جراح “واحة العرجة” الحدودية.. سنة أولى عن محاولة جزائرية للالتفاف على التاريخ والجغرافيا

احتجاجت سكان فكيك


في صباح يوم 18 مارس سنة 2021، وفي غمرة انشغال المغاربة بتدبير جائحة كورونا ومواجهة التحديات اليومية للبلاد والعباد، كان الجيش الجزائري يصوب منظاره نحو أرض فلاحية في المنطقة الرمادية للحدود المغربية الجزائرية، ففي استعراض للقوة بدون مناسبة حل عدد كبير من الجنود الجزائريين بمنطقة “العرجة” عند إقليم فكيك الحدودي مرفوقين بكاميرات الصحفيين لتوثيق ما أريد أن يسوق على أنه نصر يحسب لقيادة الجنرال السعيد شنقريحة، وكل ما في الأمر أن مجموعة فلاحين بسطاء يحرثون أرضا ورثوها عن أجدادهم وضعها المستعمر الفرنسي خارج الأراضي المغربية، رأى المسؤولون عند الجيران أنه حان وقت طردهم.

 

الرواية الجزائرية الرسمية تقول إن “السلطات قامت بإغلاق المنافذ التي كانت تستعملها عصابات الجريمة المنظمة لتهريب المخدرات على مستوى واحة لعروضة بمنطقة بني ونيف بولاية بشار جنوب غربي البلاد على الحدود مع المغرب”. كما نشرت وكالة الأنباء الجزائرية بلاغا يقول: “… هذا الإغلاق جاء في إطار المستجدات الإقليمية وتعزيزا لجهود الدولة الجزائرية في تأمين شريطها الحدودي، وبعد الإخلال بكيفية استغلال بعض الأراضي الجزائرية من قبل مواطنين مغاربة في واحة لعروضة”.

 

واللافت للانتباه كيف أن النظام الجزائري غير اسم الواحة من “العرجة” إلى “لعروضة” في محاولة غير مفهومة للالتفاف على حقائق التاريخ والجغرافيا.

 

وكانت فرنسا قد قمات بتفعيل بروتوكول عام 1901 الذي وقعته مع المغرب في عهد المولى الحسن الأول، وأهدت منطقة العرجة للجزائر مع السماح للفلاحين المغاربة باستغلال أراضيهم، وكانت تمنحهم ورقة للسماح بالدخول إلى أراضيهم على شكل “Laisser passer” وبقي الحال على ما هو عليه إلى حين استقلال الجزائر عن فرنسا في العام 1962، بعد سنوات من قيام أول نظام سياسي جزائري أبرمت اتفاقية بين الملك الحسن الثاني وهواري بومدين بصفته رئيسا لمجلس الثورة ورئيس مجلس الوزراء للجمهورية الجزائرية، وتم التوقيع على نصها سنة 1972 لكن المغرب  لم يشرع في تنفيذها إلى أن دخلت سنة 1992، ونشرت في الجريدة الرسمية في العدد 4156 بتاريخ 24 يونيو 1992.

 

الجزائر ترتكز على بند في اتفاقية العام 1972 لتعتبر أراضي العرجة تابعة لها، حيث يقول أحد فصول الاتفاقية: «تسير الحدود عبر خط القمم مارة بالنقطة المرقومة 1544. 1026، (جبل ملياس) وتمر بعد ذلك بخط القمم على المرتفعات التي تفصل واحات بني ونيف وفيكيك، متجنبة منطقة الكثبان الرملية شرق هذه القرية مارة بالوادي غير المسمى حتى التقائها بوادي حلوف، تابعة هذا الوادي شمالا حتى رأس بني سمير»، ولهذا تعتبر أن منطقة العرجة توجد على الطرف الجزائري من الوادي الفاصل بين البلدين، وهي عمليا جزء من دائرة بني ونيف التابعة لولاية بشار، وليست جزءا من إقليم فيكيك. ونص الاتفاقية يؤكد أن هاتين المنطقتين منفصلتان حدوديا، فالأولى تابعة للجزائر والثانية تابعة للمغرب، وهو النص الذي لم يستحضر وضع مالكي الأراضي الموجودة على مواقع التماس الحدودية، ولم يؤكد هل هم تابعون لولاية بشار الجزائرية أم فيكيك المغربية، فسقطوا ضحية منطقة رمادية في وضع قانوني معقد، رغم قوة الوثائق التي تؤكد ملكيتهم لهذه الأراضي قبل قيام الدولة الجزائرية، إذ تتداخل في الموضوع العلاقات السياسية الشائكة وثقل الحقيقة التاريخية.

 

ولأن المناسبة شرط، تعيد “الأيام24” تقليب صفحات ذلك اليوم في ذكراه الأولى عبر حوار مع ابن المنطقة الأستاذ الجامعي والخبير في العلاقات الدولية أحمد نور الدين، الذي يؤكد أن الوثائق تثبت ملكية الأرض للمغاربة ويرى أن الفلاحين يؤدون ثمن الغدر الجزائري.

 

– لماذا تحركت الجزائر في ذلك التوقيت بالذات؟

في تلك الفترة كان النظام العسكري الجزائري قد تلقى انتكاسات متتالية سواء على الصعيد الدبلوماسي أو العسكري في صراعه مع المغرب حول الصحراء المغربية، فقد تمكنت القوات المغربية من تطهير معبر الكركرات على الحدود مع موريتانيا، في عملية عسكرية خاطفة نفذتها القوات المسلحة الملكية بكيفية احترافية عالية وبتنسيق مع الأمين العام للأمم المتحدة، مما أظهر التفوق العسكري والاستخباراتي للمغرب بحيث أن الجزائر لم تعلم بالعملية إلا بعد نجاحها في صبيحة الجمعة 13 نونبر 2020.

 

وبعد ذلك بأقل من شهر جاء الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على كامل أقاليمه الجنوبية مما شكل زلزالا جيوسياسيا حقيقياً أصاب النظام الجزائر بهستيريا دبلوماسية وعسكرية ترجمت إلى سلسلة من الاستفزازات ضدّ المغرب في محاولة لجره إلى حرب كان جنرالات الجزائر يدقون طبولها منذ فترة طويلة في محاولة منهم لاستعادة الشرعية التي فقدها النظام الجزائري أمام مطالب حراك الشعب الجزائري بإسقاط النظام العسكري التوتالتاري وقيام دولة مدنية ديمقراطية على أنقاضه. بالإضافة إلى الشيخوخة والإفلاس الذي يعيشه النظام الجزائري على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتزايد مطالب الاستقلال أو الحكم الذاتي في منطقة القبائل شمالا ومنطقة الطوارق جنوباً ومنطقة المزاب في الوسط.

 

كلّ هذه العوامل، وفي إطار سعي النظام الجزائري إلى اختلاق مشاكل على الحدود مع المغرب، وفي محاولة لتكرار سناريو حرب الرمال 1963 الذي كان عدواناً جزائرياً على المغرب من أجل توحيد فصائل جيش التحرير الجزائري التي كانت متناحرة على السلطة، كل ذلك أدى إلى العدوان الجديد على واحة العرجة في 18 مارس 2021 واغتصابها من أهلها، كما تم اغتصاب أجزاء غالية أخرى من المجال الحيوي لمدينة فكيك ومنها طاسرا وجنان الدار وبني ونيف والمعدر وتاغلا وتامزوغت والمراجي وأمسلو والملياس وسيدي عبد الرحمن وسيدي يوسف وتاغيت وأمغرور والواد الشرقي، وغيرها.

 

– وهل هي فعلا أرض جزائرية؟

 

أهل فجيج، مارسوا سيادتهم كاملة بانتظام على ممتلكاتهم لعدة قرون أباً عن جدّ قبل أن يصنع الاستعمار الفرنسي كياناً اسمه الجزائر، واستمرت هذه السيادة على الأراضي الواقعة وراء الحدود المصطنعة من قبل فرنسا، ولديهم وثائق ملكيتها بالإضافة إلى الحجة القانونية الدامغة التي تمثلها حيازة واستغلال الأرض لقرون، وأقرت السلطات الفرنسية أهل فكيك على ذلك في اتفاقية 1901 وبروتوكل 1902، وبقي الأمر على ذلك حتى بعد حرب الرمال 1963، حيث أقرت معاهدة إفران لحسن الجوار في15 يناير 1969 تلك الحقوق لأهل فكيك، وكذلك الشأن بالنسبة لتصريح تلمسان المشترك في 27 ماي 1970، وتصريح الرباط المشترك 15 يونيو 1972 ثمّ اتفاقية استغلال منجم غارة جبيلات وترسيم الحدود 1972. كلها اعترفت بحقوق ملكية أهل فكيك لأراضيهم التاريخية خلف الحدود التي سطرها الاستعمار الفرنسي، وأقرتهم على حق استغلالها وحق الوصول إليها دون جوازات سفر. ولم يتم منع أهل فكيك من الوصول إلى أراضيهم إلا سنة 1976 على إثر اندلاع الحرب في الصحراء المغربية واحتضان الجزائر للمشروع الانفصالي وخلقها للكيان الوهمي في فبراير من نفس السنة. وقد صاحب هذا المنع عدة أعمال عدوانية ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية ومنها على وجه التخصيص جريمة طرد 350 ألف مغربي، في صبيحة عيد الأضحى الموافق ليوم 18 دجنبر من سنة 1975، رغم أن أولئك المطرودين كانوا مقيمين بكيفية قانونية ولعدة أجيال في الجزائر قبل استقلالها عن فرنسا.

 

– هل أدى الفلاحون المطرودون ضريبة عدم تسوية الحدود بين البلدين؟
أقول بالأحرى أن أهل فكيك يدفعون ثمن الغدر الجزائري ونقضهم لكل العهود والاتفاقيات التي ذكرت آنفاً، ويدفعون ثمن دعمهم للثورة الجزائرية التي احتضنوها، ويدفعون ثمن صمودهم في وجه مؤامرات الاستعمار الذي حاول بكل الوسائل اقتطاع فكيك وضمها إلى الجزائر الفرنسية، وأكيد أنّ فكيك تدفع أيضاً ثمن سكوت المغرب عن الأراضي المغتصبة وعن سكوته عن نقض الجزائر للاتفاقيات المبرمة مع المغرب سواء في الحقبة الاستعمارية أو بعد استقلالها، وهذا انعكس بشكل سلبي وفظيع على مصير مدينة فكيك التي فقدت 90% من مجالها الحيوي وواحاتها وتمورها وسهولها وشواهد أركيولوجية ومعمارية من تاريخها المجيد، وأصبحت مدينة فكيك محاصرة من جهاتها الثلاثة، وبالتالي فقدت جاذبيتها للمستثمرين حتى من أبنائها لضيق المجال ومُحصارته، وانعكس ذلك على ساكنتها التي تناقصت بفعل الهجرة حتى كادت تصبح مدينة شبحاً. إن فكيك تختزل لوحدها كل مأساة الوطن المغربي الذي قُطعت أوصاله واغتُصبت أرضه ومازال يتعرض لمؤامرات على وحدته الترابية.

 

– وما مصير المتضررين؟

 

أصحاب المزارع والضيعات في واحة العرجة متمسكون بحقوقهم، وقد جمعوا ملفات ثقيلة معززة بالوثائق والشواهد ولكنهم ينتظرون أن تتبنى الدولة المغربية قضيتهم وتوصلها إلى المؤسسات الدولية وهيئات الأمم المتحدة ذات الصلة، وأن تدعمهم وتتكفل بمصاريف مكاتب المحاماة داخل المغرب وخارجه للترافع أمام المحاكم الدولية ومقاضاة الدولة الجزائرية، لاستعادة أراضيهم وممتلكاتهم لأنّ الحقوق العينية لا تتساقط بتغير السيادة ولا بالترامي والاحتلال، بالإضافة إلى الضمانات القانونية التي تقدمها الاتفاقيات المبرمة في غطار الاتحاد المغاربي والجامعة العربية والاتحاد الاإفريقي، فضلا عن الاتفاقيات الثنائية بين البلدين الجارين المشار إليها أعلاه.

 

وموازاة مع ذلك، المتضررون من أهل فكيك لازالوا ينتظرون تعويضات جبر الضرر التي وعدتهم بها السلطات المحلية، وينتظرون إنجاز الوعود في توزيع أراضي صالحة للزراعة في مناطق أخرى داخل الإقليم أو خارجه، وينتظرون استثمارات عمومية تنقذ شباب المدينة من البطالة والهجرة القسرية، وينتظرون بناء نواة جامعية طال انتظارها وتمت عرقلتها لعدة سنوات رغم تبرع أهل فكيك بخمسة عشر هكتارا للجامعة وتبرعهم بأزيد من نصف مليار لبناء النواة الجامعية.

 

أهل فكيك لازالوا ينتظرون مستشفى يُغنيهم عن مشقة قطع الفيافي للاستشفاء في مدن أخرى، وينتظرون نصيبهم في البنيات التحتية حيث لازال التيار الكهربائي ينقطع مخلفاً خسائر اقتصادية للعائلات رغم أنّ فكيك كانت من المدن الأولى التي دخلتها الكهرباء، فكيك لازالت تنتظر تمويل مهرجانها الثقافي ليصبح جديراً بإشعاعها الحضاري، ولازالت تنتظر تمويل نوادي الرياضة المتعددة ومنها فريقها في كرة الطائرة الذي حاز كاس العرش بإمكانياته الخاصة والضعيفة. فكيك لازالت تنتظر متحفاً يجمع شتات ذخائرها وكنوزها الفريدة من نوعها والتي هي معرضة للضياع، فكيك لازالت تنتظر إحياء مكتبتها وخزانتها التاريخية “دار العدة” التي كانت واحدة من أكبر المكتبات في القرن التاسع الهجري على مستوى المملكة، فكيك تنتظر نصيبها كباقي المدن المغربية من المشاريع الكبرى من قبيل المخطط الأخضر الفلاحي، ومخطط الطاقات المتجددة لإنتاج الطاقة الشمسية، والمخطط الأزرق السياحي، ومدينة للإنتاج السينمائي. فما أكثر الانتظارات وما أصغر الإنجازات.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً