نور الدين مفتاح يكتب: «الكان» يا ما كان
كان حفل افتتاح دوري كأس الأمم الإفريقية بالمركب الرياضي مولاي عبد الله في مستوى الحدث. الملعب الذي أعيد بناؤه تحفة معمارية احتضنت انطلاقة من مستوى عالمي. وأقر من البداية أن هذه الدورة من «الكان» هي الأكبر والأضخم والأحسن تنظيما في تاريخ هذه التظاهرة. وقبل أن أبدي ملاحظاتي الشخصية حول مضمون العرض الافتتاحي لابد […]
كان حفل افتتاح دوري كأس الأمم الإفريقية بالمركب الرياضي مولاي عبد الله في مستوى الحدث. الملعب الذي أعيد بناؤه تحفة معمارية احتضنت انطلاقة من مستوى عالمي. وأقر من البداية أن هذه الدورة من «الكان» هي الأكبر والأضخم والأحسن تنظيما في تاريخ هذه التظاهرة.
وقبل أن أبدي ملاحظاتي الشخصية حول مضمون العرض الافتتاحي لابد أن أؤكد من وجهة نظري أن هذا الافتتاح حمل بعداً أكبر مما هو رياضي، وتم توجيه رسائل سياسية وازنة من خلال شخصية ولي العهد المولى الحسن. لقد انتبه الجميع إلى نوع من العفوية التي تصرف بها الأمير خارج طقوس البرتوكول الجامد وهو يصافح اللاعبين الحاملين للقميص الوطني، ويطيل معهم الحديث، أو عندما اهتز ضاما قبضتيه ورافعا ذراعيه بعد تسجيل المنتخب المغربي لهدف في شباك المنتخب القمري، ولكن الأهم هو نزوله إلى الملعب تحت زخات مطرية قوية بدون مظلة! لقد قفز إلى ذهني مباشرة اللقب الذي كان الراحل خالد الجامعي يطلقه على ملك البلاد: «مول المظل»! في إحالة على ما تمثله تاريخيا مظلة السلطان في حفل البيعة، وها هي المظلة في هذا الافتتاح ترتاح وهي ترسم ملامح شخصية ملك المستقبل، وهي شخصية تؤثر في كل مرة، كما علمنا التاريخ، على تموضع السلطة المركزية في البلاد، وهذا جرى مع الحسن الثاني رحمه الله الذي خرج عمليا من السلطنة إلى الملكية، ومع محمد السادس، شفاه الله، الذي أحدث انعطافة كبرى في وضعية المرأة انطلقت من أسرته، والأكيد أننا سنرى انعطافات أخرى، بعد عمر مديد للملك، مع هذا الحسن الذي التقطنا على أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله إشارات غنية بالدلالات والأبعاد.
كان الافتتاح عالميّاً، ولكن هذا لا يمنع من القول إن العرض بحث عن الحدود القصوى للإبهار لدرجة أنه أضاع خيط التحكم، وأصبحت الأضواء والألوان زائدة عن الحاجة، كما أن محاولة قول كل شيء عن المملكة وعن القارة وعن وصل الماضي بالحاضر جعل الرسالة غير واضحة، أو إن كل رسالة جميلة أغرقت في عشرات الرسائل التي افتقدت لعبقرية البساطة والنفاذ الفوري!
هل كانت المملكة تتحدث عن نفسها؟ هل كانت الرباط تقدم نفسها للقارة التي تحتضن كأسها؟ هل كنا نقدم المغرب المتنوع والعريق والمستقبلي للعالم؟ هل كنا نقدم إفريقيا كما يفترض لبقية القارات؟ هل هي إحاطة بـ 54 دولة وحلم أسمر أم هي حق البلد المنظم في إبراز قدراته والاحتفاء بالإنجاز؟ وأي مغرب قدمنا بالفعل؟
دعونا نعتبر هذه الأسئلة شخصية حتى لا نفسد لما يسمونه بالعرس الكروي قضية. فالذي لا غبار عليه أن المغرب نجح في رهان كرة القدم على مستوى البنيات التحتية والإنجازات الدولية بما لا يتناطح عليه عنزان، وهذا حل مشكلة ظلت عصية لعقود، حيث إن بلداً شغوفا بالمستديرة لم يستطع أن يجد له المكان الذي يستحق قاريا وعالميا، بل إننا كنا من أكثر البلدان الإفريقية تقدما للحصول على شرف تنظيم المونديال، ولكن، كانت طموحاتنا أكبر من إمكانياتنا، وكانت كل بنياتنا ونحن نضع ملفنا عند الفيفا توجد على الورق.
عدم الاستعداد الفعلي لم يكن يمنع الحلم الجامح من الإصرار، ولكن التحول سيبدأ منذ 2008 عقب مناظرة الصخيرات، وكانت البداية بضخ أموال غير مسبوقة في كرة القدم، وتوالت السنين إلى أن وصلنا إلى ما نراه اليوم، حيث نحتضن «الكان» ونستعد للمشاركة في احتضان كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال، ووصلنا إلى نصف نهائي كأس العالم بقطر 2022، وربحنا كأس عالم الشبان هذه السنة وكأس العرب هذا الشهر، إضافة إلى إنجازات كثيرة في مختلف المنافسات.
هذا التحول المعتبر ظلت تعتريه نقطة ضعف لحد الآن، وهي هوة كبيرة مستمرة بين أداء المنتخبات ومستوى البطولة الوطنية لكرة القدم. فرغم ما بذلته أكاديمية محمد السادس من جهود، مازال مغاربة الخارج ممن ترعرعوا في بيئات دول متقدمة كرويا هم العمود الفقري للمنتخب المغربي، وهذا ليس عيبا في حد ذاته، ولكن العيب أن نعيد تكرار ما يقع في النموذج التنموي المغربي عموما، وهو النجاح في البنيان والفشل في بناء الإنسان. الملاعب عالمية والبطولة ثالثية!
وحبذا لو وقف الأمر هنا، فنحن في النهاية لا نتحدث في مضمار للإنجازات إلا عن نوع رياضي وحيد وهو كرة القدم، وربما يكون هذا التركيز الكبير على الكرة قد جعلنا ننسى باقي الرياضات التي لم نكن طارئين عليها، فأيننا من كرة المضرب التي انتهت مع أرازي والعيناوي؟ وأيننا من ألعاب القوى التي أدخلتنا إلى العالمية قبل كرة القدم مع اعويطة ومن أتى بعده؟ وأيننا من كرة السلة وكرة اليد والسباحة وفنون الحرب والملاكمة التي كان لنا فيها شأن؟
هذا الأمر أثير خلال الأسبوع الماضي في «المنتدى الدولي حول الرياضة» الذي احتضنه البرلمان وشارك فيه رئيس جامعة كرة القدم فوزي القجع ورئيس اللجنة الأولمبية المغربية فيصل العرايشي ووزير القطاع سعد برادة، فماذا قال رئيس المجموعة الموضوعاتية المكلفة بتقييم الاستراتيجيات الوطنية للرياضة عبد الرحيم شهيد بعد القيام بـ 30 لقاء واجتماعا وزيارة ميدانية!؟
«هناك فجوة واضحة بين الخطاب الاستراتيجي والواقع الميداني، سواء من حيث ضعف الحكامة أو هشاشة التمويل أو غياب رؤية واضحة للتكوين». ليضيف شهيد باسم البرلمان: «إن الدينامية التي يعرفها المغرب على مستوى احتضان التظاهرات الكبرى لا ينبغي أن تحجب الاختلالات البنيوية التي ماتزال تطبع عددا من الرياضات، خاصة في ما يتعلق بالحكامة وتكافؤ الفرص وتعميم الممارسة».
إن الرياضة عموما، وكرة القدم على الخصوص، أصبحت أكبر من مجرد لعبة ترفيهية، بل تحولت إلى رهان دولي تتنافس فيه الأمم على قوة ناعمة وكأنها في حرب، ولكنها أرقى الحروب السلمية التي يحتفى بها العالم. وهي قاطرة أحلام الشعوب، وترسيخ للهوية والانتماء، وتحفيز للشعور الوطني، وفي جزء منها أصبحت اقتصادا قائم الذات قد يحتسب ضمن مكونات النمو إذا حضرت المردودية.
في كأس إفريقيا، نحن نحتضن أكبر دورة في تاريخ «الكان»، ليس رقميا فقط، حيث سيشارك في البطولة 24 منتخبا، ولكن من خلال هذا اللوجستيك الهائل وغير المسبوق المتاح للمتبارين، وهذا يحسب للمملكة، إلا أن هذه الدورة لا يمكن أن تحجب عنا واقع منافسة إفريقية محكومة بوضعية قارة صاعدة لا تقارن لحد الآن، وفي المنظور، بالدوريات العالمية وخصوصا الأوربية. ولهذا يقول الباحث الأستاذ في أشهر كليات إدارة الأعمال الرياضية في العالم من إسبانيا إلى ألمانيا والصين والبرازيل واليابان وجامعة محمد السادس بابن جرير، سيمون تشادويك في حوار مع «الأيام» ضمن هذا العدد: «لا أعتقد أننا مقبلون على ثورة حقيقية أو لحظة مفصلية في تاريخ كأس الأمم الإفريقية. ويتعزز هذا التقييم إذا نظرنا إلى الواقع التجاري للبطولة، الذي مايزال متواضعا نسبيا. فشركة «طوطال إينيرجي» تظل الراعي الرسمي غير أن اهتمامها موجه أكثر لاستثماراتها الطاقية أكثر من تطوير كرة القدم الإفريقية، كما أن الدورة لم تستقطب غير راع دولي واحد من الصين!».
لقد حاورنا تشادويك قبل صدور القرار المفاجئ من اجتماع المكتب التنفيذي للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، والذي قرر من الرباط، ومن قلب أكبر دورة، أن هذه «الكان» ستقطع مع تاريخها وستنظم ابتداء من الآن كل أربع سنوات بدلا من كل سنتين!! هذا القرار الصادم مرّ بدون ضجيج رغم أنه يعكس نتيجة غير منطقية للدورة التي صدر منها، فهل يعقل أن أكبر تقدم في التنظيم يعقبه أكبر تراجع في دورية المنافسة القارية؟!
قد نفهم الدواعي بما شرحه تشادويك حول الجاذبية الاقتصادية للتظاهرة الإفريقية مقارنة مع الدوريات الأوربية، وهذا يجب أن يدعونا للواقعية والتواضع، ولكن، توجد وراء هذا الأمر المفاجئ رهانات أخرى تتعلق بدخول «الكاف» نهائيا تحت معطف «الفيفا» والخضوع لضغوطات الكبار الأوربيين الذين يتأففون من مغادرة اللاعبين الأفارقة لبطولاتهم، وهذا مؤسف بالنسبة لقارة طموحة رغم إكراهاتها في التنمية والديموقراطية.
إن الاحتفاء بما تنجزه بلادنا في مجال كرة القدم على الخصوص لا يجب أن يمنعنا من التأكيد على أن الأساس في السياسات العمومية هو تلبية حاجات الناس. والأكيد أن الحاجة لكرة القدم موجودة، ولكنها لا يمكن أن تكون سابقة على الحاجة إلى تعليم صالح وشغل حافظ للكرامة، وصحة من مستوى البنيات التحتية الكروية ومحاربة للفساد والمفسدين وحماية الناس من الكوارث الطبيعية والبشرية.
ولا أعجب إلا لمن ينتصب اليوم رقيبا على مجرد حق المحرومين في تعبيرهم عن آهاتهم متى وأنّى شاؤوا، فلا يمكن لمن بنى ملعبا مبهرا أن يبني بجانبه جدارا لفرض الصمت على مغاربة من حقهم الفرح كما من حقهم الغضب، ومن حق الجميع الاختلاف حول هذا المصير المشترك الذي لا نريده في الواقع الاقتصادي والاجتماعي إلا كما كانت أضواء ملعب الأمير مولاي عبد الله مساء ذلك الأحد الشتوي. وحظا موفقا للمنتخب المغربي حتى رفع الكأس إن شاء الله.