نص هادئ لمغرب يغلي

النص الذي أنتجته لجنة السيد شكيب بنموسى جميل، وأسلوبه أنيق، وتشخيصه صائب وجل اقتراحاته وجيهة. فهل ينتهي الأمر هنا بعد أن تتلاشى موجة الاحتفاءات على الطريقة المغربية الرسمية المعروفة؟ أبداً. هذا الورش بالذات أريد له أن يكون سكانير حقيقي لأمراض بنيوية من أجل اقتراح وصفة علاج جذرية وليست تخفيفية أو تسكينية، فهل حقق المبتغى؟   […]

نور الدين مفتاح [email protected]

النص الذي أنتجته لجنة السيد شكيب بنموسى جميل، وأسلوبه أنيق، وتشخيصه صائب وجل اقتراحاته وجيهة. فهل ينتهي الأمر هنا بعد أن تتلاشى موجة الاحتفاءات على الطريقة المغربية الرسمية المعروفة؟ أبداً. هذا الورش بالذات أريد له أن يكون سكانير حقيقي لأمراض بنيوية من أجل اقتراح وصفة علاج جذرية وليست تخفيفية أو تسكينية، فهل حقق المبتغى؟

 

الذي تحقق، في نظري المتواضع، هو تحريك نقاش عمومي مهم حول هذا العمل والآليات التي يقترحها. حقق أيضا تقليص المسافة بين ما كان يعتقد أنه سيخلق حكومة فوق الحكومات، وبين حجمه كتصور للفيف من خيرة الأطر المغربية التي كلفت بالقيام بتقرير تركيبي لتصورات التيارات المجتمعية، لتساعد الدولة على رؤية أكثر وضوحاً للطريق بعدما تبين أن المنجز في عقدين، على أهميته، لم يصل إلى العمق المجتمعي ولم يحل المشاكل الموروثة منذ ستة عقود وعلى رأسها الإقلاع الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وإنهاء الانتقال الديموقراطي.

 

لقد كان التقرير عموما مؤدبا وديبلوماسيا رغم عمقه، ولم يستطع الوصول إلى المطلب الملكي برفع الحقيقة، كل الحقيقة مهما كانت قاسية. بمعنى أن الحقيقة في واقع مغرب اليوم هي أقسى من واقعها في تقرير بنموسى، وهذا طبيعي بالنظر إلى خلفيات وتكوين وتركيبة النخب التي أنتجت هذا النص الهادئ لمغرب يغلي.

 

هناك أفكار جيدة وعلى رأسها الدولة القوية والمجتمع القوي والميثاق التنموي وآلية المتابعة ودعم الاقتصاد الاجتماعي وغيرها، ولكن هناك احتشاما في طرح مسائل جوهرية تجاوزتها منذ قرون بلدان في الضفة الأخرى للمتوسط وتتعلق بالحسم في الاختيار الديموقراطي على الأرض، أو ما سبق أن سمّاه الراحل عبد الرحمان اليوسفي، في محاضرته الشهيرة ببروكسيل في 2003 عقب خروجه المثير للجدل من الحكومة، بازدواجية الحكومة والدولة في المغرب.

 

لم يكن هناك في التقرير قسم واضح وخاص بالإشكال السياسي مع أننا بصدد الحديث عن نموذج تنموي وليس نموذج للنمو، والفرق شاسع. فالدولة الاجتماعية مهما بذلت من مجهود تبقى متعثرة بدون دولة حاسمة في أساسيات الفعل الديموقراطي! ولهذا أستغرب مثلا مع المستغربين، كيف تمت الدعوة لتقوية سلطات الولاة والعمال مع العلم أن سلطة المنتخبين يجب أن تكون الأعلى، ونفس الشيء في مجال الحديث عن الريع وكأنه عطب اقتصادي يمكن معالجته في الوقت الذي يعتبر جزءاً من نظام متكامل يجب هدمه، كما أن إعادة إنتاج خطاب هجاء الأحزاب السياسية وفي نفس الوقت الدعوة لبناء جسور الثقة لا يستقيم إلا إذا كان هناك خطاب الصراحة والتمييز والقدرة على تصنيف القطائع اللازمة والدعوة إلى القيام بها.

 

نحن أمام نص جميل يمكن للمغرب أن يفتخر به، ولكن، لم يكن موكولا للجنة بنموسى أن تنتج تقريراً ثقافيا من مستوى عال، بل كان من المفروض أن تنوب عن النخب التي تنوب عن المجتمع في إنتاج وثيقة مصالحة وطنية بعد قراءة صفحة النموذج التنموي الفاشل، وتحديد مكامن الخلل، وتقييم السياسات العمومية ما بعد تقرير الخمسينية، وتحديد المسؤوليات قبل تحديد الاختيارات. وهذا بالنظر إلى كل المحيط الذي اشتغلت فيه اللجنة كان صعباً. كان من الصعب حتى الاستجابة للطلب الملكي الحاث على قسوة التشخيص وجرأة المبادرة.

 

وعموما، المغرب لم يخسر شيئا، وقد يحين وقت الحسم ونحتاج إلى الأدبيات، وهي موجودة اليوم وكلها رائعة. منها تقرير الخمسينية الذي قاده الراحل مزيان بلفقيه وقام بتشخيص هائل لخمسة عقود من مكامن الخلل في المملكة وصدر ملخصا بعنوان دال هو (المغرب الممكن)، وكذا تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة وتوصياته جامعة مانعة تنتظر الإرادة لتنزيلها. وها هو اليوم تقرير النموذج التنموي ينضاف إلى الرفوف الذهبية – وهذا ليس تنقيصا – ليكون ملهما لكل من له يد في صنع مصير المغاربة حسب حجم تدخله وسلطته وشرعيته ونفوذه.

 

لن تعوض أي لجنة أو أي آلية مهما كانت مؤسسة من المؤسسات الدستورية، وقد يتوافق الفاعلون المختلفون على خط من الخطوط العريضة لبعض الإصلاحات، ولكن تبقى المؤسسات هي الممر الإجباري لكل تفعيل للاختيارات، وهذا بالطبع يعيدنا دائما إلى المشكل الأزلي المرتبط بتقوية دولة المؤسسات وتوازن السلط في إطار ما ينص عليه الدستور الحالي المحتاج لتنزيل أقوم، وما قد ينتج عن أي تعاقد جديد بين هرم المؤسسات في البلاد وهي المؤسسة الملكية الدستورية، والقوى الحية بالبلاد، للرقي بالأداء السياسي الذي يعتبر مفتاحا لكل تقدم اقتصادي وازدهار اجتماعي.

 

وعموما، مغرب 1963 أو حتى 1996 ليس هو مغرب 2021 دستوريا وسياسيا. هذا مسلسل مشكلته في المغرب أنه يتطور، ولكن ببطء، لأسباب جد معقدة، وتتخلله إشراقات وانتكاسات، ولكن، اتجاه التاريخ يجعله دائما تصاعديّا، ولذلك تبقى الثقة – كما جاء في تقرير النموذج التنموي الجديد – حجر الأساس، إلا أنها لا يمكن أن تبنى إلا بالمصداقية، والمزيد من الديموقراطية، وتحطيم الفساد الذي قيل يوماً في البرلمان إنه أصبح منظومة متكاملة الأركان.

 

جميل مرّة أخرى أن ينشغل المغرب بأفق 2035، ولنتذكر أن الحسن الثاني رحمه الله كان منشغلا بمغرب 2000 في الثمانينيات وخصص له خطابا شهيراً. إلا أن العالم غير غافل عن الاستشراف، ونحن نقدم ضمن هذا العدد للقارئ الكريم تقريرين هامين عن العالم في أفق 2035 لنضع بلادنا في ميزان المقارنة. التقرير الأول للمخابرات الأمريكية والثاني دراسة أوروبية، وسيجد القارئ نفسه في كوكب آخر، ومعطيات ورهانات بعيدة كليا عما نفكر فيه هنا في بلادنا. ودون الدخول في التفاصيل المثيرة والممتعة، لابد أن يستحضر المرء، وهو يلتهم السطور، أن تحديات الغد هناك قد تزيد من سحقنا، ما دام أننا لم نحسم مع قضايا أساسية أصبحت من المسلمات في المجتمعات المتقدمة، كالديموقراطية وحقوق الإنسان. حسموها منذ قرون، وهم اليوم أمام التحديات الوجودية والأخلاقية للثورة الصناعية الرابعة، كما تشرحها بشكل لامع المغربية البلجيكية المتخصصة بالنانوتكنولوجيا كوثر بوبكار.

 

لقد زلزلت الجائحة ابتداء من 2020 العالم، وربّما أعادت النظر مرحليا في علاقة الديموقراطية بالنجاعة في مواجهة الوباء، وربّما أيضا ربح معسكر الاستبداد في أجزاء من آسيا بعض النقاط، إلا أن قوس الجائحة بكل ندوبه سيغلق ولن يغلق معه القيم الكبرى للعالم المتحضر وعلى رأسها الحرية والكرامة. وجاءت الجائحة عندنا لتؤثر على عمل لجنة شكيب بنموسى، وتكيف نتائجها، بل إن أكبر ورش في تاريخ المغرب الاجتماعي قد انطلق قبل أن تصدر اللجنة تقريرها وهو مشروع الحماية الاجتماعية للجميع في المغرب.

لقد دخلنا الرقمنة بسرعة، وكان التشخيص بالوباء أقسى من تشخيص لجنة بنموسى ونحن نقف على أن 20 مليون مغربي يعيشون تحت عتبة الفقر، وبالتالي يجب أن نستلهم في المغرب دروس سنة 2020 هاته المفصلية في تاريخ البشرية، وأن نسير بلا مواربة باتجاه مغرب الحداثة السياسية والمجتمعية والكرامة والديموقراطية. وحينها يمكن أن تكون لنا شرفة محترمة نطل منها في 2035 على عالم سيكون لا محالة شبيها بالخيال العلمي.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً