أستاذ التاريخ والفكر الإسلامي محمد جبرون: هزيمة “البيجيدي” إيجابية على مستوى الدولة وعلى مستوى التجربة الديموقراطية



  • حاوره: محمد كريم بوخصاص

يعتبر محمد جبرون أحد المفكرين المغاربة القلائل الذين واكبوا بالرصد والتحليل مسار “إسلاميي المؤسسات” منذ نشأته حتى اليوم.

ولطالما أطلق تحذيراته لهم من مغبة السقوط الكبير، قبل أن تتحول انتخابات 8 شتنبر إلى محطة للاندحار “الصادم” للعدالة والتنمية. لذلك يأتي هذا الحوار كمحاولة لفهم ما حصل واستشراف مستقبل هذا الحزب الذي شغل المغاربة وهو في أوج مجده السياسي ثم في لحظة انهياره وسقوطه غير المتوقع.

شكلت نتائج انتخابات الثامن من شتنبر «صدمة» في بيت الإسلاميين ومفاجأة مدوية لكل المتتبعين. ماذا حصل؟ وما الذي سيتمخض عن هذا السقوط الحر للعدالة والتنمية؟

> شكرا لكم على هذه الفرصة التي أتحتموها لنا للتواصل مع قراء الأيام. أما بخصوص سؤالكم، فما حصل مفاجئ، وغير متوقع، ويصعب تفسيره لحد الآن بالعوامل والآليات التقليدية في التحليل الانتخابي. فالأمر يحتاج لبعض الوقت، ولتوفر المعطيات الشاملة حول العملية الانتخابية التي لا زالت لحد الآن محجوبة عن الباحثين والمتتبعين.

لكن مع هذا، يمكن المغامرة بذكر مجموعة من الأسباب، كالسياسات التي نفذها حزب العدالة والتنمية والتي أفقدته جزءا من بريقه لدى الرأي العام، والمشاكل الداخلية التي عانى منها الحزب، وبعض التجاوزات الانتخابية هنا وهناك، والظروف التي جرت فيها العملية الانتخابية والقوانين التي أطرتها، خاصة كورونا.

ما من شك أن هذا السقوط سيؤدي إلى هزات تنظيمية داخل الحزب، تتعلق بمن يتحمل مسؤولية ما حصل، وأيضا سيضطر الحزب لمراجعة الكثير من مرجعياته السياسية، وأدبياته، ومشروعه الحزبي. لا يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يعود بعد زلزال 8 شتنبر 2021 كما كان من قبل، فما سيأتي، سيختلف تماما عما مضى.

كان العدالة والتنمية عبر تاريخه في حالة صعود ولم يُجرب يوما أي تراجع، كيف تتوقع أن يتعامل اليوم مع هذا الانهيار داخليا وخارجيا؟

> سيتعامل مثل غيره من الأحزاب والتيارات، فمن جهة، هو مدعو لمراجعة أوراقه، وإعادة بناء تنظيمه، وتدشين مصالحة داخلية واسعة، تعيد له التماسك الداخلي، والقدرة على المبادرة. غير أن هذا التحول أو هذه الانطلاقة لن تكون سهلة، فالمرحلة السابقة خلفت الكثير من الحزازات والخصومات، وأضرت بالعلاقات الإنسانية داخل حزب العدالة والتنمية.

ومن جهة ثانية، يبدو أن حزب العدالة والتنمية خسر سياسيا خسارة مدوية، لكنه وهذا هو الأهم ما يزال حزبا منظما وديناميا، وله رصيد بشري، بالإضافة إلى الخبرة التي راكمها في العشر سنوات الماضية. كل هذا سيمكنه من الانطلاق مجددا.

بشكل عام، يعيش «الإسلام السياسي» منذ 2013 ضربات تِلو أخرى، بعدما أغلق قوس تجربتهم في كل الأقطار العربية وآخرها تونس، فيما بقيت تجربة العدالة والتنمية «صامدة» حتى اقتراع 8 شتنبر. هل يمكن القول إن تجربة الإسلام السياسي المغربي قد وصلت إلى منتهاها وتم إغلاق قوسها أيضا؟ ثم ما الذي يمكن أن يتمخض عنها سياسيا؟

> أولا، لا يجب الخلط بين التجربة المغربية وغيرها من التجارب، فالمغرب بلد عريق في تجربته الديموقراطية بالرغم من كل المشاكل التي تعاني منها هذه الديموقراطية، فقد جربنا الانتخابات منذ الستينيات من القرن الماضي بخلاف بعض التجارب. والإسلاميون المغاربة كانوا لا محالة واصلون للسلطة سواء بالربيع العربي أو بدونه، فقط كان الأمر يحتاج لبعض الوقت.

ومن ناحية أخرى، الإسلاميون كان محكوما عليهم بالخروج من السلطة، فلم يصلوها ليخلدوا فيها، بل صعدوا إليها لينزلوا منها، فالمعترك السياسي هو حلبة صراع مفتوحة على احتمالي الهزيمة أو النصر، واليوم انهزم العدالة والتنمية وانتصر غيره، وغدا قد يحصل العكس وهكذا..

ومن ثم، فالحديث عن إغلاق قوس الإسلام السياسي أو فتحه هو حديث نابع من ثقافة استئصالية، لا تؤمن بحق الآخر السياسي الإسلامي في الوجود، وتعتبره خطأ وجب تصحيحه. وهذا ما حصل في بلدان الشرق أما نحن في المغرب فأظن أننا أبعد من ذلك بكثير.

أما نتائج هذه الهزيمة، فأظنها إيجابية على مستوى الدولة، وعلى صورة التجربة الديموقراطية المغربية، حيث نتطلع إلى رؤية تجربة في الحكم أكثر فعالية، ونجاعة، وقادرة على تحقيق الوعود، والبرامج التي اقترحتها على المواطن. ونتمنى لها النجاح.

يسير العدالة والتنمية نحو عقد مؤتمر وطني استثنائي بعد الاستقالة الجماعية للأمين العام وأعضاء الأمانة العامة، ما هي توقعاتك للقرارات والمواقف التي سيتخذها الحزب بعد هذه الهزيمة المدوية؟

> نعم، يبدو أن حزب العدالة والتنمية مصدوم من النتائج التي حصل عليها، ولعل أول مظهر من مظاهر قلقه هو مسارعة قيادته للاستقالة تعبيرا عن تذمرها من النتائج. لكن رأيي الخاص، أنه تسَرَّع بعض الشيء، ويجب أن يعطي لنفسه الوقت لقراءة الواقعة، ومعرفة ما الذي حصل، وظروف ما حصل، ويهيئ جيدا لاستحقاقاته التنظيمية الداخلية حتى لا تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.

فالسؤال الحقيقي والكبير الذي يواجهه حزب العدالة والتنمية اليوم، ليس ما الذي حصل بالأمس على أهمية هذا الأمر، ولكن السؤال الحقيقي كيف يمكن تجاوز ما حصل، وطي صفحته بأقل الأضرار، وبلورة مشروع للمستقبل. فحزب العدالة والتنمية يبقى حزبا وطنيا، المغرب في حاجة إليه، ويجب أن يؤمن أن خدمة الوطن، والإسهام في تحقيق التطلعات المشروعة للمواطنين المغاربة لا تتم بالضرورة فقط من خلال الحكم والسلطة، بل تتحقق أيضا من خارج المؤسسات وفي مؤسسات المجتمع.

ومن ناحية أخرى، لن تخرج قرارات حزب العدالة والتنمية فيما أتصور، أو على الأقل هذا ما أراه صالحا ومناسبا، أولا عن تثمين التجربة الديموقراطية المغربية بالرغم مما يعتريها من نقص، والإعلان عن فتح ورش المؤتمر القادم الذي سيختار قيادة جديدة تقود الحزب في هذه المرحلة الصعبة، وتعيد تأهيله وإخراجه من الصدمة التي تسببت فيها نتائج 8 شتنبر.

باستحضار سنن التاريخ وتجارب الأحزاب السياسية، هل يستطيع العدالة والتنمية أن يبدأ مسارا جديدا في المشهد السياسي؟ وما الذي يلزمه لفعل ذلك؟ وما هي كلفة ذلك زمنيا وسياسيا؟

> هذا الأمر مشروط، بالإضافة إلى ما ذكرناه آنفا، بطبيعة القراءة التي سيعتمدها في تقييمه لما حصل، ومشروط أيضا بالأطروحة السياسية التي سيتبناها في المرحلة القادمة، ولهذا لا يجب أن يتسرع في هذا الأمر، بل على العكس يجب أن يأخذ الوقت الكافي لإنتاج هذين الموقفين، الموقف مما جرى، والموقف من المستقبل. ومن شأن الغلط في هذا الباب أن يعيد الحزب إلى حالة الانحباس التي عاش جانبا منها وهو في السلطة، وسيؤزم وضعه المستقبلي.

والحزب أيضا بحاجة إلى ثورة ثقافية يعيد النظر من خلالها في مرجعيته، ودوره، وعلاقاته، وفي حاجة أيضا للتخلص من بعض أعبائه، ومن بعض «شيوخه» الذين ساهموا من حيث لا يدرون في دحره، وأفقدوه القدرة على المناورة والمبادرة، وأحدثوا انطباعا سيئا عن الحزب ونواياه اتجاه الدولة ومؤسساتها.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً