انطلق من المغرب.. قصة أعظم رحالة مسلم في العصور الوسطى


الحياة المبكرة وبداية الرحلة
ولد ابن بطوطة، واسمه بالكامل هو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي بن بطوطة، في 25 فبراير من عام 1304 في طنجة، وهي مدينة ساحلية مزدحمة تقع في المغرب. وينحدر من عائلة من علماء الشريعة الإسلامية، وتلقى تعليما شاملا في الفقه الإسلامي والقرآن. ومع ذلك، فإن الحياة المستقرة لم ترق له. وبدلا من ذلك، كان مدفوعا بفضول عميق ورغبة في أداء فريضة الحج. وفي سن الحادية والعشرين، انطلق ابن بطوطة من طنجة بهدف أداء فريضة الحج، ولم يكن يعلم أن هذه الرحلة ستكون بمثابة بداية حياة من الاستكشاف. كان هدفه الأولي هو مكة، لكن رحلاته أخذته إلى أبعد من ذلك بكثير، مدفوعًا بمزيج من التفاني الديني والاهتمام العلمي وحب التجوال. كانت بداية رحلة ابن بطوطة محفوفة بالمخاطر عبر شمال أفريقيا بسبب الصحراء القاسية وقطاع الطرق حيث سافر عبر المغرب العربي وزار بلدات ومدن مثل تلمسان وبجاية (وهما في الجزائر الحالية) وتونس وطرابلس عاصمة ليبيا حاليا. وعند وصوله إلى مصر، اندهش ابن بطوطة من عظمة القاهرة، إحدى أكبر المدن وأكثرها حيوية في عالم العصور الوسطى. وقد زار مساجد سلطنة المماليك الكبرى وأسواقها المزدحمة ومؤسساتها العلمية، كما قام أيضا بزيارة مدينة الإسكندية. في البداية، كان هدفه أداء فريضة الحج وتوسيع نطاق تعليمه من خلال الدراسة لدى علماء الدين المشهورين في مصر وسوريا والحجاز، بالإضافة إلى الأولياء الصوفيين. وقد أهلته تلك الدراسات لشغل منصب قضائي، كما أن مكانته كتلميذ سابق للمراجع المتميزة آنذاك في العلوم الإسلامية التقليدية عززت فرصه بشكل كبير وجعلته ضيفًا محترمًا في العديد من بلاطات الحكام. وفي مصر، تأجج في روحه شغف لا يقاوم بالسفر، وقرر زيارة أكبر عدد ممكن من أنحاء العالم. كان معاصروه يسافرون لأسباب عملية (مثل التجارة والحج والتعليم)، لكن ابن بطوطة فعل ذلك من أجل متعة التعرف على بلدان جديدة وشعوب جديدة. وقد حظي بكرم وإحسان العديد من السلاطين والحكام والولاة وكبار الشخصيات في البلاد التي زارها، فضمن بذلك دخلاً مكنه من مواصلة تجواله.
الحج ومواصلة الرحلة

الطريق إلى الهند
وفي مكة نضجت خطة طموحة جديدة في ذهنه ذلك أنه عندما سمع بسلطان دلهي، محمد بن تغلق (حكم في الفترة من 1325 إلى 1351)، وبكرمه الرائع تجاه علماء المسلمين، قرر أن يجرب حظه في بلاطه. واضطر ابن بطوطة إلى اختيار طريق غير مباشر، فاتجه شمالًا، ومر مرة أخرى بمصر وسوريا، واستقل السفينة إلى آسيا الصغرى (الأناضول) حيث قطع "أرض الأتراك" في اتجاهات عديدة في وقت كانت الأناضول مقسمة إلى العديد من السلطنات الصغيرة. وهكذا، فإن روايته توفر مصدرًا قيمًا لتاريخ تلك البلاد بين نهاية السلطنة السلجوقية وصعود البيت العثماني. وقد تم استقبال ابن بطوطة بود وسخاء من قبل جميع الحكام المحليين. واستمرت رحلته عبر البحر الأسود إلى شبه جزيرة القرم، ثم إلى شمال القوقاز وإلى ساراي على نهر الفولغا السفلي، عاصمة خان القبيلة الذهبية، أوز بيك (حكم في الفترة من 1312 إلى 1341). وقد قام برحلة من ساراي إلى بلغاري في الجزء العلوي من نهر الفولغا وكاما. كما تحدث عن زيارته للقسطنطينية (إسطنبول حاليًا) في حاشية زوجة الخان، وكانت أميرة بيزنطية. وتقول دائرة المعارف البريطانية إن وصف ابن بطوطة للعاصمة البيزنطية واضح ودقيق بشكل عام. وعلى الرغم من أنه شارك إخوانه المسلمين في آرائهم القوية تجاه غير المؤمنين، إلا أن روايته عن "روما الثانية" تظهره كرجل متسامح إلى حد ما ويتمتع بفضول كبير. ومع ذلك، كان يشعر دائمًا بالسعادة في عالم الإسلام أكثر من البلدان غير الإسلامية، سواء كانت مسيحية أو هندوسية أو وثنية. وبعد عودته من القسطنطينية عبر السهوب الروسية، واصل رحلته في الاتجاه العام للهند. ومن سراي، سافر مع قافلة إلى آسيا الوسطى، حيث زار المدن القديمة في بخارى وسمرقند وبلخ، وكلها لا تزال تظهر عليها الندوب التي خلفها الغزو المغولي. وسلك طرقًا معقدة إلى حد ما عبر خراسان وأفغانستان، وبعد عبور سلسلة جبال هندو كوش وصل إلى الهند وسلطنة دلهي. وهناك دخل في خدمة السلطان محمد بن تغلوق الذي عينه قاضياً. وقضى ابن بطوطة عدة سنوات في الهند، حيث لاحظ تعقيدات مجتمعها وإدارتها والتفاعل بين التقاليد الدينية المختلفة. وقد أدرك ابن بطوطة أن منصبه في الهند لم يكن خاليًا من المخاطر. لقد سيطر السلطان محمد بن تغلق، الذي كان مزيجًا غير عادي من الكرم والقسوة، على الجزء الأكبر من الهند بيد من حديد على المسلمين والهندوس على حدٍ سواء. وشهد ابن بطوطة كل أمجاد وإخفاقات السلطان وحكمه، وكان يخشى يوميًا على حياته حيث رأى العديد من الأصدقاء يقعون ضحيته. كان رسم ابن بطوطة لشخصية السلطان محمد بن تغلق قطعة رائعة بشكل غير عادي من البصيرة النفسية وتعكس بأمانة مشاعر المؤلف المختلطة من الرعب والتعاطف. وعلى الرغم من كل احتياطاته تعرض لغضب السلطان الذي عاد ليرضى عنه مرة أخرى ليقوم بتعيينه سفير السلطان إلى الإمبراطور الصيني في عام 1342. وغادر دلهي دون أي ندم، لكن رحلته كانت مليئة بمخاطر أخرى حيث تعرضت سفارته لهجوم من قبل المتمردين الهندوس، وبالكاد نجا بحياته. وعلى ساحل مالابار في جنوب غرب الهند وجد نفسه وسط حروب محلية كما تحطمت سفينته أخيرًا بالقرب من كاليكوت (كوزيكود حاليًا)، وخسر جميع مقتنياته والهدايا المقدمة للإمبراطور الصيني. وخوفًا من غضب السلطان، اختار ابن بطوطة الذهاب إلى جزر المالديف، حيث أمضى ما يقرب من عامين حيث عمل قاضيًا. وانطلاقا من المالديف واصل رحلته إلى سريلانكا، مستكشفًا مناظرها الطبيعية الخصبة ومعابدها البوذية. وبعد غرق سفينته على ساحل كورومانديل بجنوب شرق الهند، ذهب مرة أخرى إلى جزر المالديف ثم إلى البنغال وآسام. وفي ذلك الوقت قرر استئناف مهمته إلى الصين وأبحر إلى سومطرة. وهناك أعطاه السلطان المسلم سفينة جديدة وانطلق إلى الصين. في كل مكان ذهب إليه، سجل ابن بطوطة تفاصيل دقيقة عن الأماكن والأشخاص والثقافات التي واجهها.

