هل نحن حقا دولة إجتماعية؟


  • عصام المضور

هناك عدة نظريات فسرت بروز الدولة بدءا بنظرية الحق الإلهي مرورا بنظرية القوة إلى نظرية العقد الاجتماعي، هذه الأخيرة التي تزعمها عدة منظرين (ج.لوك، ج.ج.روسو، هوبز…) الذين إن اختلفوا في شكل التعاقد القائم، لكنهم اتفقوا حول غايته المتمثلة في منح السلطة للدولة مقابل تلبية هذه الأخيرة للحقوق الأمنية والسياسية لأفراد الشعب.

فإذا كانت الدولة عند نشأتها اقتصرت على تلبية الحقوق الأمنية والسياسية من حرية ومشاركة سياسية ما يصطلح عليه بالجيل الأول من الحقوق، التي تم تضمينها بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 في المواد من 3 إلى 21فإنه وبفعل عدة متغيرات (الحرب العالمية الأولى والثانية…) أصبح الحديث عن جيل ثاني من الحقوق، وهي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي تشمل الحق في السكن، الحق في العمل، الحق في المعاملة المتكافئة، الحق في العيش الكريم، الحق في الرعاية الصحية…وهذه الحقوق هي الأخرى تمت إضافتها للإعلان العالمي لحقوق الإنسان المواد من 22 إلى 27 وفي العهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966، وهناك من يتحدث عن جيل ثالث للحقوق المتجاوز للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كالحق في بيئة صحية، الحق في الاتصال…

فالدولة الاجتماعية كدولة متدخلة لحماية حقوق المواطن الاقتصادية والاجتماعية (الحق في العيش الكريم، السكن اللائق والحق في الشغل…) ظهرت بوادرها في ألمانيا منذ 1870، لتتعزز مع نهاية الحرب الباردة بسقوط جدار برلين، بل لعبت الحكومة الاشتراكية في ألمانيا بقيادة “الحزب الديموقراطي الاجتماعي” دورا كبيرا في تكريس الدولة الاجتماعية.

فالدولة -كما سبق توضيحه- تطورت على مستوى الوظائف المنوطة بها من الدولة الحارسة إلى الدولة المتدخلة والاجتماعية. لكن السؤال الذي لازال يؤرق الباحثين: ما هي الدولة الاجتماعية؟ وإذا تمكنا من معرفة ملامح هذه الأخيرة، هل هناك نموذج للدولة الاجتماعية بالعالم؟ وهل يمكن الحديث عن دولة إجتماعية بالمغرب؟

أولا: تسييس مفهوم الدولة الاجتماعية

كغيره من المصطلحات التي تثير زوبعة إعلامية فارغة، أصبح الخطاب اليوم في المغرب مرَكزا على “الدولة الاجتماعية”، هذا المصطلح الذي تضمنه الفصل الأول من دستور 2011 “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية…واجتماعية” وهو ما انتهت إليه لجنة النموذج التنموي في تقريرها، كما أعلن السيد رئيس وبعض وزراء حكومة 8 شتنبر في أكثر من مناسبة وفي أقل من ثلاثة أشهر على رهان وهاجس “الدولة الاجتماعية”، دون أن ننسى أن هذا المصطلح -الدولة الاجتماعية- تصدر محاور برنامج هذه الأخيرة -الحكومة-.

فإلى جانب هذه التصريحات الرسمية، تلى ذلك عدة ندوات وحلقات دراسية ومقالات تتغنّى بالدولة الاجتماعية بالمغرب! لكن ما يشجع هؤلاء على هذا التغنّي والتبجح بأننا دولة اجتماعية؟!
قبل الإجابة على هذا السؤال وجب أولا التعرف على الدولة الاجتماعية، التي لا هي الدولة الكنزية التي تقر بحرية السوق وفي نفس الوقت تأكد ضرورة تدخل الدولة في بعض المسائل الضرورية، ولا هي الدولة الراعية التي تسعى لتوفير الخبز والمواد الأساسية للتغذية، إذن ما هي الدولة الاجتماعية؟
فالدولة الاجتماعية Sozialstaat مصطلح تبنته ألمانيا منذ 1870، لينتشر بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. فهذه الدولة التي أسس لها “السياسيون الإجتماعيون” كانت تهدف إلى النهوض بالوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمواطن الألماني، إذ تركزت سياسة الحكومات المتعاقبة وخاصة بعد انهيار جدار برلين على احتضان المواطن الألماني وتمتعيه بالرفاه مع القضاء على الفوارق الاجتماعية. هكذا فالدولة الاجتماعية كما تم تحديد خصائصها نجدها في مجموعة من الدول الغربية وعلى رأسها ألمانيا نموذج الدولة الاجتماعية، فهذه الأخيرة تحتضن مواطنيها -بل تعتبر جنة للأجانب، إذ جاء في سِجل الأجانب بهيئة الإحصاء الألمانية أن عدد الأجانب وصل مع نهاية شتنبر الماضي إلى 11.1 مليون شخص- بما توفره لهم من عمل، سكن لائق والعيش كريم إلى جانب نظام تغطيتها الاجتماعي الأفضل في العالم والذي يغطي الأشخاص المؤمن عليهم ضد البطالة والمرض والقضايا الصحية الطويلة الأجل والحوادث المهنية والشيخوخة (تظل الاشتراكات بسيطة، بل الجميع يمكن أن يتوفر على تغطية اجتماعية ولو قلّ دخله عن 450 أورو)، كما تعتبر ألمانيا دولة “رفاه” على اعتبار أنها تحترم حرية العقيدة والانتماءات الدينية، الإنفاق والاستهلاك المرتفع، السكن اللائق والعروض الرياضية والثقافية المتنوعة، بنية تحتية جيدة -طرق سيارة دون حد أقصى للسرعة مثلا- تعليم عالي مجاني…بالإضافة إلى ذلك تسعى ألمانيا للقضاء على الفوارق الطبقية، إذ تتمتع ألمانيا بقوانين ضريبية تتصاعد بارتفاع الأجر.
فإذا كانت هذه بعض خصائص الدولة الاجتماعية التي تعد ألمانيا نموذجا لها كما تعد هولندا السويد سويسرا دولا إجتماعية، فلماذا سيسمّى المغرب دولة اجتماعية!

ثانيا: الهوة بين النص والممارسة

حقيقة أن المغرب دولة تسعى نصوصها إلى النهوض في جميع المستويات الاقتصادية، السياسية والاجتماعية، فانطلاقا من الدستور باعتباره أسمى قانون نجده ينص في فصله الأول على أن المغرب “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية…واجتماعية…” كما جاء -الدستور- بلائحة حصرية للحقوق والحريات في بابه الثاني، إلى جانب مجموعة من الحقوق الموزعة على بعض الأبواب الأخرى من الدستور، ليلي الدستور عدة قوانين سواء تنظيمية أو عادية تعدد الحقوق وخاصة الحقوق ذات الصبغة الاجتماعية (مدونة الشغل، قانون التأمين، قانون الحماية الاجتماعية، قانون الضمان الاجتماعي، قانون التعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية، قانون حماية المستهلك…)
لكن هل الممارسة تعكس النصوص القائمة؟

نجيب بالجزم لا! لأن النص يعترف بالحق في الشغل، بالحق في السكن اللائق…لكن أين الممارسة من النص؟!

على حق من يرى في المغرب تطورا نسبيا في مجموعة من المدن المغربية (الرباط، أكادير، طنجة…) على مستوى البنية التحتية (كالطرق السيارة، القطار الفائق السرعة tgv، برج محمد السادس والمسرح الجديد بالرباط، محطات القطارات، ميناء طنجة المتوسط…) لكن هل البنيان انعكس على الانسان؟
نجيب كذلك بالجزم لا، لم ينفع البنيان الإنسان في شيء، بقيت معدلات الفقر، البطالة، الحد الأدنى للأجور، الدخل الاجمالي…نفسها، بل تدهورت!

فبالرجوع إلى التعريف الذي أعطيناه للدولة الاجتماعية باعتبارها الدولة التي تحتظن مواطنيها، توفر لهم الرفاه مع القضاء على التمايز الطبقي، نجد المغرب لا يحتظن مواطنيه خاصة مع ارتفاع معدل الهجرة، هجرة الشباب المنبوذ داخله، إذ يتردد على أسماعنا في الشارع أو في مواقع التواصل الاجتماعي أزمة شباب يأمل في الهروب، جرب حظه عبر المحيط والبحر الأبيض المتوسط، بل حتى الجو! فالمسجلين بقرعة أمريكا يدل دليلا واضحا على أن الشباب المغربي مسجون ليس إلا! فإذا كانت الدولة لا تحتضن مواطنيها، فكيف ستوفر لهم الرفاه؟! في الحقيقة لا يمكن الحديث عن الرفاه في المغرب -اللهم إذا استثنينا الأغنياء وهم قلة، والفقراء المساكين في أوقات معينة إذا صح واعتبرناه “رفاه مؤقت” كلما كتب لهم أن زارو المقاهي والمطاعم الجميلة موثق بعدد كبير من الصور والفديوهات توضع على الفايسبوك و”السطوريات” على الواتساب- لكن هل الرفاه الذي تحدثنا عنه في ألمانيا يمكن أن نسقطه على المغرب؟ نجيب بلا طبعا!

فالمغرب كدولة يعاني البطالة -نصدق المندوبية السامية للتخطيط في نسبة 24% بالنسبة للشباب حاملي الشواهد- غير المؤمنة طبعا ما يجعل الشباب وهو وقود الدول للإقلاع يحس بأنه عالة على المجتمع، فحتى مباراة التعليم التي كانت الخلاص الوحيد لمجازي كليات الآداب تم اقصائهم منها وتم تحديد سن للموت في 30 سنة، فقد كان الشباب يأمل في المباريات القادمة بعد فشله في مباراة معينة حتى جاء وزير لجنة النموذج التنموي ليجهز على الأمل -يدير الله خير- الذي كان يتشبت به الشباب ويخفف عليهم ألامهم وتدمرهم، فحتى العمال لم ولن يتذوقوا الرفاه مادمنا نتحدث على معدل للأجور يقل عن 2500 درهم في الوقت الذي أصبح ثمن فنجان قهوى بالمقاهي العادية 10 دراهم، هذا مع العلم أن الشباب يُستغل دون الحد الأدنى للأجور من قبل الشركات الاستغلالية وأصحاب المهن الحرة (الصيادلة، الموثقين، المحامين…) بل حتى الدولة مجسدة في أعتى وزاراتها تستغل شبابها الحاصل على إجازة وماستر -بل حتى الدكاترة- عبر ما يسمى ب”الانعاش الوطني” بما لا يتجاوز 1500 درهم شهريا تضعهم رهن إشارة المستشفيات والمحاكم والجماعات الترابية، هذا دون أن ننسى أن المغرب أول بلد عربي 60% من مواطنيه بدون تغطية اجتماعية -كما جاء في برنامج “للقصة بقية”- أزمة السكن…لتبقى خاصية واحدة من خصائص الدولة الاجتماعية وهي القضاء على التفاوت الطبقي، فالمغرب لا يسعى إلى دولة اجتماعية تقضي على التفاوت الطبقي بقدر ما يكرس هذا التفاوت، والدليل على ذلك سحب الحكومة المُراهنَة على الدولة الاجتماعية في برنامجها لمشروع القانون الجنائي المتضمن لتجريم الاثراء غير المشروع وكأنها بذلك ترخص للمسؤولين الكبار والمرتشين العبور بالأموال غير المشروعة ضربا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة! بالإضافة إلى تهرب الأغنياء عن أداء الضريبة، إذ أظهر تقرير “أوكسفام” لسنة 1919 فقدان المغرب ل 2.45 مليار دولار سنويا في الوقت الذي يلتزم فيها المواطن العادي البسيط بكل الضرائب المجحفة!!

إذن لماذا سندعي أننا دولة اجتماعية والحال أننا ركزنا على البنيان ونسينا الانسان، ضخمنا النصوص مع وقف التنزيل! أو أن هذا الشعور الجماعي بالدولة الاجتماعية سببه توفرنا على “نظام رميد” و “قانون الحماية الاجتماعية” الذي لم يفعل بعد!!
تمخض الجبل فولد فأر!

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً