نورالدين مفتاح يكتب: حتى تكون سنتنا سعيدة فعلا !
على الرغم من قانون القرب الشهير الذي يقول إن ما يقع بجواري مهما صغر فهو أهم مما يقع في مكان بعيد مهما عظم، فإن سنة 2025 طبعت بالقوة بطابع التحولات العالمية المخيفة. وقد كان هناك محرك أساسي يتحرك في قلب هذه التلاطمات وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي نصب لولاية ثانية في يناير […]
على الرغم من قانون القرب الشهير الذي يقول إن ما يقع بجواري مهما صغر فهو أهم مما يقع في مكان بعيد مهما عظم، فإن سنة 2025 طبعت بالقوة بطابع التحولات العالمية المخيفة. وقد كان هناك محرك أساسي يتحرك في قلب هذه التلاطمات وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي نصب لولاية ثانية في يناير من السنة الذي ودعناها.
لقد وجد ترامب حربين مستعرتين في كل من أوكرانيا وغزة، وسبق أن وعد أنه بمجرد جلوسه في البيت الأبيض ستضع هذه الحروب أوزارها، إلا أنه اكتشف أن الموضوع أكبر بكثير من نرجسية مطبوعة على شخصيته، أو من جنون عظمة بأمريكا التي كان لها في الواقع شعار جامح خفي غير ذاك الذي يطرز على قبعات الدعاية «أمريكا أولا» أو «عظمة أمريكا» وهو: «أمريكا كن فيكون»!
كان العالم معنيا بالحربين، فحرب روسيا على أوكرانيا تهدد إلى الآن السّلام العالمي وتجعل أوربا عمليا في حالة حرب. ولكن هذه الحرب وصلت إلى المغرب أيضا، ومست كل المواطنين من خلال مؤشر واحد على الأقل وهو أسعار الطاقة، حيث وصلت أثمنة المحروقات المبيعة للمواطنين إلى أرقام خيالية وأثرت على الاقتصاد برمته. والغريب العجيب الذي جرى هذه السنة في المملكة هو أنه رغم انخفاض أسعار البترول في السوق الدولية، ظلت الأثمنة مرتفعة في السوق الوطنية بسبب ما سبق لمجلس المنافسة أن عاقب عليه – بشكل محتشم – شركات المحروقات، وهو التواطؤ على سعر مرتفع وتجنب النتائج الطبيعية للمنافسة وهي انخفاض الأسعار.
الأغرب من كل هذا أن أكبر شركة في هذا القطاع يملكها رئيس الحكومة المغربية شخصيا، ورغم ذلك، وفي السنة الأخيرة من ولايته دشن جولات ترويجية لحزبه التجمع الوطني للأحرار تحت عنوان «مسار المنجزات» على الرغم من أن أكبر إنجاز لهذه الحكومة خلال السنة الماضية كان هو تفجير أكبر الاحتجاجات الاجتماعية بعد الربيع العربي من خلال حراك «جيل زد»، وتوالي فضائح تضارب المصالح، حيث أضيف هذه السنة ملف صفقات أدوية أهداها وزير الصحة لزميله وزير التربية الوطنية وكلاهما من الوافدين الجدد على الحكومة من أصدقاء السيد عزيز أخنوش.
فيما واصل إذن رئيس حكومتنا الاستفادة من حرب أوكرانيا، يعجز ترامب لحد الآن عن إيجاد حل للحرب، اللهم ما كان من تقديم أكبر فرجة سياسية متلفزة على الهواء مباشرة، عندما قرَّع الرئيس ونائبه جي دي فانس الرئيس الأوكراني فلوديمير زلينسكي وكان هذا هو حدث السنة الديبلوماسي بامتياز.
في غزة، الأمر مختلف تماما. فإذا كان الطرف في الحرب الأولى هو روسيا النووية، فإن الطرف في الحرب الثانية كان هو إسرائيل، المعتدية المصونة المرعية من القوى العظمى. وقد وصلت بربريتها ضد سكان القطاع درجة غير مسبوقة بالنسبة لأجيال ما بعد الحربين العالميتين، ووصل التجويع إلى أن صنف من طرف القضاء الدولي جريمة حرب، ودكت غزة دكا. ورغم ذلك، قبلت إسرائيل على مضض وقفا لإطلاق النار في نهاية السنة، وما هو إلا استراحة جزار من تعب المجازر، وعلى الرغم من أن المخطط الذي يرعاه ترامب شخصيا وهو رئيس للهيئة التي ستقود المرحلة الانتقالية لتدبير شؤون القطاع وإعادة إعماره، إلا أن وقائع اليومي تؤكد أن إسرائيل وفية للتنصل من وعودها، وهي ترفض لحد الآن الدخول إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، بل إنها تتمدد حتى في الضفة الغربية وتواصل خرق الاتفاق مع لبنان والتمدد في سوريا أيضا.
لقد تفاعل المغاربة دائما مع آلام الفلسطينيين، وخرجت في المغرب قبل سنوات واحدة من أكبر المسيرات التضامنية مع الشعب الفلسطيني، ولكن، لم يسبق أن كان الوقع الوجداني والإنساني لآثار الحرب القذرة على غزة بهذه القوة، لدرجة الوصول إلى عدم القدرة على عن متابعة آلام لم تعد تحتمل، وما زاد من نكئ الجراح هو شعور العجز من تضامن مفقود لعالم عربي إسلامي مخترق وممزق تنخره سكرات السلطة والتواطئات والاستسلام للحماية الأمريكية ووراءها الإسرائيلية أحيانا سرا وأحيانا علنا.
إن حتى أكثر المعتدلين اقترابا من إسرائيل وجدوا أنفسهم في قمة الحرج وهم يرون نتنياهو بلا حدود أخلاقية أو قانونية، وقد وصل به الجنون إلى ضرب الدوحة عاصمة قطر التي تعتبر الوسيط الأساس في قضية السلام والتي يزورها باستمرار الوفد الإسرائيلي نفسه الذي يفاوض وفد حماس!! لقد فهم الجميع أننا فعلا رهينة أياد غير أمينة في عالم يحكمه رجل لا يمكن التنبؤ بتصرفاته كدونالد ترامب، ووراءه رجل يمكن أن يفاجئك بأنه يصل إلى أسوأ السيناريوهات التي تكون أفظع مما توقعته وهو نتنياهو.
إن هذه الثنائية هددت فعليا السلام العالمي هذه السنة، خصوصا بعد إقدام رئيس الوزراء الإسرائيلي على ضرب إيران وكأنه وكيل مفوض لردع الخطر النووي عبر العالم، ففجر حرب الإثني عشر يوما التي وصلت فيها الصواريخ الفرط صوتية إلى تل أبيب، وقصفت فيها إسرائيل طهران ومدن عدة بشكل وحشي خارج القانون الدولي، بل إن ترامب شارك في الحرب باستعمال الطائرات الأسطورية B52 وقصف المفاعلات النووية الإيرانية. ثم كانت الهدنة، ونحن خرجنا من 2025 دون أن نخرج لا من فظاعات الاحتلال ولا من عدم استقرار في شرق أوسط جعله الصهاينة ورعاتهم أخطر مما كان عليه قبل الحرب متعددة الجبهات كتهديد للأمن والسلم العالميين.
لقد زلزل ترامب العالم بفرضه رسوما جمركية على جميع الدول بما فيها المغرب طبعا، وكان هذا إيذانا بنظام عالمي جديد تريد فيه أمريكا أن تربح أكثر لأنها القوة الأكبر، لا أن تدفع ما يجعلها تفي بالتزاماتها لأنها القوة الأكبر. ورغم أن مفاوضات شاقة خففت من أثر هذه الإجراءات السوريالية، إلا أن نظرة الإدارة الأمريكية للعالم من منظور «أمريكا أولا» لم تتغير، وجاء ذلك في التقرير الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية الذي اعتبر أن اتجاه أوربا سيقودها إلى الزوال خلال عشرين أو ثلاثين سنة، وأن واشنطن ستساعد على مقاومة الاتحاد الأوربي ومساندة النزعة الوطنية وأحزاب اليمين المتطرف، وبالطبع مساندة إسرائيل في الشرق الأوسط دون كلمة واحدة عن الدولة الفلسطينية، مع التوازن مع الصين والضغط على إيران وتطبيق مبدأ مونرو بمنع أي منافسة للولايات المتحدة في هيمنتها على أمريكا اللاتينية.
العالم الذي صنعه ترامب في 2025 كان عالما للصفقات، يتحلل من واجبات الهيمنة ويستعملها للمكاسب، وقد جلب 5 تريليون دولار تقريبا من زيارته للخليج في عز العدوان الإسرائيلي على غزة برعاية أمريكية. هذه هي المفارقات، وهذا هو العالم الذي قلبت فيه السياسة أصلا رأسا على عقب.
في هذا العالم الخطير، كانت لنا في المغرب نظاراتنا الخاصة التي ننظر بها إلى كل هؤلاء اللاعبين الكبار. وكان يهمنا من ترامب خلال السنة الماضية أن يظل وفيّاً لما سبق أن فعله في ولايته الأولى باعترافه بسيادة المملكة على الصحراء. وفعلا لم يخب الظن، وحصل المغرب على أكبر من بناء قنصلية أمريكية في الداخلة، وهو قرار أممي يكرس الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية كأساس للمفاوضات مع جبهة البوليساريو ووراءها الجزائر. كان الحدث من الأهمية لدرجة أن قرر المغرب أن يجعله عيدا وطنيا سيحتفل به في 31 أكتوبر من كل سنة.
وحتى وإن أعلنت قيادات الانفصاليين بأنهم ضد هذا القرار، ولم تشارك الجزائر في التصويت عليه، فإن مؤشرات عدة تدعو إلى التفاؤل بإمكانية إحراز تقدم معتبر في الملف، خصوصا وأن القرار نفسه ينص على رعاية الولايات المتحدة الأمريكية للمفاوضات، وأن الجزائر وقعت اتفاقا عسكريا مع الولايات المتحدة خلال السنة التي نودع، وهي معترفة بمغربية الصحراء، وأن مبعوث الرئيس الأمريكي ويتكوف سبق أن صرح بأن الحل للمشكل المغربي الجزائري سيكون قريبا.
كان هذا هو حدث السنة الوطني ولا تضاهيه إلا إنجازات المغرب في كرة القدم، فقد فاز منتخب الشباب بكأس العالم وفاز المنتخب الرديف بكأس العرب، ولم تكن هناك منافسة كروية دولية وإلا وفاز بها الأسود صغارا وكبارا، ذكورا وإناثا، ونحن اليوم نحتضن أكبر وأضخم دورة لكأس إفريقيا في حلة قشيبة وبملاعب مبهرة رغم بعض النواقص التي ظهرت في اختبارات هذا اللوجستيك. ولكن إذا كان المغرب قد وصل في تصنيف الفيفا لمنتخب كرة القدم إلى الرتبة 11 فإنه في التنمية البشرية مازال يصنف في الرتبة 120 ضمن 193 دولة في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025 وهو أيضا يحتل الرتبة 99 ضمن 180 دولة في تقرير «تراسبارنسي» لمؤشر مدركات الفساد لعام 2024، وهذا ما يفسر هذا الإحساس الذي يشعر به المغاربة عموما ما بين الفخر بالمنجزات في البنيات التحتية والإحباط من الجمود في الأوضاع الاجتماعية، وتعثر الإصلاحات في مثلث بيرمودا الوطني: التشغيل والصحة والتعليم!
قد نسميه مغرب المتناقضات أو المغرب الذي يسير بسرعتين كما نعته ملك البلاد في خطابه الافتتاحي للبرلمان هذه السنة، وهو المغرب الذي يعيش فيه 12 مليون مغربي يتقاضون الدعم الاجتماعي المباشر بما يناهز 15 درهما للفرد في اليوم! هو المغرب الذي تغرق فيه مدينة كآسفي بساعة أمطار فقط ويقضي فيها 37 مواطنا شهداء للإهمال والكوارث البشرية، وهو المغرب الذي خرج فيه الناس في أبعد النقاط الجغرافية كآيت بوكماز مشيا على الأقدام لـ 60 كلم من أجل ممرض و«ريزو» للهاتف. وهو المغرب الذي قضت فيه 8 نساء في يوم واحد بالمستشفى الإقليمي بأكادير مما فجر احتجاجات عفوية للساكنة أعقبها حراك «جيل زد» الذي، رغم ما تخلله من أحداث مدانة على هامشه، إلا أنه كان رسالة من الشباب المغربي عن عمق الأزمة، تم التقاطها جزئيا والرفع من ميزانيتي الصحة والتعليم لتصل إلى ما يناهز 14 مليار دولار.
إن الأرقام التي تسوقها الحكومة عن تحسن أداء الاقتصاد الوطني لا تصمد أمام استمرار تردي الأوضاع الاجتماعية، لدرجة أن كل المنجزات المقدرة في الملاعب والموانئ والقطارات والمطارات تتحول إلى ما يشبه الاستفزاز لفئة غير يسيرة من أولئك الذين يعيشون تحت عتبة الفقر، وأنا لا أقول إنه يجب ألا ننجز المبهر، ولكن أقول أنه يجب أن نقوم بنفس المجهود المالي والتعبوي والتدبيري لإنجاز المبهر أيضا على المستوى الاجتماعي بمحاربة الهشاشة والفقر والفساد والضرب القصدي للقيم المثلى وتبليد المواطنين وتشجيع التفاهة والابتذال.
لقد حققت الحكومة واحدا من أكبر الأرقام القياسية في عدم الشعبية في الأوساط الشعبية، وهذا مفهوم بالنظر لما سبق، وبالنظر إلى رزنامة القوانين التي مررتها رغما عن المجتمع، بل وفي تصادم معه، ومنها قانونا المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية، وقانون الإضراب، وقانون المحاماة، وقانون المجلس الوطني للصحافة الذي يصلح وحده عنوانا لمرحلة من العبث التشريعي لحكومة معتزة بخرق الدستور وبتفصيل المؤسسات على مقاس يجعل السلطة الرابعة سلطة تابعة، وجعل رقم معاملات الصحف معياراً لتعيين حكماء الصحافة، وهذا مثال لعقلية دبرت شؤون البلاد لمدة أربع سنوات عجاف، اللهم ما كان من رحمة من الخالق بهذه الأمطار التي نودع على إيقاعها سنة ونودع معها جفافا فلاحيا دام سبع سنوات في انتظار 2026 ، وهي سنة اختبار للجفاف السياسي الذي سيقول فيه المغاربة كلمتهم في شتنبر المقبل، إذا ما قرروا مغادرة «حزب الكنبة» والذهاب إلى التصويت بكثافة من أجل منتخب وطني متألق في تشكيلة حكومة شعبية، نصل به إلى مُركبات اجتماعية بمعايير كرامة دولية، آنئذ، يمكن أن نقول كل عام ونحن بمائة ألف خير.