نبيل بنعبد الله: عشت في الحكومة غرائب والناس يتعاملون معنا كحزب مستقل



  • حاورته: زينب مركز

يرى نبيل بنعبد الله أن المشروع التنموي لن يصل إلى مبتغاه إذا لم يواكب بتحصين للفضاء الديمقراطي، وبتقوية للمجال السياسي ونجاح مسيرة المصالحة بين المواطن والسياسة، محذراً مما أسماه كارثة حقيقية تتعلق باستعمال إغراءات مالية بشكل مفضوح ومرفوض ومنبوذ.

وأضاف الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، أنه لا يمكن مصالحة الرأي العام مع الشأن السياسي إذا لم يكن هنا عمل حقيقي على إدماج كل الطاقات والفئات والكفاءات المختلفة في الفضاء السياسي، بدل هيمنة ما يطلق عليها “الكائنات الانتخابية”.

 

اليوم نجري هذا الحوار على وقع ارتدادات تصريحات والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري، كيف تلقيتم هذا الأمر؟

> أولاً، من الضروري أن أؤكد بأني أكنّ احتراما كبيرا وتقديرا خاصا للأستاذ عبد اللطيف الجواهري لأسباب عديدة. لمساره، ولما قدمه، لكن كذلك على مستوى شخصي كانت هناك بيننا علاقات مطبوعة بالود والاحترام المتبادل، لكن لا بد من التنصيص على مسألة محورية وهي: كفى من اعتبار أن الأحزاب السياسية هي «الحائط القصير»، بمعنى أن كل الويلات التي يعرفها المغرب مرتبطة بالأحزاب السياسية!

فأولاً، هذه مقاربة خاطئة تماما. وثانياً لا يعقل أبدا وضع هذه الأحزاب السياسية في كفة واحدة دون تمييز بينها، ذلك أن الجميع يعلم بأن العقود التي مرّت شاهدة على نضالات عسيرة وهناك أحزاب بعينها تنتمي للحركة الوطنية هي التي أدت الثمن من أجل التقدم على درب الديمقراطية ومن أجل تصحيح المسار، ومن أجل إخراج المغرب من الوضعيات الصعبة التي كان عليها سياسيا وديمقراطيا واقتصاديا وماليا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. وحزب التقدم والاشتراكية من ضمن هذه الأحزاب التي ناضلت كثيرا وعملت على المساهمة في توفير أجواء المصالحة الوطنية والتوافق التاريخي الذي بلوره المغرب في نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة.

ثم ثالثاً يتعين أن تكون لنا الجرأة لنقول أيضا: ليس لأن هناك حزبا واحدا دخل في تنافس محموم وغير معقول مستعملا في ذلك إمكانيات هائلة، ومتقدما بوعود خيالية سيتبين بسرعة أنه غير قادر على بلورتها على أرض الواقع، (أقول) ليس لأن هناك حزبا محددا يتصرف هكذا، فإنه يتعين أن نضرب بعرض الحائط جميع الأحزاب الأخرى ونضعها في سلة واحدة.

وأخيراً، إذا كان هذا الكلام جزئيا صحيحا، في ما يتعلق بمتانة هذه الأحزاب وقوتها وقدرتها على الصمود وعلى التجاوب مع مطالب المواطنات والمواطنين، فالأمر يعود لأسباب عديدة ومتنوعة، وليس إلى سبب وحيد. ومع كل التقدير والاحترام، فالأستاذ الجواهري لم يقارب هذه الأسباب مجتمعة، ووضع المسؤولية كلها على الأحزاب السياسية دون أن يبحث في الأسباب العميقة والهيكلية التي أدت إلى هذا الواقع. وهذا النوع من التصريحات لا يعمل سوى على تكريس هذا الواقع أكثر. ونحن نناقش اليوم تحديات النموذج التنموي، أؤكد مرة أخرى أنه لن يكون هناك أي نجاح لأي نموذج تنموي جديد إلا بطبقة سياسية قوية وبأحزاب مستقلة لها المصداقية الكفيلة بإعادة بناء الثقة في علاقتها مع المواطنات والمواطنين، لذلك أعتقد أن على الجميع، خاصة أولئك الذين يوجدون في موقع المسؤولية، أن يحملوا هذا الخطاب وأن يشجعوا على هذا المنحى وألا يكتفوا بالتشخيص الجزئي والتبسيطي لواقع معقد ومركب.

السمة المميزة لهذه الاستحقاقات الانتخابية من خلال السياق السياسي الذي جاءت فيه تتمثل أساسا في تقديم النموذج التنموي الجديد. كيف ترون إسقاطات ذلك على ما ستفرزه الاستشارات الانتخابية؟

> أعتقد أن أهم شيء برز، خاصة في الأسابيع الأخيرة، هو أن هذه الانتخابات تأتي في سياق النقاش حول النموذج التنموي الجديد، بعد تقديم مضمون هذا النموذج أمام صاحب الجلالة في مناسبة رسمية. وهناك تأكيد على ضرورة إعطاء نفس جديد للحياة السياسية الوطنية وإعطاء دفعة قوية للمسلسل التنموي، الذي كما جاء ذلك في عدد من المقاربات وأساسا منها خطب ملكية مختلفة، أبان عن محدوديته أو وصل إلى مداه. الآن نحن نؤكد في حزب التقدم والاشتراكية أن المقاربة الاقتصادية أساسية من أجل أن يكون الاقتصاد الوطني قادرا على تحسين الإنتاجية وعلى خلق الثروات بشكل أقوى وأنسب من الماضي، حتى نتمكن من توزيع هذه الثروات بشكل عادل. وفي الوقت نفسه، فإن المقاربة الاجتماعية والإنسانية مصيرية كذلك، كما ورد في تقرير النموذج التنموي، وذلك يتناسب مع طرحنا في حزب التقدم والاشتراكية منذ نشأتنا، على خلاف أحزاب أخرى كانت تدافع عن دور الرأسمال المادي، عن قوى المال، وعن منطق السوق، وعن القطاع الخصوصي الذي ترى أنه لوحده في نظرها يمكن أن يحدث التغيير.

ما نلاحظه اليوم، هو أن هناك نوعا من الرجوع إلى أفكار تقدمية يسارية، طالما دافعنا عنها نحن في حزب التقدم والاشتراكية، أي جعل الإنسان في صلب المسلسل التنموي، والاستثمار في تعليمه وفي صحته وفي تغطيته الاجتماعية، وفي كرامته على كافة المستويات. هذا أمر مصيري.

كما برزت مجالات أولوية جديدة، كالمجال البيئي، والفضاء الرقمي… وهي مجالات يمكن أن يتم الاعتماد عليها في الحاضر والمستقبل. لكن ما نؤكد عليه في حزب التقدم والاشتراكية هو أن هذا المشروع التنموي لن يصل إلى مبتغاه إذا لم يواكب بتحصين للفضاء الديمقراطي، وبتقوية للمجال السياسي وبنجاح مسيرة المصالحة بين المواطن والسياسة، من خلال تنافس سليم وشريف ومتكافئ بين الأحزاب، ومن خلال النجاح في مسيرة الانتخابات حتى تكون هناك مشاركة واسعة، تؤدي في نهاية المطاف إلى بروز مؤسسات منتخبة ذات مصداقية، وعلى رأسها حكومة قوية، لأن من دون ذلك لا نرى، في حزب التقدم والاشتراكية، طريقا آخر لبلورة هذا النموذج التنموي على أرض الواقع، لذلك فالسياسة هي بداية والسياسة هي المنتهى، بالطبع مع أهداف فضلى تتلخص في خدمة الإنسان أولا وأخيرا.

 

 

الأحزاب تتحمل المسؤولية، ولكن!

 

يتحدث الكثيرون عن أزمة الثقة في الانتخابات ويتوقعون عزوفا قويا، ما أثر ذلك على التراكم الديمقراطي؟

أعتقد أن كل ذلك له أسبابه، وهذه وضعية تتحمل مختلف الأطراف جزءا من المسؤولية فيها، فبداية هناك اليوم على صعيد عالمي أزمة للتمثيلية السياسية، أزمة في العمل السياسي وليست أزمة سياسية. في بلادنا ليست لدينا أزمة سياسية، ولكننا مثل دول أخرى نعاني أزمة الممارسة السياسية أو العمل السياسي، هذه ظاهرة عالمية تجعل الفرد عموما، بالنظر إلى العديد من التطورات، يراجع علاقته بالسياسي وبالتمثيلية السياسية. وربما بالنظر إلى تطور الوسائل الحديثة للاتصال والتواصل، أضحى الإنسان يفكر في الكثير من الأحيان، بأنه ليس في حاجة لأن يمثله أحد ما، فهو يعبر عن ذاته من خلال هاتفه المحمول ويكفيه ذلك. وبالطبع هذه مقاربة خاطئة لأن التعبير عن الشيء له أهميته، لكن الأهم هو كيف يمكن أن نحول الأفكار أو الرغبات أو الطموحات أو الرفض المعبر عنه إلى سياسات بديلة تغير الواقع، وهذا الأمر يعود بنا في نهاية المطاف إلى التمثيلية السياسية وإلى المؤسسات المنتخبة.

هذه العودة إلى السياسة ستحدث في القريب، من دون شك، عالميا، وسيقع نوع من المصالحة مع الشأن السياسي، إذ ليست هناك وسيلة بديلة أنجع اكتشفها الإنسان من أجل تدبير شؤون المجتمع حتى اليوم غير الديموقراطية.

الآن في المغرب على الخصوص، لدينا مسار اتسم بانحباس وبما سمي بسنوات الرصاص لمدة عقود من الزمن، في السبعينات والثمانينات والتسعينات، بممارسات انتخابية لم تحترم النزاهة والاستقامة الضرورية والشفافية، وبالتالي فكل ذلك ترك آثارا سلبية عميقة، ثم كانت هناك بعض الممارسات السياسية التي حورت المسار الديمقراطي، مما أثّر سلبا على مستوى الثقة في المؤسسات المنتخبة وفي الأحزاب السياسية، وأثر كذلك سلبا على علاقة المواطن بالممارسة الديمقراطية.

(مقاطعة) لكن الشر ليس من اختصاص الآخرين فقط، أو أن الشيطان لا يوجد إلا في الضفة الأخرى…

> (مقاطعا) كنت طبعا سأكمل التحليل بالقول أيضاً إنه لا ينبغي إغفال أن الأحزاب السياسية كذلك لها مسؤولية في ما حدث، لماذا؟ لأن جزءا منها على الأقل قبل أن يفرط في مصداقيته، وفي استقلالية قراره، وأن يخضع لتوجهات، في بعض الأحيان، رغم أنفه. وهذه الأمور يراها المواطن ويتابعها عن كثب، وبالتالي يتعين أن لا نستغرب مما يحدث من انحباس على مستوى العلاقة بين المواطن والشأن السياسي.

ولكن هناك أيضا مسؤولية المواطن، وتعبيراته المختلفة بما فيها الإعلام، التي ترى أن المؤسسات المنتخبة لا جدوى منها وبأن الأحزاب السياسية لا دور لها والنقابات لا تصلح لشيء، وبأنه عمليا لا يمكن أن نثق بأي أسلوب تمثيلي كيفما كان. هذه الأمور لا تفضي سوى إلى تكريس العدمية والفراغ، وبما أن الطبيعة لا تقبل الفراغ، فهناك استبدال للأساليب الديمقراطية بأساليب تدبيرية أخرى غير ناجعة، ولذلك أعتقد أن على بلدنا أن يستثمر في مرحلة النقاش حول النموذج التنموي والدينامية التي ترافقه، ليعطي دفعة قوية للبناء الديمقراطي انطلاقا من المكتسبات الهامة التي حققناها والتي توجت بدستور 2011.

 

لم نحسم في الشعار ولكن «ديما معقول» ثابتة

 

من هم حلفاء حزبكم في هذا الاستحقاق، هل جرى أي تنسيق بينكم في المعارضة؟

> نحن، كما تعلمون، نوجد في المعارضة منذ أكتوبر 2019، وهذا الأمر جعلنا نعطي حيوية لهذه المعارضة، ونشكل صلة وصل أساسا بين حزبي الاستقلال والأصالة والمعاصرة، وطبيعي أننا نعطي الأسبقية في عملنا وفي تصوراتنا المستقبلية لهذين الحزبين.

لماذا لم يتم الانفتاح على اليسار؟

> كان بالإمكان أن ننفتح على فيدرالية اليسار الديمقراطي لو كانت لهذه الفيدرالية ما يكفي من الإرادة في ذلك، وهذا أمر مفتقد، ولذلك نعطي الأسبقية لهذين الحزبين، بما لا يعني أنه بعد الاستحقاقات لن تكون لنا إمكانية للتعامل مع قوى أخرى، شريطة أن يتم ذلك على أساس برنامج، وعلى أساس تصورات تتقاطع مع رؤيتنا، أي التصورات التي تتيح عموما انطلاقة ديمقراطية جديدة: توجيه الاقتصاد الوطني نحو المزيد من المتانة والإنتاجية والاستقلالية والشفافية، الاستثمار في العنصر البشري وفي مسألة العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، والاهتمام بالبيئة كمسألة جوهرية اليوم في التحديات العالمية والوطنية، وكذلك إمكانية أن نجعل من فضاء المعرفة بإسقاطاتها الرقمية وامتداداتها الثقافية هاجسا أساسيا بالنسبة للوطن، إذا كانت الأمور تدور عموما حول هذه التوجهات بنكهة نضالية وفي إطار حكومة سياسية قوية، فيمكن أن ننفتح على تحالفات أخرى.

ما هو الشعار الذي ستدخلون به هذه الحملة؟

> لحد الآن لم نحسم في الأمر بشكل نهائي، هناك لجن كثيرة تشتغل في الحزب، على الفضاء الانتخابي المحض المرتبط بالانتخابات والترشيحات، والفضاء القانوني المرتبط بمواكبة جميع القضايا القانونية، والفضاء البرنامجي الذي يشتغل على وضع برنامج واضح للحزب في أفق انتخابات 8 شتنبر، والفضاء التواصلي الذي يسعى إلى الاشتغال بأساليب مهنية، وربما بالاستعانة كذلك بطاقات خارج الحزب تتميز بمهنية واحترافية أكبر على هذا المستوى. وللتذكير، ففي الانتخابات السابقة وقبلها، أي في انتخابات 2011 اعتمدنا على شعار «المعقول».

هل ستتخلون اليوم عن «المعقول» بالمعنين القريب والبعيد؟

> (ضاحكا) أبداً، لن نتخلى عن «المعقول» أبدا بالمعنى البعيد الذي قصدته. فإلى حد الآن هناك أصوات بيننا، أنا شخصيا أميل إليها، تقول لماذا سنتخلى عن شعار «المعقول» فقط لأسباب تتعلق بالمستوى التواصلي؟ لم لا نعتمد على نفس الشعار مع إضافة شيء بسيط له أو بالاحتفاظ به كما هو أو بوضعه كعنوان بارز مع عنوان مواكب! شخصيا أميل إلى اتخاذ شعار من قبيل «ديما المعقول» حتى نعطي رسالة للرأي العام مفادها أننا رفعنا هذا الشعار في 2011 وتقدمنا به نفسه في 2015 و2016، وها نحن لانزال بنفس هويتنا وعلى «صباغتنا» كما يقال بالدارجة، ونستمر في حمل شعار «المعقول»، لكن سنرى في نهاية المطاف ما الشعار الذي سنعتمده.

هل قدر الانتخابات المغربية أن تخلق دوما ثنائية غير حقيقية بين حزبين متصارعين؟

> ليست هناك حقيقة ثنائية حزبية في سياقنا الوطني، أعتقد أن الثنائية المصطنعة التي لا تنطلق من الواقع لا معنى لها ولا جدوى منها، وحتى أكون أكثر وضوحا: الثنائية التي تجعل من جهة ما حزبا، أحببنا أم كرهنا، مع تسجيل عدد من الاختلافات التي لنا مع تصورات هذا الحزب، حزب له امتداد شعبي وله تجذر في المجتمع، وحزب آخر من جهة ثانية لا يملك ذلك مطلقا وينطلق فقط من إمكانيات هائلة في محاولة لحشد مجموعة من الطاقات المالية، وما يسمى «بالكائنات الانتخابية» في معركة انتخابية صرفة.. أعتقد أن هكذا ثنائية هي ثنائية مغلوطة ومغشوشة لا تفي بالغرض الديمقراطي.

جميل أن يكون في المجتمع مثلا قطب محافظ من جهة وقطب تقدمي يساري من جهة أخرى، وهذا أمر كان ليكون طبيعيا لأنه في نفس الوقت يحترم التسلسل التاريخي الذي عرفه ويعرفه المغرب، وهو أمر يحترم أيضا مشروعية عدد من الأحزاب، وأساسا منها الأحزاب الوطنية والديمقراطية، لكن ما يحدث اليوم وبالشكل الذي يحدث به يزيد من حيرة المواطنات والمواطنين ويطرح خيارات ليست بالضرورة مواتية بالنسبة لما يطمح له المغرب.

أين تصطفون أنتم كحزب التقدم والاشتراكية؟

> نحن في حزب التقدم والاشتراكية نقول إن هناك اليوم خيارا آخر غير هذه التوجهات الطافية على السطح، سواء تلك المنطوية على نظرة محافظة تعتمد على الدين أو تلك المستندة إلى مقاربات غير متجذرة وغير حاملة لهموم عموم الناس.

نعم، هناك البديل الذي نتقدم به كحزب والذي نعتبر أنه بديل ينطلق من نظرة وطنية تقدمية ديمقراطية لواقع مغربي خاص، وينبني على مشروع سياسي طموح يسعى نحو وضع المغرب بشكل قوي وشبه نهائي، على سكة الديمقراطية الفعلية، التقدم الاقتصادي، العدالة الاجتماعية من أجل الرقي بالإنسان وكرامته، المساواة بين الرجل والمرأة، المجتمع المتحرر الذي يوفر فضاء للحريات الفردية والجماعية، ويتجاوز عددا من الأشكال التقليدية التي لم تعد مسايرة للعصر… لذلك فالقطبية المصطنعة والمغشوشة لا تفي بالغرض ولن تفي به أبداً.

 

طرحت داخل الحكومة سؤال: أين تسيرون بنا؟

 

هل يمكن اليوم أن تقيموا فك ارتباطكم مع حكومة العثماني، سلبا أو إيجابا؟

> بكل صدق، نحن منذ بداية هذه الحكومة التي كنت شخصيا عضوا فيها، كنا نؤكد آنذاك على أن هناك شيئا غريبا، فهذه الحكومة منذ انطلاقها وهي منغمسة في خلافات بين حزب العدالة والتنمية من جهة وبين المكونات الأربعة التي تسير في اتجاه واحد هو إفشال أي عمل للحكومة، لدرجة أنني مرارا طرحت تساؤلات من داخل الاجتماعات الحكومية وبشكل علني، أين تسيرون بنا؟ نحن فقط في 2017، وأنتم منذ الآن تعطون صورة هزيلة وسلبية عن الممارسة السياسية والحكومية، أحزاب قررت أن تتحالف فيما بينها وأن تدخل تجربة حكومية والشغل الشاغل لكثير من مكوناتها هو إفشال أي عمل لهذه الحكومة والتحضير لانتخابات 2021 بشكل مسبق؟!

لكن الآثار السلبية لهذه التجربة هي التي نجترها اليوم، وهي التي جعلت المواطن يبتعد أكثر عن الممارسة السياسية. وبعدما نبهنا مرات عديدة لهذا الواقع قررنا أن ننسحب من هذه الحكومة، وكان ذلك قرارا جريئا اتخذناه بعد نقاشات وتمعن في الموضوع، واعتبرنا أنه لا يمكن أن نستمر في ترسيخ وضع لا يتناسب وتوجهاتنا، لأن الهاجس الإصلاحي أصبح مفقودا في هذه الحكومة التي تفتقد إلى الانسجام. وكذلك لأن كل ما نحمله من أفكار وتصورات لم يعد موجودا في توجهات هذه الحكومة، لذلك غادرناها وحسناً فعلنا.

اليوم يمكن أن أقول لك إن نظرة وتعامل عموم المواطنين والمواطنات مع حزب التقدم والاشتراكية تنطلق من كونه حزبا مستقلا. هذا حزب عندما تطلب الأمر أن يغادر الحكومة غادرها بملء إرادته، وليس كما تدعيه بعض الأوساط التي لا يعجبها ذلك، والتي تُسقط على حزب التقدم والاشتراكية ما ينطبق عليها، أي أنها تنفذ التعليمات والأوامر. حزب التقدم والاشتراكية خرج بمحض إرادته من هذه الحكومة، واليوم حقيقة، نقارب المستقبل القريب بكثير من التفاؤل لأننا لسنا معنيين بالرصيد الهزيل السلبي لهذه الحكومة.

أنتم إذن ترون أن فك ارتباطكم بحكومة العثماني كانت له مردودية إيجابية على حزبكم، لكن البعض يرى أن ذلك فقط كان من تبعات تقرير الحسيمة؟

> صحيح أن فكرة الانسحاب بدأت في الظهور منذ الخلاصات المرتبطة بموضوع الحسيمة، أي عندما تم أساسا إعفائي والحسين الوردي من الحكومة، لكن أؤكد لك بصدق أن الأمر كان مرتبطا بمواقف سياسية يعبر عنها الحزب وليس بموضوع الحسيمة. ناقشنا مطولا هذا الأمر داخل الأوساط الحزبية المختلفة بما في ذلك المكتب السياسي ومع أعضاء كثيرين منهم المنتخبون… لم يكن هناك في البداية استعداد لمغادرة الحكومة وكان البعض يهول هذا الأمر ويعتبر أنه الحزب سوف ينهار خارج الحكومة. شعرت شخصيا كأمين عام أنه ينبغي أن نتريث بعض الشيء، ثم جاء الموضوع الثاني المرتبط بإعفاء شرفات أفيلال وطرح نفس الموضوع. كان البعض يقول إننا يجب أن ننسحب والبعض آخر يرى أننا يجب أن نستمر، وشخصيا وإن كنت مقتنعا أن لا أمل في هذه الحكومة، لكنني في المرة الأولى كنت معنيا، ولم يكن بإمكاني أن أترك انطباعا بأننا ننسحب من الحكومة فقط لأنني أعفيت منها، فلذلك لم أساير هذا الطرح. وفي المرة الثانية شعرت بأنه ليس هناك استعداد واسع داخل الحزب لمغادرة الحكومة، ولكني مع ذلك كنت على يقين بأنه لا مفر من هذا القرار، وقلت لكثير من الرفيقات والرفاق بأن الفرصة ستأتي لا محالة. وهكذا عندما بدأ الحديث عن تعديل الحكومة كان واضحا بأن الحزب غير معني بأي مشكل داخلي أو بمغادرة الوزراء أو بأي شيء قد يُفسَّرُ على أنه ذاتيٌّ. كان فقط عليه أن يجيب على هذا السؤال: هل من مصلحة البلاد أن يستمر حزب التقدم والاشتراكية في هذه الحكومة أم لا؟ فكان الجواب بشكل يتجاوز 95 بالمائة من داخل الحزب بأننا ينبغي أن نغادرها. البعض كان متخوفا، لكن يمكن أن أقول لك اليوم إن جميع الأوساط الحزبية تقول إننا «حسنا فعلنا»، عندما اعتمدنا هذا الموقف، حتى من قبل من كانوا ضد القرار حينها أو مترددين بشأنه.

 

نحن ندق ناقوس الخطر ونقول: حذاري

 

لاحظنا تسابق الأحزاب الكبرى للصراع على نفس الوجوه من الأعيان ومحترفي الانتخابات ألا تعتقد أن الأمر يمكن أن يعزز فقدان الثقة في الأحزاب؟

> أشكرك على طرح هذا السؤال، إذ أن أفظع شيء يحدث اليوم هو هذا بالضبط. إنه كارثة حقيقية، وأنا أعيش ذلك بشكل مباشر. هناك مجموعة من القدرات الانتخابية موجودة في مختلف الأقاليم التي يتمحور عليها وحولها التنافس والصراع، وأحيانا باستعمال إغراءات مالية بشكل مفضوح ومرفوض ومنبوذ. وهذا الأمر لا يساعد على تجديد النخب خاصة في البرلمان، وإلى حد كبير جدا بالنسبة لمجالس الجهات، حيث إن نسبة التجديد تكاد تكون شبه منعدمة، هذا هو الذي يفرض اعتماد بعض الأحزاب كالتقدم والاشتراكية على كفاءات من النساء والشباب وعلى أناس نزهاء لم يسبق لهم أن خاضوا معترك الانتخابات. لكن هذه الإرادة تصطدم بالواقع المر والعنيد، حيث تبدو كأن هناك هيمنة على مختلف الدوائر من خلال هذه الكائنات التي ذكرت، لذلك حذار مما يحدث، لأن هذا الأمر قد يجعلنا نغير الأوراق الحالية والترتيب الحالي للأحزاب السياسية في أفق انتخابات 8 شتنبر، لكن ذلك كفيل بإعطاء نفس ديمقراطي جديد وإفراز تلك الحكومة القوية المنسجمة التي نحن بحاجة إليها ووضع الأحزاب السياسية المناسبة من أجل بلورة معالم هذا النموذج التنموي الجديد؟

أعتقد أننا نسير في طريق لا يفي بهذا الغرض، ولذلك من اللازم أن يدق حزب التقدم والاشتراكية ناقوس الخطر على هذا المستوى ويقول حذار، فلا يمكن مصالحة الرأي العام مع الشأن السياسي إذا لم يكن هناك عمل حقيقي على مستوى إدماج كل الطاقات والفئات والكفاءات المختلفة في الفضاء السياسي، هكذا فقط يمكن إحداث المصالحة وبعث الروح في الديمقراطية وفي العمل الجاد والإصلاح في بلدنا.

هل هي الفرصة الأخيرة ؟

 

تبدو هذه الانتخابات كما لو أنها فرصة المرحلة الأخيرة، خاصة بالنسبة للاستقلال والبيجيدي والأحرار، ما ضرر ذلك على مستقبل التراكم الديمقراطي في المغرب؟

> أعتقد أن المسار السياسي الذي عرفناه والأخطاء التي ارتكبت، أدت إلى بروز هذا الواقع الجديد الذي أصبح مفروضا على مختلف الأحزاب السياسية، بمعنى أن من يريد أن يتجاوز واقع سيطرة الكائنات الانتخابية في مختلف الدوائر والتوجه نحو الانفتاح على المجتمع، سيتلقى من دون شك هزيمة انتخابية نكراء.

مع الأسف، يتعين أن ننتبه إلى هذا الأمر جميعا، وينبغي أن يكون هناك وعي، لأننا في نهاية المطاف هكذا سنفرز برلمانا صورته ستكون مهزوزة أمام الناس. سنترك جوهر المجتمع المغربي جانبا ونعتمد على هذه الأقلية من «محترفي الانتخابات» دون أن تكون هناك قدرة على تعبئة المجتمع بكل مكوناته وحشد طاقاته في أفق تفعيل هذا النموذج التنموي الجديد.

بكل صدق، نحن حائرون في حزب التقدم والاشتراكية في هذا الواقع المرير. نعلم أنه علينا أن نحافظ على توجهاتنا وعلى حزبنا، وفي نفس الوقت أن نتفاعل مع هذا الواقع كما هو اليوم، وأيضاً أن ندق ناقوس الخطر ونقول: حذار من الاستمرار في هذا الاتجاه، لأن النموذج التنموي الذي تكلمنا عنه والذي صدر تقرير بخصوصه، يقول في عنوانه: «تحرير الطاقات وتعبئة الكفاءات»!! هل بالله عليك بما طرحته في سؤالك بشأن هذا الموضوع، هل بذلك سنحرر الطاقات وسنعبئ الكفاءات؟ هذا سؤال كبير مطروح علينا، لذلك أعود لأكرر بأن حزب التقدم والاشتراكية حقيقة وهو يدخل غمار هذه الانتخابات يعول كثيرا على تلك الفئات التي لا تصوت، على ملايين الناس الذين هم مسجلون في اللوائح الانتخابية لكن يمارسون العزوف بشكل عملي، وبالتالي نقول للمواطنين والمواطنات: إذا أردتم أن تصمدوا أمام هذا الواقع المر، عليكم أن تشاركوا، أما الاستمرار فقط في موقف الرفض وعدم المشاركة، فيساهم في نهاية المطاف في شيء واحد هو تكريس هذا الواقع المر.

 

هناك حزب دخل الانتخابات بإمكانيات على الطريقة الأمريكية وأموال نتساءل عن مصدرها!

 

هل يبدو حزب التقدم والاشتراكية قادرا على تحمل التكلفة الانتخابية، خاصة وأنكم تمرون بأزمة مالية؟

> أزمة مالية نمر بها؟ (يضحك)، الأزمة المالية بالنسبة لحزب التقدم والاشتراكية كانت منذ أن كان حزبا شيوعيا باسم «الحزب الشيوعي المغربي» ثم في فترة قصيرة «حزب التحرر والاشتراكية»، الأزمة المالية ملازمة ومواكبة لحزب التقدم والاشتراكية. أقول ذلك وأبتسم، فحزب التقدم والاشتراكية لم يكن أبدا غنيا، ولم يتوفر على إمكانيات مالية هائلة أبدا. ولكن في نفس الوقت تمكنا من أن نقوم بأشياء كبيرة، وبكل صدق نحن حزب فقير ماليا، لكننا حزب كبير سياسيا، ومنغمس في المجتمع، له مواقف سجلها التاريخ، حزب له نساء ورجال بصموا التاريخ الحديث المغربي، فجميع الانتخابات التي دخلناها من قبل بإمكانيات مادية هزيلة جدا، خرجنا منها بديون، فتمرّ علينا السنوات التي تلي العمليات الانتخابية بصعوبة، بحيث أننا نسعى إلى استيفاء هذه الديون في الفترة الممتدة بين الاستحقاقين الانتخابيين، ثم تأتي الانتخابات الموالية وندخل من جديد في المديونية وهكذا دواليك.

ربما لهذا السبب أيضا، هناك أوساط والحمد لله، تثق في حزب التقدم والاشتراكية وتدعمنا ماليا بعض الشيء، والمناضلات والمناضلين يساهمون كذلك باشتراكاتهم. نعتمد جزئيا على دعم الدولة وبالطبع كل ذلك لن يصل إلى المبالغ المالية الهائلة التي تستعملها بعض الأحزاب، التي لا وجه للمقارنة معها على هذا الصعيد.

فأولا نحن نحترم السقف الذي يحدده القانون بالنسبة للمصاريف خلال الحملات الانتخابية سواء وطنيا أو على مستوى مختلف الدوائر، لكن ما نلاحظه اليوم هو أن هناك حزبا على الأقل دخل بإمكانيات على الطريقة الأمريكية في هذا المسلسل الانتخابي، دخل بأموال يتساءل حزب التقدم والاشتراكية والأحزاب الوطنية الأخرى، عن مصدرها.

تقصد حزب التجمع الوطني للأحرار؟

> الحزب الذي أقصد سيعرف نفسه بوضوح، لأن جميع المغاربة يعرفون من هو اليوم. نحن أمام سيلان واد لا ينتهي من المال، يجعلنا نتساءل: ألن يستعمل في تحريف إرادة الناخبين وفي شراء الأصوات؟ فهناك سقف قانوني للمصاريف الانتخابية، وهناك ضرورة بالنسبة للدولة للوقوف على تكافئ الفرص بالنسبة لهذه الانتخابات. ربما بعض الأحزاب الأخرى لا تتكلم الآن في هذا الموضوع، لكن أعتقد أن من واجبها الدفاع عن وجودها وعن الديمقراطية عموما، وأن تقول كلمة حق. قلنا ذلك بالنسبة لنا في أحزاب المعارضة عندما تعلق الأمر بموضوع «القفة» مثلا، والأمور اليوم تستمر بأساليب أخرى، وعيد الأضحى يقترب وسنرى ماذا سيسجل فيه من ممارسات!

على أي حال، نحن لن نخوض كثيرا في هذا الموضوع، فقد واجهنا في حزب التقدم والاشتراكية صعابا ومحنا كثيرة، وسندخل هذه الحملة من أجل التباري سياسيا من أجل إبراز تصوراتنا ومواقفنا وبدائلنا.

 

الصحوة التي ينتظرها الحزب

 

كيف تتوقعون الخريطة القادمة، أو من الذين تتوقعون فوزه بالرتبة الأولى؟

> الله أعلم. أعتقد أن جميع الاحتمالات واردة، والكلمة الفاصلة ستكون للمواطنات والمواطنين إذا كانت هناك مشاركة قوية. أريد أن أقول شيئا أساسيا، هناك ثلاثة أنواع من المقاربات على مستوى التصويت: هناك المقاربة التي تنطلق من خزان دائم غير ظاهر لكنه متجذر في المجتمع، وهو خزان يميل لطروحات دينية وإسلامية، وهناك فضاء آخر يتشكل من الذين يتأثرون إما بالانتماء القبلي أو باستعمال المال في استمالة الناس من أجل التصويت، وهناك أيضا مع الأسف جزء ثالث مسجل في اللوائح الانتخابية ـ أو غير مسجل بالنسبة لملايين آخرين ـ والناس المُشَكِّلُون لهذا الجزء لا يمارسون حقهم في التصويت. وبقدر ما ستدخل هذه الفئات للتعبير عن صوتها وللإدلاء برأيها بقدر ما ستعزز التيارات والأحزاب المتشبثة فعلا بمصلحة هذا الوطن وبمصلحة شعبنا، الأحزاب التي لها رصيد، والتي لها ماض ومشروعية مثل حزب التقدم والاشتراكية، الذي لا يمكنه أن يعول إلا على هذه الفئة الثالثة أساسا، حتى يظل وفيا لتوجهاته ويفتح آفاقا تقدمية حداثية ومساواتية في المجتمع، ويطور الممارسة الديمقراطية.

هذا الأمر لا يمكن أن نقوم به لوحدنا، فنحن لا نعتمد على المال ولا على الجاه ولا على الدعم المباشر، فعلى ماذا يمكن أن نعتمد؟ على هذه الطاقات التي تمارس العزوف اليوم للأسف، والتي نتوجه إليها مجددا لنقول لها وللجميع: اخرجوا من لامبالاتكم، انهضوا، كونوا حاضرين بقوة في هذا المسلسل، وآنذاك يمكن أن تغيروا هذه التوقعات جذريا، والتي تقول عدد من الأوساط أن المرتبة الأولى سيتم التباري حولها من قبل حزبين أو ثلاثة.

نعم، يمكن أن يتغير هذا الأمر، فتصوروا أنه لحد الآن هناك 6 ملايين من المغاربة الذين حُسمت أصواتهم، تصوروا لو أننا وصلنا إلى 12 أو 13 مليون من المغاربة الذين يصوتون فعلا، ألا يمكن أن يغير ذلك النتائج رأسا على عقب؟ أملي هو أن تحدث هذه النهضة والصحوة، وأن يتم استنهاض الهمم وإذكاء الحماس في هذه المعركة التي سوف تأتي قريبا.

ما هي نسبة الدوائر التي تعتزمون تغطيتها في البرلمان والانتخابات الجماعية؟

> مائة في المائة كما العادة. فمنذ 1992 تقريبا نغطي كل الدوائر، سنة 2016 مثلا غطينا 90 دائرة من أصل 92، وإن لم نغط دائرة محددة فلأن لها وضعا خاصا جدا. حينها، لم نغط جهة الفحص أنجرة، وأوسرد، فقط هاتان الدائرتان لم نغطهما. حزب التقدم والاشتراكية دائما يكون في المراتب الأولى من حيث تغطية الدوائر، وتلك ليس مسألة شكلية فقط، بل إن الأمر مرتبط بتواجد الحزب في مختلف أنحاء البلاد.

والآن، بالنسبة للنتائج، حين نجد أمامنا الكائنات الانتخابية التي ذكرت لك، بالإمكانيات التي تكلمت عنها، فإنه من باب تحصيل الحاصل أن نجد صعوبة في مواجهة هذه الظواهر، لكن مع كل ذلك فنحن نعول من دون شك على أن تكون نتائجنا متقدمة جدا في هذه الانتخابات القادمة.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً