إلى أين يمكن أن تصل الجزائر في مواجهة المغرب؟



  • رضوان مبشور

برزت على السطح، في الأشهر الأخيرة، خلافات متجددة بين الجزائر والمغرب، اتخذت واجهات متعددة من الشد والجذب، لكن هذه المرة بشكل حاد. منها ما هو دبلوماسي تمثل في إعلان الجزائر قطع علاقاتها الرسمية مع المغرب من جهة واحدة وسحب السفراء من الجانبين، ثم منع المغرب من استخدام المجال الجوي الجزائري للطائرات المدنية والعسكرية على السواء.

الإجراءات المتخذة، والخطاب المتداول في الإعلام الجزائري يزيد من التأكيد أن الجار الشرقي يريد جرّ المنطقة إلى منعطفات لا تحمد عقباها، في ظل صمت مغربي رسمي، وهو المتعود على مثل هذه الاستفزازات، كالتي تضمنتها الخرجة الأخيرة للرئيس عبد المجيد تبون، يوم الأحد الماضي، حين وجه مجموعة من الاتهامات والمغالطات ضد المغرب، مقرونة بتزوير لحقائق تاريخية، في الوقت الذي ظهر مهادنا لفرنسا دون أن يقوى على الرد على ماكرون بنفس اللهجة التي اعتاد الحديث بها عن المغرب.

ويأتي هذا كله في ظل تحركات كبيرة يقوم بها البلدان معاً على كافة المستويات، من خلال لقاءات واتصالات، تأهبا لربح المعركة دبلوماسيا ومن خلال التحالفات، والتحضير لما هو أسوأ من خلال إبرام صفقات تسلح جديدة.

يوم الأحد الماضي، استدعى قصر المرادية، صحافيين اثنين من التلفزيون الرسمي الجزائري، ليجريا مع الرئيس عبد المجيد تبون ما يمكن اعتباره دردشة مطولة، نقلتها جميع تلفزيونات الجمهورية العمومية والخاصة. ومع أن أفكار الرئيس كانت مبعثرة وهو يتنقل بين موضوع وآخر، كان من الطبيعي أن يحضر المغرب بقوة في الخرجة الجديدة لتبون، وهو الذي يُعْرف عنه كونه لا يُفوت أي فرصة ليوجه تهديداته إلى المغرب، رغم أن المملكة اعتادت ألا ترد على تصريحاته الرسمية والعلنية، لأنها تعرف أهدافه، وهو نفسه يعرف أن ما يقوله وإن لم يجد له صدى في المغرب الرسمي، فيمكن أن يتم استغلاله للاستهلاك الداخلي، كي يثبت لمن يهمهم الأمر أن أفكاره تتماهى مع المؤسسة العسكرية المعروفة هي الأخرى بخرجاتها ضد المغرب سواء في منشوراتها أو خطاب رئيس الأركان السعيد شنقريحة.

تبون وجون بول سارتر.. الجحيم هو الآخر

اشتهرت فرنسا التي لا يكن لها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الكثير من الود – كما المغرب – بفلاسفتها، وعلى رأسهم جون بول سارتر، صاحب نظرية «الجحيم هو الآخر»، ويقصد بها أن العلاقة مع الآخرين عندما تكون غير جيدة، فإن الآخرين في هذه الحالة لن يكونوا إلا «جحيما».

من المؤكد أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يتبنى نظرية جون بول سارتر كقناعة في التفكير وفلسفة في الاشتغال، ففي حواره ليوم الأحد الماضي، نسب مجددا كل الانتكاسات والمصائب والخيبات وحتى التقلبات الجوية، للمغرب الذي يرى فيه «الجحيم»، فقد اتهم المغرب مجددا بمساندة حركات يعتبرها النظام الجزائري «إرهابية» في أعمال إجرامية تتعلق أساسا بالحرائق التي اجتاحت أراضي شاسعة من غابات منطقة القبائل الصيف الماضي، غير أنه هذه المرة رفع من حدة الاتهامات بادعائه أن ما أسماه «تورط» المملكة «مثبت بالصوت والصورة».

واستفاض الرئيس بصيغة الواثق من كلامه ـ رغم أن ملامح الصحفيين اللذين حاوراه تقول بعلم الفراسة أنهما لم يستوعبا كلامه ـ خاصة عندما قال إن الحديث عن وجود تدخل أجنبي والذي قد ينفيه البعض ليس مجرد كلام بل مثبت بالأدلة، وسط تساؤلات عديدة حول تأخر الجزائر في بث تلك الفيديوهات المزعومة إن وجدت في الأصل.

ويستمر تبون في كلامه الذي لا يصدقه الجزائريون أنفسهم، معتبرا أن التهم الموجهة لرئيس الحركة من أجل تقرير المصير في منطقة القبايل (الماك) تتصل بأفعال إجرامية وحقائق «تمس بالوحدة الوطنية»، متحدثا عن «تواطؤ» المغرب مع هذا «التنظيم الإرهابي»، على حد تعبيره.

تبون والصراع مع المغرب وفرنسا.. الكيل بمكيالين

كان الجزائريون المتعطشون لخرجة الرئيس، التي لم تأت بجديد، ينتظرون أن يعلن عبد المجيد تبون في حواره عن عدة قرارات، ما دامت المناسبة شرط، على غرار قدرة النظام العسكري من عدمها على اتخاذ نفس الإجراءات ضد فرنسا التي أهان مسؤولوها الجزائر في الأسابيع الأخيرة أكثر من مرة، حيث كان الشعب الجزائري ينادي باتخاذ خطوات جريئة تتجاوز ما تم اتخاذه ضد المغرب على غرار قطع العلاقات الدبلوماسية وحظر المجال الجوي أمام الطائرات المدنية والعسكرية، وأشياء من هذا القبيل.

تمنيات طيف كبير من الشعب الجزائري، المعروف بنزعته العدائية التاريخية ضد كل ما هو فرنسي، قابلها الرئيس عبد المجيد تبون باقتصاره على التأكيد أن السفير الجزائري في باريس يمكن أن يعود إلى منصبه إذا أظهرت فرنسا «الاحترام التام للجزائر»، مؤكدا أن «قطع العلاقات الدبلوماسية ليس نهائيا أبدا».

ورغم ذلك، استغل عبد المجيد تبون حواره ليوجه اتهامات لوزير الخارجية الفرنسي جيرالد دارمانان ووصفه بأنه «كاذب كبير»، عندما تحدث عن عدد الجزائريين الذين تريد فرنسا ترحيلهم إلى الجزائر، فقال: هذه «كذبة كبيرة» و»كذبة القرن» بخصوص عدد الجزائريين الذين يتعين عليهم العودة من فرنسا إلى الجزائر والذين يصل عددهم، حسب قوله، إلى 90 وليس 7000 شخص، قبل أن ترد عليه وكالة الأنباء الفرنسية بعد ساعات من خرجته برفع الرقم إلى 7730، مؤيدة بذلك كلام وزير الخارجية الفرنسي.

وفي حواره، كان تبون يشير من حين لآخر إلى سؤال إيمانويل ماكرون حول وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي، غير أنه لم يقل أي شيء بشأن الانتقادات التي وجهها رئيس فرنسا لـ»النظام السياسي العسكري» الجزائري «المتعب» بسبب الحراك الشعبي، ولكنه «قاس مع تبون»… بحسب تصريحات إيمانويل ماكرون.

في مقابل ذلك، حاول عبد المجيد تبون في كلامه أن يجيب ماكرون بطريقة غير مباشرة، ويثبت العمق التاريخي لبلده، مؤكدا أن الجزائر هي الدولة الثانية في العالم التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 4 يوليوز 1776. وهو من خلال هذا الكلام يريد تقديم الدليل على قدم العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجزائر. قال تبون: «اذهبوا إلى متحف المجاهد لتفقد المسدسات التي قدمها جورج واشنطن للأمير عبد القادر». ولو أن كلام تبون يحمل في طياته مغالطات كبيرة، فكيف استطاع جورج واشنطن الذي توفي في العام 1799 أن يقدم مسدسات للمجاهد الجزائري الأمير عبد القادر الذي لم يولد إلا في حدود العام 1808، حيث أن الرجلين اللذين يرقدان اليوم في العالم الآخر لم يعيشا معا في نفس الفترة في العالم الدنيوي.

تبون يتوعد المغرب: «لي حَوّسْ علينا يلقانا»

مناكفات تبون البسيطة مع فرنسا، لم تنسه الحديث مجددا عن المغرب، خاصة عندما سأله أحد الصحفيين عن رأيه في مشروع مغربي لتصنيع طائرات إسرائيلية بدون طيار، حينها تغيرت لهجة الرئيس الجزائري ليقول: «أقسم بالله كرئيس للجزائر من يعتدي على الجزائر لن نتوقف في محاربته وسيندم كثيرا».

ليضيف بلهجة فيها الكثير من الشعبوية التي لا تليق برؤساء الدول: «لي حَوّسْ علينا يلقانا»، ويتابع بتشنج ملمحا للمغرب: «نعرف قيمة الحروب فنحن شعب مقاوم ونعرف قيمة الحرب والبارود». مواصلا تهديده: «نحن لا نبحث عن أحد ومن يبحث عنا يجدنا».

وفي الوقت الذي لم تتقدم أي دولة إلى حدود الساعة للتدخل من أجل الوساطة بين الجزائر والمغرب بعد قطع العلاقات الدبلوماسية، قال تبون إن بلاده رفضت أي وساطة بين البلدين لأنها «لا تميز بين الجلاد والضحية، ولا بين المعتدي والمعتدى عليه». وواصل تبون تناقضاته من خلال التأكيد على أن «الجزائر، تاريخيا، لم تنتهك أبدا الوحدة الترابية للمغرب. فالمغرب هو الذي هاجمنا عام 1963 بدباباته وطائراته العمودية ووحدات النخبة، عندما لم يكن لدينا جيش في ذلك الوقت».

ويستمر تبون في ترديد بعض الكلام غير المفهوم، بعدما قال إن المغرب متهم بما هو أفظع، فـ»كل عام أو عامين المغرب مذنب بارتكاب عمل يقوض السيادة الجزائرية». مضيفا «تم إيواء الإرهابيين في فيلات بأكادير مزودين بحراس شخصيين وجوازات سفر دبلوماسية مغربية».

وتطرق الرئيس الجزائري إلى قضية الصحراء المغربية، فأعاد ترديد نفس الخطاب الذي فرضه الجنرالات قديما، وهو أن هذه القضية يجب أن «تحلها الأمم المتحدة، التي تتبع لها لجنة إنهاء الاستعمار». وأعرب عن ارتياحه لأن الولايات المتحدة رحبت بتعيين المبعوث الخاص الجديد للصحراء ستيفان دي ميستورا، لكنه اشتكى من أن دولة أخرى، وهي عضو دائم في مجلس الأمن، تعاكس الجزائر بشأن هذه القضية. وردا على سؤال عن هذا البلد أجاب: «إنه معروف»، في إشارة واضحة لفرنسا المتهمة جزائريا بدورها في الضلوع في حرائق الجزائر الصيف الماضي، فبحسب تبون: «… تظهر صور الهواتف بشكل لا لبس فيه أن تعليمات مشعلي حرائق الغابات جاءت من باريس والرباط».

الجزائر تطلب 24 طائرة من روسيا !

في ظل العلاقات الجامدة بين الرباط والجزائر، تدخل المنطقة سباقا متجددا نحو التسلح الجوي، فبعد عديد الصفقات التي أبرمها المغرب لاقتناء طائرات أمريكية متطورة وصفقات أخرى أبرمتها الجزائر لاقتناء طائرات روسية، عمدت الدولتان في الأسابيع الأخيرة لتنويع شركائهما، من خلال الانفتاح على دول جديدة.

موقع «مينا ديفانس»، المهتم بالشؤون العسكرية، كتب الأسبوع الماضي إن الجزائر طلبت من الصين شراء 24 طائرة مقاتلة من طراز «وينغ لونغ 2» التابعة لشركة «AVIC». ومن المتوقع أن تبدأ عمليات التسليم، بحسب الموقع المذكور، في نهاية العام الحالي لتكتمل في عام 2022.

ويمكن لهذا النوع من الطائرات أن يظل في الجو لمدة 31 ساعة في وضع الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع و26 ساعة في الدور الهجومي.

شركة «AVIC» كشفت النقاب عن طائرة «وينغ لونغ 2» في معرض «إكسبو» للطيران في بكين في سبتمبر 2015، وقدمت النموذج الأولي للطائرة لأول مرة للجمهور خلال معرض «Airshow China» في مدينة زوهاي الصينية.

ويبلغ السعر التقريبي لهذه الطائرات حوالي 5 ملايين دولار، وهو أرخص بسبع مرات من نظيرتها الأمريكية. وقد سبق للمغرب أن حصل على هذا النوع من الطائرات التي ترغب الجزائر في اقتنائها، حيث ذكرت مواقع أجنبية مهتمة بالشأن العسكري، أن المغرب حصل عليها من خلال الإمارات، وهي الطائرات التي يعتمد عليها حاليا في صد عمليات التسلل والهجمات التي تنفذها قوات البوليساريو بين الحين والآخر بعد خرق اتفاق وقف إطلاق النار السنة الماضية.

كل هذا يأتي بالتزامن مع بدء تسلم المغرب طائرات مسيرة تركية الصنع وهي «بيرقدار تي بي 2» وعددها 12 لتعزيز سلاحه الجوي. وهذا يعني دخول المنطقة سباقا جديدا من التسلح بدأ مع المقاتلات المتطورة مثل سوخوي وإف 16، وتوسع الآن ليشمل الطائرات المسيرة.

خلفيات زيارة بعد أيام فقط من التعيين في المفتشية العامة للقوات المسلحة الملكية

في الوقت الذي يتنقل فيه وزير الخارجية الجزائري رمطان العمامرة في كل الاتجاهات، مروجا لأسطوانة تقرير المصير في ما يسميه «الصحراء الغربية» ويتحدث في كل المنتديات عن «حقوق الشعوب في تقرير مصيرها»، ويسارع للقاء وزير الدفاع الروسي، ثم لقاء آخر بين الرئيس عبد المجيد تبون وقائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا «أفريكوم»، ستيفان تاونسند. كان من اللافت كذلك أن أول مهام قام بها الجنرال دوكور دارمي، فاروق بلخير، الذي عينه الملك محمد السادس قبل أيام مفتشا عاما للقوات المسلحة الملكية، خلفا لعبد الفتاح الوراق، قيامه بزيارة لدولة الإمارات العربية المتحدة، ولقاء بالشيخ محمد بن زايد، ولي العهد ونائب القائد العام للقوات المسلحة الإماراتية، ومحمد بن أحمد البواردي، وزير شؤون الدفاع، إضافة إلى لقاءات أخرى مع مسؤولين عسكريين إماراتيين.

وبحسب العديد من الخبراء، فالزيارة التي تأتي من أجل تقوية التعاون العسكري بين المغرب والإمارات، لها مجموعة من الخلفيات، خاصة وأنها تأتي في ظل التوتر الملحوظ الذي تعرفه العلاقات المغربية الجزائرية، وعودة الدبلوماسية الجزائرية إلى التحرك على مختلف الاتجاهات ضد المغرب.

وإذا استحضرنا أن المغرب تربطه اتفاقية للتعاون العسكري مع أبو ظبي، فهذا يعني أن التغيير الجديد الذي طرأ على رأس الجيش المغربي ينتظر منه أن يكرس العلاقة الثنائية بين الجانبين، خاصة وأن العلاقات بين الرباط وأبوظبي شهدت نوعا من الجفاء قبل سنوات، بعد انسحاب الجيش المغربي من الحرب في اليمن، وموقفه من المقاطعة الخليجية لدولة قطر.

وقد تكون لهذه الزيارة في هذا الوقت كذلك خلفيات أخرى، فهي بحسب بعض المحللين تذكير بالعلاقات العسكرية المتينة التي تجمع المغرب والإمارات، اللذين يربطهما تحالف منذ سبعينيات القرن الماضي، أي منذ تأسيس الإمارات، وقد يكون استقبال ولي عهد أبو ظبي بشكل شخصي للمفتش العام للقوات المسلحة الملكية، بمثابة رسالة قوية للجزائر، وإبراز لتحالف هذه الدولة الخليجية النافذة مع الرباط، في رسالة صريحة للجزائر التي زادت من حدة تصعيدها ضد المغرب في الأشهر القليلة الماضية، إذا ما استحضرنا مواقف الإمارات في هذا القبيل وهي التي لا تخفي دعمها لمغربية الصحراء ولها قنصلية في العيون.

وقد تخفي هذه الزيارة جوانب سرية لا يمكن الكشف عنها، فالمعروف أن دولة الإمارات العربية المتحدة عادة ما تتوسط لصالح المغرب من أجل شراء أسلحة متطورة، خاصة ما يرتبط منها بسلاح الجو لدى الولايات المتحدة الأمريكية، والمعلوم أن المغرب والإمارات هما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان حصلتا على طائرات الـ F35 المتطورة جدا، وعادة ما ينسقان حتى في ما يتعلق بشراء الأسلحة من الخارج.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً