اليمين المتطرف يقترب من تسلم زمام السلطة في فرنسا، فهل تتبعها باقي أوروبا؟




ملصقات انتخابية لحزب التجمع الوطني تضم صورة مارين لوبان، زعيمة الحزب، ورئيسه جوردان بارديلا، قبل الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية لعام 2024
Getty Images
ملصقات انتخابية لحزب التجمع الوطني تضم صورة مارين لوبان، زعيمة الحزب، ورئيسه جوردان بارديلا، قبل الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية لعام 2024

ما مدى احتمال أن تستيقظ فرنسا صباح الاثنين وهي تشهد فجراً جديداً لليمين المتطرف؟

كان هذا هو السيناريو الطروح بشكل واضح ومثير للجدل في عناوين وسائل الإعلام، وكذلك في الاتحاد الأوروبي في بروكسل وبين أعضاء الحكومات في جميع أنحاء أوروبا، وذلك بعد الجولة الأولى من التصويت للبرلمان الفرنسي الأسبوع الماضي.

ولكن على الرغم من الأداء المذهل لحزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان، فإن الإجابة المختصرة هي: إن حصول التجمع الوطني على الأغلبية ممكن، وليس مجرد احتمال.

لقد سحبت أحزاب الوسط واليسار الفرنسية مرشحيها بشكل استراتيجي، لدعم مرشحي بعضها البعض قبل الجولة الثانية الحاسمة يوم الأحد.

ولكن تأثير هذه الانتخابات سيكون كالزلزال، سواء فاز التجمع الوطني بأغلبية مطلقة وأصبح جوردان بارديلا، رئيس وزراء فرنسا الجديد أم لا.

وتتوقع استطلاعات الرأي أن يفوز التجمع الوطني بمقاعد أكثر من أي تحالف سياسي آخر.

وهذا يعني تحطم أسطورة المحظور الذي استمر لعقود من الزمن في فرنسا التي تشكل قلب الاتحاد الأوروبي.

ملصقات للحملة الانتخابية خلال الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية الفرنسية خارج مركز اقتراع في درافييل، خارج باريس في 7 يوليو/تموز 2024
AFP
ملصقات للحملة الانتخابية خلال الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية الفرنسية خارج مركز اقتراع في درافييل، خارج باريس في 7 يوليو/تموز 2024

ولد الاتحاد الأوروبي من رحم الحرب العالمية الثانية، وقد نشأ في الأصل كمشروع سلام، وكان في قلبه عدوتا الحرب، فرنسا وألمانيا.

وقد تم الدفع بالأحزاب اليمينية المتطرفة نحو هامش السياسة الأوروبية.

وفي الشهر الماضي، تجمع زعماء العالم في شمال فرنسا لإحياء ذكرى مرور 80 عاماً على يوم النصر، الهجوم البرمائي للحلفاء في نورماندي الذي ضمن هزيمة ألمانيا النازية.

واليوم، أصبحت الأحزاب "اليمينية المتطرفة" أو "اليمينية المتشددة" أو "القومية الشعبوية" جزءاً من الحكومات الائتلافية في عدد من بلدان الاتحاد الأوروبي، منها هولندا وإيطاليا وفنلندا.

وهناك تحديات في تصنيف هذه الأحزاب. فسياساتها تتغير كثيراً، كما أنها تختلف من بلد إلى آخر.

وتطبيع تلك الأحزاب ليس بالظاهرة الجديدة كلياً؛ فقد كان رئيس الوزراء الإيطالي السابق، سيلفيو برلسكوني، وهو سياسي من يمين الوسط، أول زعيم للاتحاد الأوروبي يتخذ هذه الخطوة؛ حيث شكل حكومة مع المجموعة السياسية ما بعد الفاشية، الحركة الاجتماعية الإيطالية، في عام 1994.

وبعد ست سنوات، شكل المحافظون النمساويون ائتلافاً مع حزب الحرية اليميني المتطرف، الأمر الذي أثار غضب الاتحاد الأوروبي آنذاك، لدرجة أنه منع الاتصالات الثنائية الرسمية مع النمسا لعدة أشهر.

لقد فرضت آداب السياسة بعد الحرب على التيار السياسي السائد تشكيل "طوق صحي" وقت الانتخابات، لإبعاد اليمين المتطرف عن الحكومات الأوروبية.

ومصطلح "الطوق الصحي" معترف به عالمياً في إطار هذه الممارسة باللغة الفرنسية "cordon sanitaire"، ما يمنح شعوراً بمدى شغف الكثيرين في فرنسا بهذا الأمر.

اثنان من المارة أمام ملصقات انتخابية للحزب اليساري "الجبهة الشعبية الجديدة" في باريس، في 3 يوليو/تموز 2024، قبل الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية في فرنسا
AFP
اثنان من المارة أمام ملصقات انتخابية للحزب اليساري "الجبهة الشعبية الجديدة" في باريس، في 3 يوليو/تموز 2024، قبل الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية في فرنسا

في الانتخابات الرئاسية لعام 2002، قام بعض الناخبين الفرنسيين بوضع مشبك ملابس على أنوفهم أثناء توجههم إلى مراكز الاقتراع، لإظهار أنهم مضطرون للتصويت لمرشح لا يرغبون فيه في الواقع، لكنهم يفعلون ذلك لإبعاد اليمين المتطرف ليس إلا.

قاد اليمين المتطرف والد مارين لوبان لسنوات، وكان في صفوف حزبه أعضاء فرنسيون سابقون في وحدة قوات الحماية المسلحة النازية Waffen SS.

وبالوصول إلى عام 2024، يبدو أن مارين لوبان حققت نجاحاً هائلاً خلال 10 سنوات في تطهير حزب والدها مما يشوبه، بتغيير اسمه ومحاولتها جاهدة لتحسين صورة الحزب.

واليوم، أصبح ذلك "الطوق الصحي" ممزقاً إلى حد خطير، بعد أن أبرم زعيم حزب الجمهوريين الفرنسي من يمين الوسط صفقة مع حزب الجبهة الوطنية، بعدم التنافس ضد بعضهما البعض الأحد في دوائر انتخابية محددة، الأمر الذي أحدث زلزالاً في الساحة السياسة الفرنسية.

والأمر الجوهري بالنسبة لمارين لوبان، هو أن من يؤيدها لم يعد يشعر بالخجل من الاعتراف بذلك، فلم يعد يُنظَر إلى حزب التجمع الوطني كحركة احتجاج متطرفة. وبالنسبة للعديد من الفرنسيين، يقدم الحزب برنامجاً سياسياً موثوقاً، بصرف النظر عما يدعيه منتقدوه.

فوفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة إيبسوس لصالح صحيفة فاينانشال تايمز، يثق الناخبون الفرنسيون في حزب التجمع الوطني أكثر من أي حزب آخر في إدارة اقتصادهم وماليتهم العامة (الضعيفة حالياً). هذا على الرغم من افتقار الحزب إلى الخبرة الحكومية، كما أن خططه لخفض الضرائب والإنفاق غير ممولة إلى حد كبير.

وفي ظل اليأس الممزوج بالقلق في الدوائر الليبرالية في أوروبا إزاء النجاح المتزايد لما يسمى "اليمين الجديد"، يبرز سؤالٌ في الأذهان: ماذا لو قدم المشرّعون التقليديون ما يخدم ناخبيهم بشكل أفضل؟ هل كان هذا سيقلص المجال أمام الشعبويين الأوروبيين؟!

وأعني بالشعبويين السياسيين أمثال لوبان ممن يقولون إنهم يستمعون إلى "الناس العاديين" ويتحدثون نيابة عنهم، ويدافعون عنهم ضد "النظام القائم".

إن حجة "هم ونحن" شديدة الفاعلية عندما يشعر الناخبون بالقلق والتجاهل من قبل القوى الحاكمة. والدليل على ذلك دونالد ترامب في الولايات المتحدة، والاختراق المفاجئ غير المتوقع لحزب الإصلاح في المملكة المتحدة لانتخابات الخميس، والنجاح الهائل لحزب "البديل من أجل ألمانيا" المثير للجدل والمناهض للهجرة.

في فرنسا، ينظر الكثيرون إلى الرئيس ماكرون، المصرفي السابق، على أنه متعجرف يتمتع بامتيازات، ويعيش بمنأى عن الهموم اليومية للمواطن البسيط الذي يعيش خارج فقاعة باريس. ويقولون إنه زاد الحياة صعوبة من خلال رفع سن التقاعد ومحاولة رفع أسعار الوقود، متحججاً بالمخاوف البيئية.

ولا شك في أن رئيس فرنسا يشعر بالإحباط إزاء تجاهل نجاحه في خفض معدلات البطالة، وبعد المليارات التي أنفقها في محاولة تخفيف الآثار الاقتصادية لكوفيد وأزمات الطاقة.

في المقابل، ركزت الجبهة الوطنية الفرنسية الكثير من حملتها الدعائية على أزمة تكاليف المعيشة.

بطاقة انتخابية وورقة اقتراع معروضتان خلال الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية الفرنسية في مركز اقتراع في لو توكيه، شمال فرنسا، 7 يوليو 2024.
AFP
بطاقة انتخابية وورقة اقتراع معروضتان خلال الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية الفرنسية في مركز اقتراع في لو توكيه، شمال فرنسا، 7 يوليو/تموز 2024

وقد تعهد الحزب بخفض الضرائب على الغاز والكهرباء، ورفع الحد الأدنى للأجور لأصحاب الدخول المنخفضة.

إن مثل هذه الأولويات تدفع مؤيدي الحزب إلى الإصرار على أنه لا ينبغي بعد الآن تصنيف الحزب كحركة يمينية متطرفة، بالنظر إلى توسع قاعدة الدعم، قائلين إن الحزب لا ينبغي أن يوصم إلى الأبد بجذوره العنصرية في عهد لوبان الأب.

وهناك حجة مماثلة تتردد في روما؛ فقد اعتادت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، ذات يوم أن تشيد بالدكتاتور الفاشي بينيتو موسوليني. وحزبها "إخوان إيطاليا" له جذور تعود لمرحلة ما بعد الفاشية، لكن ميلوني ترأس اليوم واحدة من أكثر حكومات الاتحاد الأوروبي استقرارا.

وقد انتقدت ميلوني مؤخراً اجتماعاً لجناح الشباب في حزبها، بعد ظهورهم وهم يؤدون التحية الفاشية. وقالت إنه ليس هناك مجال في حزبها للحنين إلى الأنظمة الاستبدادية في القرن العشرين.

وعلى الرغم من تحذير المنتقدين في الداخل، من محاولات التأثير على المشهد الإعلامي في إيطاليا وهجوم ميلوني على حقوق مجتمع الميم، إلا أن مقترحاتها لمواجهة الهجرة غير النظامية حظت بإشادة من التيار الرئيسي الأوروبي، من بينهم رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس الوزراء البريطاني السابق، ريشي سوناك.

وبصراحة، فإن القضايا الساخنة كالهجرة، بات من الصعب بمكان أن نُميّز فيها بين الخطاب السياسي لليمين المتطرف في أوروبا، وبين التيار السياسي السائد الذي يشحذ المنتمون إليه خطاباتهم عمداً لمحاولة الاحتفاظ بالناخبين.

ولقد كان رئيس الوزراء الهولندي السابق مارك روته مثالاً بارزاً على ذلك، وكذلك فعل إيمانويل ماكرون كلما شعر بازدياد شعبية مارين لوبان.

ومن الآثار غير المقصودة لتبني السياسيين لمواقف الأحزاب الأكثر يمينية فيما يتعلق بالهجرة، هو أن هذا يجعل الأحزاب الأصلية المناهضة للهجرة تبدو أكثر احتراماً وقبولا وشعبية في الانتخابات.

ولقد شهدت الانتخابات العامة الهولندية أداء مذهلاً للسياسي المناهض للهجرة خِيرت فيلدرز، الذي لطالما اتُهم بتبني خطاب الكراهية.

إن وصف "اليمين المتطرف" هو وصف يحتاج إلى مراجعة، بالاعتماد على تركيبة كل حزب.

ومع ذلك، فإن القبول الذي تحظى به ميلوني حالياً في الدوائر الدولية الأوسع، لا يزال حلماً بعيد المنال بالنسبة للوبان.

ويصر حزب الجبهة الوطنية على أن الأغلبية البرلمانية أمر لا يزال قريب المنال في انتخابات الأحد. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الأرجح هو الخروج ببرلمان مُعلق مشلول، أو حكومة ائتلافية صعبة المراس مكونة من أحزاب غير حزب لوبان.

أيٌّ من هذه السيناريوهات أو جميعها، يجعل إيمانويل ماكرون رئيساً ضعيفاً، كما أن عدم الاستقرار السياسي في الداخل يعني أن القوى الكبرى في الاتحاد الأوروبي، فرنسا وألمانيا أيضا، تنغلق على ذاتها، في وقت يشهد فيه العالم تقلبات كبيرة.

إن رحى الحرب لا تزال دائرة في غزة وأوكرانيا، ومن المحتمل أن يعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بموقفه الذي يهدد الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

لا شك في أننا نشهد لحظة حرجة في أوروبا قد تجعلها بلا قيادة، وهو ما يجعل الناخبين يستشعرون خطراً محدقاً.

وحتى لو لم يشهد يوم الأحد ما هو متوقع، فإن أتباع مارين لوبان يعتقدون اعتقاداً راسخا أن أوانهم صار وشيكاً لا محالة.

مقالات مرتبطة :


إقرأ أيضاً