سلطة البابا –مثلا- التي يمارسها على تراب وحدود الفاتيكان اسم السلطة الزمنية. فهو رئيس دولة الفاتيكان أو الملك الأمبراطور الذي يقوم على رأس دولة وطنية بالمعنى المعاصر للكلمة : دولة ذات تنظيم سياسي حضاري معاصر له قوانينه الدنيوية (أو المدنية)، فهو يتبادل مع الدول السفراء وتنخرط دولته في الاتفاقيات الدولية. لكن يُطلق على سلطته المبسوطة على معتنقي المسيحية الكاثوليكية عبر العالم اسم السلطة الروحية، التي تُعقَد لتنظيمها وإصلاحها المجامع الكنسية الكهنوتية المَسْكُونية التي يرأسها البابا نفسه أو من ينيبه عنه من بين الأساقفة المفوضين. وقد ظهر التمييز بين السلطتين في فرنسا في القرن الثاني عشر.

 

السلطة الروحية في النظام الكنسي يمارسها الراهب في جميع المستويات. ومن بينها ممارسة سلطة قبول التوبة بالاعتراف بالذنب والمعصية، وغفرانها باسم الإله لمن يشاء. كما يشرف الراهب في الكنيسة ويبارك دينيا طقوس الزواج. وأمامه يقسم الزوجان على الوفاء المتبادل، وعلى إقامة بيت زوجية مقيدة بتعاليم المسيحية. وهو الذي يعلن أن الزواج قد اكتملت شروطه الشرعية.

 

ولعلنا لو اقتصرنا على هذه المفارقات القائمة ظاهريا بين السلطتين لاستنتجنا استنتاجا متسرعا أنهما متعارضتان ومتباعدتان بُعد الأرض عن السماء. وفعلا فالزمنية تدبر شؤون الأرض والروحية شأن علاقة السماء، أي علاقات العباد بالرب. وتدبير المجال الروحي مقيد بمقتضيات تعاليم غيبية تجعل من الفرد دائم العبودية لعالم الغيب والشهادة، حريته مقيدة ومضبوطة بقيود التعاليم الإلهية والشعائر الدينية التي على الفرد والجماعة أداؤها في طقوس خاصة لا يجوز الإخلال بها.

 

بينما تدبير الشؤون الدنيوية الذي هو مجال السلطة الزمنية يقوم في ظل التحلل من كل القيود، انطلاقا من مبدأ أن الناس يولدون ويعيشون ويموتون أحرارا، ومن مبدأ حُرمة الحريات الديمقراطية. ولكن يبقى البشر المتدين منضبطا مع ذلك بأخلاقيات تصون الإنسان من الفوضى. فللحرية حدود وقيود هي التي تتيح له خلق ظروف حسن التعايش والتساكن وقبول الآخر، مخاطَبا له وشريكا.

 

السلطة الروحية تهدف إلى تحرير الذات وتحقيق خلاص الروح وإنقاذها من الرجس والخبائث والفواحش، ولا تُخضع الإنسان إلا إلى الخالق وحده أو من ينوب عنه في الأرض. إنها حركة تحرير للإنسان من سلطة الأرض لتستأثر به سلطة السماء.

 

فإذا تجاوزنا هذا الاستنتاج السريع إلى تعميق مفهومي السلطتين نجدهما غير متعارضتين، بل تلتقي السلطتان معا على هدف مشترك هو توفير كل منهما السعادة (بالمفهوم المجرد الميتزافيزيقي) للإنسان : الزمنية في مجالها الدنيوي، والروحية في المجال الأخروي. وعلى ذلك فهما لا يلتقيان فحسب، بل يتشابكان. وأكثر من ذلك أحيانا يتمازجان. وذلك بالرغم من أنهما في العالم المسيحي دخلتا في بعض العهود في اصطدام، لكنه اصطدام في الظاهر والشكل. أما في العمق فإنهما ظلتا تتعاونان على فرض قيود على حرية الإنسان حتى لا تصبح إباحية وفوضى. السلطة الزمنية تفرض نفسها بفعل امتلاكها القوة المادية الرادعة لمخالفة القانون، والسلطة الروحية تسود بفعل قوة الترغيب والترهيب والتخويف من مخاطر مخالفة أحكام الدين والعقاب عليها في الآخرة الآتية التي لا ريب فيها.

 

وفي بعض عهود أوروبا مارست الكنيسة السلطتين الزمنية والروحية معا فاشتبك الديني والسياسي، وظهر بين الرهبان الكاثوليكيين سياسيون متخصصون. وهل يمكن أن نقول عن “ريشليو” و”مازران” إنهما رجلا دين فقط، أو رجلا سياسة فقط؟ ولا يكفي لتصنيفهما في رجال الدين أنهما كانا يرتديان لباس الأساقفة والكرادلة فاللباس لا يصنع الراهب كما يقال.

 

أما في الإسلام فقد انحصرت ممارسة السلطة الزمنية والروحية من لدن الرسول محمد عليه السلام في فترة نزول الوحي، أي طيلة 23 سنة. واقتصرت على تبليغ الرسول ما أنزل إليه من ربه : “إن عليك إلا البلاغ”. وما اجتهد فيه الرسول من الأحكام فهو بإلهام من ربه : “وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى”. وبعد وفاته لم يجمع بين السلطتين الخلفاء الراشدون، ولا النظم الإسلامية التالية. لأن السلطة الروحية هي في الإسلام لله الذي يتقبل وحده من عباده الإيمان والتوبة والعفو عن السيآت. وهو الذي يحكم على الفرد بالإيمان أو الكفر، ويُجزي الأجر للمؤمن. وهو وحده الذي يعاقب الكافر والمذنب. ولا حق حتى للنبي في أن يغفر، وإنما يمكنه أن يستغفر. والأمر موكول إلى الله الغفار التواب. وفي القرآن جاء الخطاب موجها إلى النبي بهذه الصيغة : “إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم”. ولا يملك بشر حتى لو كان نبيا أو رسولا أن ينصب نفسه مراقبا على ضمير بشر غيره. فالله وحده الرقيب الحسيب : “وكان الله على كل شئ حسيبا”. “وما أنت عليهم بوكيل”. والله لا يفوض هذه السلطة لغيره : “أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”. “لست عليهم بمسيطر”. “لا إكراه في الدين”. ووظيفة الرسول محصورة في تبليغ الدعوة وليس موكولا إليه مطاردة العصاة والمنكرين لها : “ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء. أفأنت تُكره الناس حتى يكونون مؤمنين”.

 

2- الخلافة على الأرض

وليس لله فوق الأرض خليفة ينوب عنه ويمارس سلطة ثيوقراطية باسمه، بل استخلف الله عنه البشر جميعا في تدبير شؤون الأرض : “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة” هو جنس بني آدم المتعاقب على وراثة الأرض. وقد جاءت هذه الخلافة بصيغة الجمع في الآية القائلة : “هو الذي جعلكم خلائف في الأرض” والأخرى القائلة : “ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون”.

 

وأطلق المسلمون على أبي بكر الصديق أول الخلفاء اسم خليفة رسول الله (وليس خليفة الله). وعندما بويع عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء حمل في بداية عهده اسم خليفة خليفة رسول الله، ولكنه كان يستطولها إلى أن وفد عليه زائران هما لبيد ربيعة العامري، وعُدِي بن حاتم الطائي وطلبا من عمرو بن العاص أن يستأذن لهما عند الخليفة عمر للدخول عليه، وقالا له استئذن لنا عند أمير المؤمنين. فلما سمع من عمرو بن العاص ما قاله الرجلان وقال له عمرو بن العاص : “نحن المؤمنون وأنت أميرنا” استحسن عمر هذا اللقب واستبدله بلقب خليفة خليفة رسول الله.

 

3- إمارة المؤمنين

وعلى ذلك فلقب أمير المؤمنين لا يحتضن تشريفا طبقيا كألقاب النبلاء أو الشرفاء في الممالك الأوروبية، ولا تراتُبا دينيا أو رهبانيا قال الله عنه في القرآن عن أتباع عيسى : “ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم”، بل ليس له إلا دلالة وظيفية حيث أن رئيس الدولة الذي يتولى أمر المسلمين أي الشأن العام هو أميرهم. ودليل ذلك أن لقب الأمير كان يحمله في الإسلام أمير الجيش أي قائده. وقد اشتهر خالد بن الوليد بلقب أمير الجيش وحتى أمير المجاهدين، بل ذهب علماء الحديث إلى إطلاق “اسم أمير المؤمنين في الحديث” على بعض كبار المحدﱢثين مثل البخاري. وفي هذ المعنى يقال أيضا في حق من يرأس وفد الحجاج إلى البيت الحرام أمير الحج، أي الذي يؤمره ولي الأمر على الحجاج. ثم أصبح الملوك والخلفاء يحملون لقب أمير المؤمنين دون أن يعني ذلك امتلاكهم للسلطة الروحية. وقد حمله خلفاء بني أمية وبني العباس. لكن يوسف بن تاشفين رئيس دولة المرابطين بالمغرب لم يرد حمله مراعاة للخليفة العباسي الذي كان يحمله، وفضل عليه لقب أمير المسلمين للتمييز بينه وبين الخليفة العباسي، حتى لا يُحدث مع خلافة بغداد أزمة نفوذ قد تتحول إلى حرب. وإلى رجوع السلطان محمد بن يوسف إلى المغرب من منفاه، كان يوقع على بعض الوثائق بــ : “أمير المؤمنين محمد بن يوسف أعزه الله وأيدﹼه”. ثم غاب هذا اللقب عن الاستعمال إلى إعلان الدستور الأول سنة 1962 من لدن الملك الحسن الثاني بعد إجراء الاستفتاء الشعبي عليه. وجاء في بابه الثاني (الملكية) : الملك أمير المؤمنين، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها. وهو حامي حمى الدين….

 

ومن المعلوم في القانون الدستوري أن ما يرد في مقدمات أو تصديرات الدساتير من مقتضيات عامة ليست له صبغة قانونية مُلزمة، ولا تقوى قوته القانونية قوة الأحكام التي تأتي بعد المقدمة في صلب الدستور في شكل بنود ومواد قانونية. ولم يرد في صلب الدستور ما يحدد المقتضيات القانونية للقب أمير المؤمنين. ولا يعني مطلقا أنه رئيس السلطة الروحية كسلطة البابوية على الكنيسة الكاثوليكية، فالسلطة الروحية في الإسلام –كما أسلفنا القول- لله وحده، ولا تمارَس على الأرض من أحد. لكن ما جاء في الدستور عن اختصاصات الملك من أنه أيضا حامي الدين يلقي على ملك المغرب مسؤولية دستورية هي مهام الحفاظ على الدين الإسلامي باستمراره وحمايته من الطعن فيه ومناهضته، وتصحيح فهم المتطرفين، وضرورة سهره على طبع التشريع الديني بالطابع الإسلامي، لأن الإسلام دين المغرب. ومن مهام أمير المؤمنين في المغرب ممارسة الملك دور الحكَم عند اختلاف العلماء على الاجتهادات الشرعية، ومع ذلك لابد أن يصدر ما يهم التشريع الديني في شكل قوانين مدنية عن البرلمان، وبمصادقة الملك عليه، لأن السلطة التشريعية يملكها البرلمان.

 

ومن جميع ما سلف يبدو أن إشكالية الجمع بين السلطة الزمنية والروحية في المغرب المسلم غير ذات موضوع، وأن الذين يريدون إعطاء السلطة الروحية مفهوما مشتطا إلى حد اعتبارها سلطة مخوﱠلا لها مراقبة الضمير الديني لدى الأفراد والجماعات، وإعطاء الشهادة بالإيمان للبعض ومنعها بالتكفير للبعض الآخر، لا يستندون إلى مرجعية دينية.

 

4-سلطة التشريع الديني :

ولا بد أن نركز هنا على موضوع التشريع الديني وسؤال أية سلطة تملكه؟ لنقول إن التشريع الديني اكتمل بنزول آخر آية في القرآن وردت في سورة الأعراف : “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”. لكن كمال الدين يبقى ممتدا بإغنائه بمؤسسة الاجتهاد المجددة التي لا تصنع دينا آخر، وإنما تنمي أحكام الدين باجتهادات المجددين ممن يتوفرون على ملكة الاجتهاد ليبقى الدين الإسلامي صالحا لكل زمان ومكان.

 

وقد جاء عن رسولنا الصادق الأمين قوله : “إن الله يبعث على رأس المائة سنة من يجدد لها أمر دينها”، ونلاحظ هنا أنه عليه السلام استعمل فعل يُجدد.

 

لقد قسم الدستور عملية إعداد التنظيمات والقوانين بين مجالين : مجال القانون الذي يصدر عن البرلمان، ومجال التنظيم الذي يصدر عن الحكومة. وما يمكن أن يطلق عليه بتجاوز “التشريع الديني” لا يشكل دستوريا مجالا ثالثا، بل هو مندمج في مجال القانون. ولذا فمدونة الأحوال الشخصية (أو قانون أحكام الأسرة) كان لا بد أن تصدر عن البرلمان، وتُطرَح عليه للتصويت إما في شكل مشروع قانون تقدمه الحكومة للبرلمان بعد دراسته وتبنيه من لدن مجلس الوزراء وبرئاسة جلالة الملك، أو في شكل مقترح قانون من البرلمان. وللعلم فإن قانون مدونة الأحوال الشخصية في مصر وغيرها صدر عن البرلمان، بعد أن اطلع عليه فقهاء الأزهر وزكوه قبل تصويت البرلمان عليه.

 

أما إقحام الخطاب الديني في الخطاب السياسي فغير مقبول تسخيره لأغراض سياسوية كما تفعل بعض الحركات الإسلامية المتطرفة، وكما كان يقوم عليه نظام طالبان بأفغانستان. وهو خلط مشين ومرفوض. لكن يمكن للسياسي أن يستلهم في توجهاته السياسية مما يزخر به الدين الإسلامي من مثل وأخلاقيات يعتبرها مرجعية وطنية، وإن كانت في أصلها مرجعية دينية، بشرط أن تكون المرجعية الدينية المستشهَد بها أو المُحال عليها مرجعية حقيقية لإسلام الانفتاح والتعايش والاعتدال والوسطية : الإسلام الحق الذي يقبل الآخر فردا وجماعة ومجتمعا ودينا ومذهبا.

 

إن توضيح معالم الطريق الحداثي الديمقراطي الذي يسير عليه مغرب اليوم بقيادة ملك مؤمن بالسير على هذا الاتجاه السليم المستنير، يقتضي رفع الالتباس عن بعض المفاهيم التي قد تبدو متعارضة مع المبادئ الديمقراطية التحررية، ووضعها في سياقاتها الصحيحة، وتجليتها على حقيقتها حتى لا تشكل حواجز على طريق الديمقراطية والحداثة.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً