نور الدين مفتاح يكتب: باريس في ذاكرة إمبراطورية
البرنامج الخاص حول المغرب، الذي بثته قناة «فرانس 5» يوم الاثنين الماضي، كان عموما متوازنا، وحاول أن يلامس ـ بليونة ـ واحداً من أعقد المواضيع، وهو العلاقات المتشعبة بين الرباط وباريس. ولعل وزن البرنامج كان من وزن ضيوفه، بحيث تحدث فيه رئيسا دولة سابقان هما نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، وكذا رئيس الاستخبارات الخارجية الفرنسية […]
البرنامج الخاص حول المغرب، الذي بثته قناة «فرانس 5» يوم الاثنين الماضي، كان عموما متوازنا، وحاول أن يلامس ـ بليونة ـ واحداً من أعقد المواضيع، وهو العلاقات المتشعبة بين الرباط وباريس. ولعل وزن البرنامج كان من وزن ضيوفه، بحيث تحدث فيه رئيسا دولة سابقان هما نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، وكذا رئيس الاستخبارات الخارجية الفرنسية الأسبق برنار باجولي، وثلة من المغاربة من مختلف الحساسيات كالشاعر والحقوقي عبد اللطيف اللعبي والأديب الطاهر بنجلون والأديبة ليلى سليماني والوزيرة الفرنسية السابقة من أصول مغربية نجاة بلقاسم.
وبين التاريخ الكولونيالي وقصص الهجرة ومزدوجي الجنسية والتداخل الثقافي والملف الحقوقي والعلاقات السياسية البالغة الحساسية، يقودنا مخرج الوثائقي بونوا برينجر إلى عالم تتوالى فيه لحظات دفء تصل إلى قمة التفاهم، ولحظات جمود تصل إلى حد القطيعة، دون أن يستطيع أحد طرفي هذه العلاقة أن يفكر يوماً في الوصول إلى طلاق مستحيل.
ولكن الذي لفت انتباهي شخصيا، نقطتان مفصليتان، وكلتاهما تتعلقان بلحظات أزمات ديبلوماسية بين البلدين على عهد الملك محمد السادس. الأولى تحدث عنها فرانسوا هولاند نفسه، وقد تفجرت عندما طرقت الشرطة الفرنسية بيت السفير المغربي بباريس، شكيب بنموسى حينها، قصد تبليغ استدعاء قضائي للسيد عبد اللطيف الحموشي، الذي كان موجوداً بالبيت، في إطار قضية حقوقية. يقول البرنامج إن هذه اعتبرت بمثابة إهانة للملك شخصيا، ويشرح هولاند كيف أنه حاول جاهداً لشهور الاتصال بمحمد السادس دون أن يتمكن من ذلك، على الرغم من أن الملك زار فرنسا زيارات خاصة أكثر من مرة.
سيضطر الرئيس للجوء إلى برلمانية لا تحمل أي صفة رسمية في الحكومة الفرنسية، ولكنها من مواليد مدينة مراكش ولها علاقات طيبة مع القصر، وقد قامت إليزابيث غيغو التي ستصبح في ما بعد حارسة للأختام، بالوساطة التي تشرح تفاصيلها، ووُقعت اتفاقية قضائية جديدة بين البلدين، وعادت المياه لمجاريها، بحيث تم توشيح السيد الحموشي بوسام فرنسي وتتويج ذلك بزيارة باذخة لهولاند إلى الدار البيضاء، وزيارة رسمية للملك إلى باريس، يتذكر الجميع صورها التي تميزت بحضور الكثير من المشاهير المغاربة الفرنسيين للقاء.
وأما القضية الثانية فهي أكثر حساسية وأهم من حيث تبعاتها، وقد ارتبطت بما أشيع حول التجسس على العديد من الشخصيات الفرنسية وضمنهم الرئيس إيمانويل ماكرون ببرنامج بيغاسوس. هذا الأخير اتصل بالملك وقد نفى محمد السادس الأمر إلا أن جواب الرئيس كان مكذبا وجافا، فقطع الملك الخط، ومنذ تلك اللحظة لم يفتح هذا الخط إلا بعد سنتين.
الأهم في البرنامج هو ما سيكشفه، لأول مرّة، الحاصل على جائزة غونكور الطاهر بنجلون الذي كان فاعلا في حلحلة الأزمة، حيث يحكي أنه اتصل بزوجة الرئيس بريجيت ماكرون وتحدث معها مطولا حول الإساءة التي يشعر بها المغرب والملك شخصيا، وقال بنجلون إنه فضل الحديث مع الزوجة بدل الرئيس لأن هذا الأخير حسبه وبالترجمة إلى الدارجة «ما يْـقول لا، ما يقضي غراض»!
لقد كان المطلوب هو اعتذار يمحو ما جرى، ويقول بنجلون إن المغرب لم يكن ليقبل إلا باعتراف فرنسي صريح بالسيادة المغربية على الصحراء، وهو ما تم لتعود المياه إلى مجاريها، ويُستقبل ماكرون رسميا وشعبيا في الرباط ويلقي خطابا غير مسبوق أمام البرلمان المغربي.
في الخلفية، كان الملف الأمني حاضرا بقوة، ويتبين مما استطاع البرنامج أن يقدمه بأن جزءا من أمن فرنسا مرتبط ارتباطا وثيقا بالتعاون الاستخباراتي بين العاصمتين، وتضاف إلى هذا المصالح الاقتصادية التي لا غبار عليها. يقول الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي: «لقد قدم لنا المغرب صفقة القطار السريع بدون طلب عروض» وهو يتحدث عن عمق الصداقة التي جمعته بالقصر، وكان من نتائجها فتح أكبر استثمار خارجي في البلاد وهو مصنع رونو بالشمال بغلاف مالي يفوق المليار أورو مع تشغيل أكثر من 6000 من اليد العاملة.
اليوم، يمكن أن نفهم أكثر ما كان يعنيه الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى 69 لثورة الملك والشعب في غشت 2022 وفي عز الأزمة مع باريس عندما قال: «إن ملف الصحراء هو النظارة الذي ينظر بها المغرب إلى العالم. وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات».
إن التحليل الأعمق لما جرى مع فرنسا، حتى اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء، وهو نموذج لما جرى مع بلدان أخرى، نجده في الدراسة التي نخصص لها غلاف هذا العدد للباحث الأمريكي أستاذ العلوم السياسية بجامعة بينغهامتون في نيويورك ريكاودو ريني لاريمونت، والتي يتحدث فيها عن مفهوم جديد هو «ريادة الأعمال السيادية»، حيث يقول: «لا تفهم السيادة (على الصحراء) كمعطى ثابت يورث، بل كممارسة عملية تبنى وتجسد عبر الأداء. كما أن الاعتراف الدولي لا يمنح دفعة واحدة، بل يتراكم تدريجيا من خلال الفعل المستمر». ثم يثير نقطة في غاية الأهمية حول العلاقات بين دولة متقدمة ودولة في طور النمو ليقول: «إن عدم التكافؤ في القوة لا ينظر إليه كعائق حتمي، بل يمكن تحويله إلى مورد يستثمر بذكاء».
وبحذر علمي مقدر يستدرك لاريمونت ويقول: «رغم قوة هذا الإطار التحليلي فإنه لا يصلح للتطبيق في كل السياقات، ويتوقف نجاحه على وجود قضية وطنية مركزية وواضحة تمثل أولوية وجودية، بما يسمح بربطها بملفات متعددة عبر قطاعات مختلفة». ويضيف ضمن 5 شروط شرط: «امتلاك الدولة قدرة فعلية على تقديم منافع ملموسة في مجالات مثل الأمن أو التنمية أو الحكامة».
إلا أن الأهم في ما يقوله ريكاردو ريني في تحليله غير المسبوق، هو نفاذه إلى جوهر التحول في العقل الاستراتيجي للدولة المغربية، ونحته البارع لعبارات الانتقال من «ذاكرة إمبراطورية إلى مبدأ ناظم للأمة الحديثة»، حيث يؤكد أن فكرة المغرب الكبير انبثقت من الحركة الوطنية في الأربعينات استنادا إلى الامتداد الترابي للإمبراطورية المرابطية، ويخص بالذكر حزب الاستقلال، ليستدرك أن المؤسسة الملكية وإن شاركت هدف استرجاع الصحراء إلا أنها تخلت عما يسميه: «النزعة التوسعية الأوسع لحزب الاستقلال» ويخلص إلى أنه في الستينيات «أعاد العرش تأطير قضية الصحراء بوصفها النواة الرمزية لاستكمال بناء الدولة وسلامة سيادتها».
وعلى ضوء هذا يقرأ لاريمونت قرار مجلس الأمن لـ 31 أكتوبر من السنة الماضية، الذي تحول إلى عيد وطني في المملكة بقوله: «لا يعد قرار مجلس الأمن لسنة 2025 نقطة نهاية، بل هو تثبيت تجريبي لما تحققه ريادة الأعمال السيادية، أي التحول التدريجي للسيادة المتنازع عليها إلى رأسمال ديبلوماسي من خلال الأداء المستدام عبر المجالات الأمنية والاقتصادية والمعيارية».
لقد تعمدت الإسهاب في جزء مما قاله هذا الباحث الأمريكي حول الوحدة الترابية للمملكة، بربطه مع ما جاء في البرنامج الخاص حول العلاقات المغربية ـ الفرنسية الذي بثته «فرانس 5» لسبب أساسي، وهو رفع بعض الوقائع التي تبدو أنها أحداث مشخصنة بين رئيس وملك أو بين مسؤول أمني وجهاز قضائي، من أخبار الكواليس إلى مستوى البناء الديبلوماسي في إطار استراتيجي.
وإذا كان لفرنسا طابع خاص في علاقتها مع المملكة بحكم التاريخ والثقافة التي تؤثر بشكل حاسم على السياسة والاقتصاد، فإن نفس هذا الرأسمال الذي يتحدث عنه لاريمونت ترجم مع دول أخرى، وفي حوادث أكثرها لا نعرفه، إلى اعترافات وازنة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ثم إسبانيا وغير هذا كثير.
لم يسبق أن كان المغرب أقوى في ملف وحدته الترابية من اليوم، فحتى مع المسيرة الخضراء كنا قد اقتسمنا الصحراء مع موريتانيا، ثم خضنا حروبا ضروسا من 1975 إلى 1991، ثم قبلنا استفتاء مرّاً، وخرجنا من منظمة الوحدة الإفريقية. وأن نتحول بعد نصف قرن من العزلة إلى عزل خصوم الوحدة الترابية، فهذا عائد هائل لهذا الاستثمار السيادي الذي يجب أن يتعزز بتجويد الأداء على مستوى السياسة الداخلية، في الحريات والتنمية لتكون من مستوى السياسة الخارجية، وما هذا على المملكة بعزيز.