عبد الهادي بوطالب وقضايا الإسلام المعاصر: الحاجة إلى إسلام معاصر (16)



من بين القضايا التي استأثرت باهتمام الأستاذ الراحل عبد الهادي بوطالب، قضايا الإسلام المعاصر. اهتمام الفقيد بهذا الموضوع، يعود من جهة إلى كونه من خريجي جامعة القرويين ، عالما علامة، ومن جهة أخرى إلى كونه تحمل مسؤولية مدير عام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم في مرحلة احتل فيها النقاش حول ما سمي بالصحوة الإسلامية، بعد الثورة الإيرانية، صدارة الأحداث والاهتمامات السياسية والفكرية في ذلك الوقت، حيث يجدر القول، بأن نفس القضايا مازالت مطروحة إلى اليوم، والتي خاض فيها الأستاذ عبد الهادي بوطالب بالدراسة والتحليل عبر العديد من المقالات والمحاضرات التي نشر البعض منها في كتاب من جزأين، تحت عنوان، “قضايا الإسلام المعاصر”. وهي كتابات مازالت لها راهنيتها.

 

وقد ارتأينا بمناسبة شهر رمضان المبارك، أن ننشر على حلقات بعضا من هذه المقالات المنشورة في الكتاب المذكور أو غيره، تعميما للفائدة ومساهمة منا في نشر فكر عبد الهادي بوطالب الذي يعد من رواد الفكر الإسلامي التنويري.

 

الحاجة إلى إسلام معاصر

الحلقة (16)

 

انتكست الحضارة الإسلامية بانتكاسة مؤسسة الاجتهاد وجمدت بجمود الفكر، وتخلت عن مكانتها للحضارة الغربية التي استعمل الفكر الغربي لصنعها تقنيات الاجتهاد الإسلامي من استنباط واختراع وتجديد، مما جعلها تمضي في التقدم مخلفة فكر المسلمين وراءها، ومما جعل مسافة الخلف بين الحضارتين تتباعد، حيث سادت في العالم الإسلامي ثقافة القشور، وسادت الحضارةَ الغربيةَ ثقافةُ اللباب الجوهر والعمق.

 

وإذا كان المسلمون في عصر ازدهاد الاجتهاد قد اعترضتهم في زحفهم عبر أمبراطوريتين عظميين مستجدات اقتحموها، وأوجدوا لها حلولها وأحكامها الشرعية، فإن عالم الإسلام يجد نفسه في المجتمع العالمي الراهن في نفس موقع السلف أمام مستجدات وتساؤلات مطروحة على الفكر للبحث عن أجوبتها، وأمام قيم جديدة فيها السليم الصالح الذي يفرض على الناس الأخذ به. وفي مواجهة هذه القيم يتجزأ الفكر الإسلامي في تصنيفها إلى ما لا يتعارض مع قيم الإسلام فيتبناه للحاجة إليه، وإلى صنف آخر يحار في شأن مطابقته أو مخالفته للدين، فيقف منه موقف الحذر والتهيب.

 

وشبابنا اليوم وقد انغمس في غمار الحضارة المادية من أخمص قدميه إلى قمة رأسه، يتوجه إليه بعض دعاة الإسلام بخطاب إسلامي لا يستسغيه الشباب ولا يُقنعهم ولا يطمئون إليه، لأن فيه حرجا مزعجا، أو لأنه يتجافى مع الفكر السليم، أو لأن بعض الدعاة يؤولون فيه تعاليم الدين على حرْف وتطرف يمضيان على غير هدى، فيبدو تأويلهم في صورة متقوقعة في ماض جامد في مقابلة منظومات معاصرة كلها حركة وتجديد.

 

واليوم والعالم –كما قيل عنه- أصبح قرية كونية، فإن المستجدات تظهر كل يوم وتطرح على المسلمين تساؤلاتها، فيكون جواب ثلة من شبابنا الذين شبوا على ثقافة الغرب هو الانغلاق على حضارة الغرب، والارتماء الكامل في أحضان ثقافته، ونبذهم لنداء الإسلام الذي لا يعطيهم البديل، بينما طائفة أخرى من شبابنا تنتابها الحيرة، ويخترقها الشك، وتظل تتساءل دون أن تهتدي إلى ما تريد.

 

 أغراض اجتهاد الإسلام المعاصر :

 

لذا أصبحت الحاجة أكثر إلحاحا اليوم إلى اجتهاد مجامعنا العلمية ومؤسساتنا الاجتهادية التي يجب دعم الموجود منها، وتأسيس غيرها لقيادة تصور إسلامي صحيح، ينطلق من قراءة لنصوص الإسلام قراءة جديدة من لدن العارفين بأصول الشرع وأحكامه في سعي إلى الأخذ بالتيسير في الأحكام، وفي غير تحجر وانغلاق، حتى يُظهروا حقيقة الإسلام المبني على اليسر، القائم على السماحة، المجاري للفطرة والعقل.

 

ولعلنا قد وصلنا –والحضارة المادية الملحدة تغزونا على جميع الواجهات-، إلى العهد الذي تحدث عنه الحديث الشريف القائل : “يأتي على الناس زمان القابضُ على عُشُر دينه كالقابض على الجمر”. فإذا ضاعت التسعة أعشار، فَلْنُيَسر الأخذ بالعشرُ الباقي لنجعله سهل التناول. ولعل هذا اليُسر يعود بالضالين إلى القبض على دينهم كاملا غير منقوص.

 

إن رسالة الاجتهاد اليوم تبدو في نظرنا في أمس الحاجة إلى رسم أهداف مضبوطة محكمة للاجتهاد نقتصر من بينها على ستة أهداف  رئيسة هي :

 

  • تيسير الدين كما أمر به النبي مبعوثَيْه في حديث يسرا ولا تعسرا، بالأخذ بما لا يكلف ويرهق، وفاقا لقوله تعالى : “ما جعل عليكم في الدين من حرج”، (المائدة، الآية 6) وقوله : “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”. (البقرة، الآية 233).

 

  • الابتعاد بالدعوة الإسلامية ما أمكن عن أسلوب الترهيب إلا ما جاء الترهيب به في نص ثابت. وفي هذا الصدد يحسن في مجالي الدعوة والاجتهاد تغليب جوانب التيسير والترغيب والتسديد والمقاربة، واستبعاد أضدادها عملا بالحديث : “يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا” وما جاء في حديث آخر : “سدﱢدوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يُدْخل أحدا الجنةَ عملُه”.

 

  • قيام الاجتهاد بالنظر الفاحص في التنظيمات الحديثة المعاصرة في جميع مجالات الحياة وإخضاع الحكم عليها لمقاييس الشرع، وإعلان تبني ما لا يتخالف منها مع قواعد الإسلام وتعاليمه، على أن يكون قصد المجتهدين –ما أمكن-، الوصول إلى هذا التبني في نطاق مبادئ الإسلام في السماحة والتعايش والانفتاح.

 

  • اعتبار كل ما جاء في الاجتهادات الفقهية على عهد السلف عملا بشريا قابلا للنظر والمراجعة، خاصة عندما يظهر في تلك الاجتهادات ما يشوش على صورة الإسلام المشرقة أويعطي عنها صورة غير مقبولة، انطلاقا من أن ثوابت الإسلام هي الكتاب والسنة والإجماع، وأن الاجتهادات الفقهية خارج ذلك تدخل في المتغيرات التي تقبل إعادة النظر والمراجعة، وانطلاقا كذلك من مبدأ أن الإسلام الحق لا يجافي الفطرة ولا يعارض العقل السليم، ولا يكون إسلاما معتم الصورة فاقدا صلاحيته لكل عصر، غير قادر على استيعاب التطور البشري.

 

  • الأحكام التي سيقوم الاجتهاد الجماعي باستنباطها لمعالجة المستجدات المعاصرة، ينبغي للمجتهدين أن يستحضروا بشأنها القاعدة الشرعية في ضبط الأحكام، من أن ألأصل في الحكم الشرعي هو الحلية فيما لم يرد فيه نص قطعي الدلالة والثبوت بالتحريم من الكتاب والسنة، أو عن طريق الإجماع. وبذلك يترك المجال واسعا لمنطقة العفو، عملا بقوله تعالى : “يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَلكم تسؤكم، وإن تسألوا عنها حين يُنزﱠل القرآن تُبْدَلكم عفا الله عنها والله غفور رحيم”. (سورة المائدة، الآية 10) وطبقا لما جاء في الحديث الذي رواه الدارقطني : “إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدﱠ حدودا فلا تعتدوها، وحرﱠم أشياء فلا تنتهكوها، وعفا عن أشياء فلا تسألوا عنها”.

 

  • نحن في حاجة ملحة إلى اجتهاد الجماعة الإسلامية لا إلى اجتهاد المجتهد الفرد. ونرى ضروريا أن يقوم علماء المذاهب الإسلامية الصحيحة مجتمعين بالحركة الاجتهادية الجماعية المطلوبة، وتتضافر الجهود لإعطاء فتاوي واجتهادات مشتركة تقرها سلطة إسلامية عليا، لتوحيد الإسلام على وجهة واحدة بانفتاح على فقه السنة والشيعة والمذاهب المتفقة مع المنهج الإسلامي، حتى تصبح الأحكام موحدة بوصفها أحكام الإسلام، لا بوصفها أحكام مذهب أو آخر، أو أحكام منطقة دون أخرى.

 

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً