إغلاق قوس الإسلاميين

مثل ملاكم في وضعية حرجة عندما يحاصره الخصم في الزاوية، بدأت الضربات تنهال على العثماني وتيار الاستوزار تباعاً، ومنها فرنسة التعليم وتوقيع التطبيع مع إسرائيل وقانون الكيف والقاسم الانتخابي إلى أن سقطوا صرعى، وعندما صب عليهم الماء البارد، وجدوا رقم 13 فوق رؤوسهم وهم الآن مكلومون في جنازتهم التنظيمية.

نور الدين مفتاح [email protected]

هي الأمور كما شاهدتها دولٌ – – – – – من سرَّه زمن ساءته أزمـان

إنه الهرم الخلدوني الأثير الذي ينتقل فيه الممارسون للسلطة من القاع إلى القمة ثم يعودون إلى الأفول. لنقل إنها سنة السياسة. وأحيانا تنجب الأحوال أهوالا. وهذا بالضبط ما حدث لحزب العدالة والتنمية.

فقد كان الجميع يتوقع سقوط أول حزب إسلامي يدخل المؤسسات، إلا أن ما جرى كان أكبر من السقوط المدوي، لقد كان انهياراً لأركان البيت. كانت في كلمة، نهاية مذلة. وأتوقع أن هذا التنظيم لن يعود بعدها إلى ما حققه في 2016 مثلا إلى الأبد، وسيحتاج لعقود ليعود إلى وضع طبيعي، أي حزب كباقي الأحزاب لا بعبعا ينشر الخوف من تغوله ويشرب الخيلاء حد الثمالة.

فما الذي جرى بالضبط؟ هل هي فعلا قضية مَحاضر وتلميح بتدخلات لا نعرف ممن؟ أم هو فعلا المال الذي نزل كالمطر وأغرق المصباح الحزين؟ أم هو زواج المال والسلطة؟ كل هذه مبررات لا تستقيم للتفسير وإن صح البعض منها، لأن حزب العدالة والتنمية لو دخل الانتخابات مع الاتحاد الدستوري والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي لخسرها.

الحزب انهار بفعل المتفجرات التي زرعها بنفسه في أركان بيته، حتى إذا جاء يوم الامتحان تداعت جدرانه وانتهى. نعم، انتهى حزب العدالة والتنمية كما كنا نعرفه، وسيتطلب الأمر مراجعات، ونساء ورجالا جددا، ووقتا طويلا ليعود إلى المربع الذهبي. وفي انتظار ذلك، تدخل المملكة مرحلة أخرى من مسيرتها السياسية.

لابد أن نعترف أن المغرب دبر ملف الإسلاميين بشكل مختلف تماما بعدما سمي بالربيع العربي، وفي الوقت الذي أطاحت الانقلابات المباشرة أو المقنعة بالإسلاميين في أكثر من دولة، اختارت المملكة أن تترك لصناديق الاقتراع الكلمة الفصل. لقد ثارت المملكة ضد الضغوطات الخارجية التي كانت ترى في الإسلام السياسي تهديدا لنادي الملكيات العربية، إلا أن هؤلاء الضاغطين لم يكونوا مطلعين إلا على أوراق شجرة الملكية في المغرب وليس على جذورها. ولهذا أجازت الدولة للبيجيدي أن يحكم إلى جانب الملك لولايتين كاملتين على امتداد عشر سنوات في سابقة لم يشهدها تاريخ المملكة السياسي على الإطلاق.

صحيح أن الناس يعرفون بصفة عامة أن الدولة غير متناغمة أصلا مع الإسلام السياسي، ويتذكر الجميع نزول المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة شخصيا إلى الميدان لمحاربة ما سمي بـ«الخطر» الأصولي. إلا أن هذا لم يصل إلى حدود وأد التجربة الحكومية لإسلاميين فقدوا أغلبيتهم أكثر من مرّة، وتم رتقها، ويسجل هذا في السجل التدبيري السياسي للمغرب.

صحيح أيضا أن الكثير من الألغام وضعت في جيب رئاسة حكومات الإسلاميين من عبد الإله ابن كيران إلى سعد الدين العثماني، ولكن هذا ظل في إطار التدافع السياسي المنتظر، ولم يكن مهما أن يبرهنوا على أنهم ضحية ولكن الناس كانوا ينصتون جيدا لكيفية تفاعلهم مع الامتحانات العسيرة لتدبير جزء من الانتقال الديموقراطي.

لقد جاء الإسلاميون على ظهر فزاعة إيديولوجية حين عوّض الإسلام السياسي في العالم العربي سقوط القومية واليسار، كانت المعادلة بسيطة، وهي أن استعمال الدين في السياسة هو ورقة رابحة منذ البداية. وخيل لبعض الاستئصاليين أن الحل هو المنع ظناً منهم أن هذا البعد الإيديولوجي عند الإسلاميين خارق ودائم، هؤلاء اليوم يقفون على أنهم كانوا مجانبين للصواب. لقد كان الناس يصوتون سياسيّا، وعندما أنهك البيجيدي وأنهك نفسه، لم يعاقب فقط، وإنما حكم عليه الشعب بما يقترب من الإعدام السياسي، حتى وإن كانت في أيادي مناضليه السبحات وعلى وجوههم دنانير الصلاة ولحاهم مطلقة وقنديلاتهم يعتمرن الحجاب المزركش.

لقد كان موفقاً الأستاذ العميق محمد الساسي عندما رسم بورتريها لحزب العدالة والتنمية من وجهة نظره كحداثي ديموقراطي في حوار مع «الأيام»:

«العثماني كشف عورة التجربة ولم يخف جوهرها خلف خطابات شعبوية وجعل الخط يبدو واضحا بلا مكياج. هذا الخط يعتمد على أولوية مصلحة الحزب، وعدم أولوية العمل من أجل التقدم الديموقراطي، وانتظار أن تتحقق بعض المكتسبات الديموقراطية بفعل الضغط الخارجي لا يساهم فيها الحزب، وعدم الاحتجاج إلا إذا مست حقوق الحزب، أما حقوق المواطنين فلا مشكل أن تمس، وإذا مست فلننتظر الفرج. ويعتمد هذا الخط أيضا على أن ما يجمعهم بالنظام، في صورته التقليدية، أكثر مما يفرقهم معه وهم أبناؤه المخلصون الذين سينتهون بإقناعه أن مصلحته هي في تحالف أبدي سرمدي معه، فهم حماته الحقيقيون حتى وإن كرههم فهو سيحبهم في النهاية».

في النهاية صارت كل أحلام هذا الغرام من طرف واحد كوابيس اليوم، في حزب قام باختيارات سياسية قاتلة، وحرك العديد من القطع على رقعة الشطرنج الدقيقة بشكل كارثي في مواجهة لاعب يجلس أمامه راكم مهارة عقود في دحر الأحزاب «المتعالية».

إن التحول السيكوسوسيولوجي الذي طرأ على النخبة الإسلامية أثر بشكل عميق على صورتها لدى الرأي العام. لقد كان «الإخوان» ضحية الطهرانية التي سوقوها لعقود، ثم اكتشفوا عوالم جديدة في رحاب السلطة والرفاهية، وقدموا في النهاية للناس دليلا عن عجزهم على تمثل المجتمع الذي كانوا يبشرون به وهم بالقشاشيب والنعال.

لم يكن عيبا الارتقاء الاجتماعي، ولكن العيب كان في الانزلاق إلى ممارسات كانوا يعرفون أن اللاعب الماهر سيذبحهم بها، ومنها قصص الغراميات الوزارية و«المدلكة» وما شابهها من تفاصيل وهوامش زادت من سرعة سقوطهم الحر.

لقد لعب تدبير البلوكاج على عهد ابن كيران دوراً قاصما وحاسما في تقرير الإسلاميين كما رسموه بأنفسهم. إن تصلب ابن كيران نفسه حينها لعب دوراً في نتيجة اليوم، أما ما فعله له إخوانه بعده، فقد كان حكما بنهايتهم. ألم يقل يتيم بالبنط العريض في حمأة خلاف قاس: «وهل ابن كيران نبي الله؟». لقد تمزقوا دون أن ينشقوا تنظيميا تماما مثل أزواج وصلوا إلى العنف والقطيعة دون أن يلجأوا إلى الطلاق. ومثل ملاكم في وضعية حرجة عندما يحاصره الخصم في الزاوية، بدأت الضربات تنهال على العثماني وتيار الاستوزار تباعاً، ومنها فرنسة التعليم وتوقيع التطبيع مع إسرائيل وقانون الكيف والقاسم الانتخابي إلى أن سقطوا صرعى، وعندما صب عليهم الماء البارد، وجدوا رقم 13 فوق رؤوسهم وهم الآن مكلومون في جنازتهم التنظيمية.

الناس عاقبوا العدالة والتنمية، ليس على ما فعلوا، بل على ما لم يفعلوا. وليس على ما قالوا ولكن على ما لم يقولوا. والغريب أن الشعب الذي تحمل قرارات لا شعبية في عهد حكومة ابن كيران كانت ربما ضرورية من مثل إصلاح صندوق المقاصة وصناديق التقاعد، هم الذين رفعوه إلى 125 مقعداً سنة 2016 في سابقة في تاريخ البرلمان المغربي. ولكن، هؤلاء الناس بالضبط، وهم عموما من الطبقة المتوسطة، الحضرية، غير المنتمية للعدالة والتنمية، هم الذين أسقطوه اليوم بالضربة القاضية وليس عزيز أخنوش أو عبد اللطيف وهبي أو غيرهما.

إنها مفاجأة القرن حتى بالنسبة للدولة التي يبدو أنها قبلت القاسم الانتخابي ظنا أن الملاكم البيجيدي مازالت عنده لياقة في الساقين، ولو لم يكن هذا القاسم لحصل الإسلاميون على صفر مقعد، ولاكتسح الأحرار بالأغلبية المطلقة أو ما يقترب منها.

إنها نهاية مأساوية لحزب ملأ الدنيا وشغل الناس، وستمر جنازته في ثلاثة أيام، ليبقى الأهم بالنسبة للمغاربة هو ما العمل بعد طي صفحة الإسلاميين؟

هذا هو السؤال الوحيد المنتج اليوم، أما لعبة التشفي أو التباكي، الزهو أو المظلومية، فإنها مضيعة لوقت مملكة مقبلة على جميع التحديات. واليوم يدخل حزب جديد امتحان قيادة حكومة في ظروف صعبة، وعليه أن يبرهن على أنه من مستوى وعوده وعهوده التي لن يقف أمامها على الأقل توجس من تغول ولا فزاعات إيديولوجية ولا ادعاء نقص كفاءة. الناس يريدون الإنجاز، وأن تصلهم ثماره بسرعة، أما الإيديولوجية في المملكة فقد ماتت، والدايم الله.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً