نداء إلى ضمير نواب الأمة

أتوجه إليكم لأقول صادقا إن هذا الإجماع المهني تقريبا الذي رأى في مشروع القانون حلا غريبا ولا دستوريا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار باسم المصلحة العامة، فهذه ليست مبارزة بين المعارضة والأغلبية، وهذه ليست قضية ماء وجه الحكومة الذي لا يجب أن تتركه هذه الأغلبية يسكب على عتبة الاستقرار السياسي للجهاز التنفيذي، بل إنها قضية ستسجل للتاريخ الذي سيحاكمنا جميعا بها، فحتى لو تم التصويت على هذا المشروع المعيب، فإن تسعة أشهر أو سنتين ستمر، ولكنها ستترك ندوباً. ألم يترك التاريخ المعاصر للمغرب علامات منيرة وأخرى لا تصلح إلا للطي لبشاعتها؟!

نور الدين مفتاح [email protected]

 

ونحن نكتب هذه السطور، تكون اللجنة البرلمانية للتعليم والاتصال والثقافة قد شرعت في دراسة مشروع القانون المتعلق بإحداث لجنة مؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، وهو المشروع الذي نخصص له رابع افتتاحية هنا بما أنه أثار من الجدل ما لم يسبقه إليه أي مشروع آخر مرتبط بهذا المجال الصحافي المغربي المأزوم.

 

وأتوجه هنا إلى السادة النواب المحترمين بكلمات صادقة ليس وراءها مصالح شخصية ولا فئوية ولا مغانم مفترضة. أتوجه إليهم باسم مصلحة هذا البلد الذي تعثر في مجال حرية التعبير كثيرا، ولكنه ظل في محيطه واقفا: رجاءً حكموا ضمائركم بدل اصطفافاتكم باسم أغلبية أو أقلية. هذا موضوع يهمّ مؤسسة المجلس الوطني للصحافة، وهي مؤسسة وطنية لا ترقى إلى المؤسسة الدستورية، وقد تبدو أقل أهمية ما دمتم تعالجون قضايا أكبر من هذا الهم الإعلامي الذي قرر المشرع في منعطف 2011 أن يترك شأنه لأهله مع الحفاظ على شعرة بينه وبين الحكومة التي سلمته بعض اختصاصاتها. ولكن، تبقى استقلالية الصحافة المعروضة عليكم في غاية الأهمية برمزيتها ودورها في ما تنشده المملكة من تطور ديموقراطي.

 

أتوجه إليكم لأقول صادقا إن هذا الإجماع المهني تقريبا الذي رأى في مشروع القانون حلا غريبا ولا دستوريا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار باسم المصلحة العامة، فهذه ليست مبارزة بين المعارضة والأغلبية، وهذه ليست قضية ماء وجه الحكومة الذي لا يجب أن تتركه هذه الأغلبية يسكب على عتبة الاستقرار السياسي للجهاز التنفيذي، بل إنها قضية ستسجل للتاريخ الذي سيحاكمنا جميعا بها، فحتى لو تم التصويت على هذا المشروع المعيب، فإن تسعة أشهر أو سنتين ستمر، ولكنها ستترك ندوباً. ألم يترك التاريخ المعاصر للمغرب علامات منيرة وأخرى لا تصلح إلا للطي لبشاعتها؟!

 

وعندما تدخلت الحكومة مرتين في مؤسسة للتنظيم الذاتي، فالرأي والرأي الآخر لا يجب أن يؤخذ على أساس أنه ضد هذا الوزير أو ضد مبادرة الجهاز التنفيذي، بل يجب الإنصات بإنصاف لنبض المهنيين الذين قالوا كلمتهم بصوت عال، والأكثر حكمة بالنسبة للسيد الوزير المعني بالقطاع هو أن يتجاوب مع الجميع، ويصحح ما يمكن تصحيحه عندما يتبين أن المبادرة التي نفترض أنها بحسن نية هي غير منصفة لا للإدارة ولا للمهنة ولا للمجتمع.

 

وأود هنا أن أردّ على بعض الحجج الجديدة لتبرير هذا المشروع، والتي ستكون قد قيلت في اللجنة، وأولها أن قانون المجلس الوطني للصحافة ليس فيه أي مادة تنص على كيفية إجراء الانتخابات، والواقع أن المادة 54 من قانون هذا المجلس واضحة بحيث توكل للإدارة مهمة استدعاء لجنة الإشراف على الانتخابات التي يترأسها قاض. وإذا قيل إن هذه المادة كانت خاصة بالتأسيس، فإن المادة 9 من نفس القانون تحيل على هذه المادة 54 في أي وقت من عمر المجلس تعذر عليه فيه القيام بمهامه، والحال أنه لا يمكن لمادة غير منازع في صلاحيتها وهي المادة 9 أن تحيل على مادة ميتة.

 

وأما أن اختيار أعضاء اللجنة المؤقتة من جهة واحدة تمثل الصحافيين والناشرين وإقصاء ممثلي الاتحاد المغربي للشغل والفيدرالية المغربية لناشري الصحف، فإن القول بأن هناك أربعين جمعية تمثل العاملين في القطاع، وأن التعامل معها جميعها مستحيل، فإنه قول لا يستقيم، لأننا لا نتحدث إلا عن المنظمات الممثلة في المجلس الوطني المنتهية ولايته والتي اكتسب أعضاؤها شرعيتهم بانتخابات 2018، وحتى الحديث عن الإبقاء على لجنتين هما البطاقة والأخلاقيات وحذف ثلاث لجان، بدعوى أن الاختيار وقع على اللجان الأهم، فإن هذا مردود عليه أيضا في نص مشروع القانون نفسه الذي يوكل للجنة المؤقتة كل اختصاصات المجلس الواردة في المادة الثانية من قانونه والتي كانت تقوم بها خمس لجان وليس اثنتان.

 

وتم الحديث أيضا على أن الحكومة تعاملت في هذا الموضوع بشكل مؤسساتي واختارت الرئيس المنتهية ولايته ونائبه ورئيسي لجنتين ولم تلجأ إلى شخصنة الأمور، والواقع ألا أحد يتحدث عن الأشخاص إلا أصحاب مبادرة اللجنة المؤقتة الذين يعرفون الأسماء التي ستكون في هذه التشكيلة، فيما نحن لم نطالب إلا بالانتخابات التي تتوفر جميع النصوص والآليات لإجرائها، ولو جرت لما دخلنا هذا المأزق الذي لن نخرج منه لو مرّ هذا المشروع واشتغلت اللجنة المؤقتة، فروح هذه المؤسسة اليوم جرحت، والطريقة التي دافع بها جزء من المصطفين معها مسيء للمهنة وللتنظيم الذاتي ولهم ولمستقبل الاحتكام للحكماء في مجال المسؤولية، ولنساء ورجال الإعلام الذين لا يتنفسون إلا في رحاب أوكسجين حرية الصحافة.

 

السيدات النائبات والسادة النواب، لقد تدخل في النقاش أكاديميون وسياسيون ووزراء سابقون وإعلاميون مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، ونخب من آفاق متعددة، وكان حكم هذا الرأي العام واضحاً، وهو أن مؤسسة ينص الفصل 28 من الدستور على أن السلطات العمومية تشجعها على أساسين هما الاستقلالية والديموقراطية، هي اليوم على وشك أن تدخل خانة متناقضة مع الدستور، لأن اللجنة المؤقتة ستكون معينة، وستتكون من جزء من المجلس الذي قالت الحكومة نفسها أنه عجز عن تدبير مصيره، وحتى عمل اللجان التي لها صلاحيات خطيرة كالولوج إلى المهنة أو العقاب ستصبح بيد أشخاص بدل أن تكون بيد لجان بأعضاء ومداولات وتصويت. ثم لماذا لم نصلح أي خلل نتحدث عنه الآن خلال أربع سنوات من عمر المجلس؟ ولماذا لم نصلحه خلال الأشهر الستة من التمديد للمجلس؟ هناك السادة النواب شيء ما ليس على ما يرام! لقد تم الإصرار بشكل مبهم على أن نصل إلى المأزق وأن يبقى هذا المأزق قائما، ولكن، إذا كان هناك من في صالحه التأزيم من أجل ألا تكون هناك سلاسة في تجديد هياكل المجلس بشكل ديموقراطي، فكيف يمكن للحكومة والبرلمان أن يجاريا هذا المسار بنتيجة هي عبارة عن تلفيق لجنة هجينة غير دستورية وحاملة لعجز فظيع في المشروعية القانونية؟

 

إن تصحيح هذا المسار ليس انتصاراً لطرف وانهزاما لطرف آخر. إن تصحيح المسار هو انتصار للمغرب ولمساره الديموقراطي الصعب، وانتصار للدمقرطة، فلا يعقل في بلد كمصر بكل الصعوبات التي يعيشها في مجال الحريات العامة أن تتم انتخابات نقيب الصحافيين المصريين بكل حرية ويفوز بها صحافي معروف بعدم تناغمه مع النظام، ولا نقدم نحن على نفس التمرين مع أن أوضاع الحريات في بلادنا عريقة وبعيدة عما يوجد في أرض الكنانة؟!

 

إننا عازفون عن المناصب ومتحررون من الاصطفافات التنظيمية بصدق وليس ادعاء، فرجاء اتركوا للمشرعين أن يقوموا بعملهم ويعدلوا مدونة الصحافة بعد أن نبدي رأينا فيها، ولا تكتبوا في قانون أن لجنة مؤقتة ستصبح سلطة تشريعية! لا تجيزوا أن تكون لجنة مؤقتة هي طرف ومشرفة على انتخابات بعد سنتين وستشارك فيها. رجاء أوقفوا هذا العبث لأنه لا يشرّف أي أحد، ومرحى بالتوافق في إطار انتخابات يعمل بعض الأطراف على جعلها فزاعة للتخويف من نتائجها، فهل هناك داعشيون في صفوفنا سيشاركون فيها؟!.

 

رجاءً، السادة النواب أعيدوا الكرة إلى ملعب المهنيين، ويسروا سبل توافقهم، وافرضوا على أنفسكم وعليهم احترام الدستور والقانون، ويمكنهم أن يصلوا إلى هذا التنظيم الذي أعطيناه أكثر من حجمه بطرق تشرفهم وتشرف بلدنا وتشرف المؤسسات، إنه نداء الصدق والمصلحة العامة، والله شاهد على ما نقول.

مقالات مرتبطة :

تعليقات الزوار
  1. ALBERT المراكشي

    الناس يا سي مفتاح يبحثون عن [الخدّام] في كل المجالس:
    سواء التعليم
    أو الاقتصاد
    أو الصحافة
    …أو حتى مهرجان التبوريدة…
    ولقد وجدوا في عبدة الكراسي أدوات طيعة
    الله يصلح الحال

اترك تعليق


إقرأ أيضاً