نور الدين مفتاح يكتب: منتخب عالمي لمغرب بسرعتين
شعب كامل تقريبا قرر السهر ليلة الإثنين ـ الثلاثاء ليتابع مباراة المنتخب المغربي ضد المنتخب الهولندي، ومن الثانية إلى الخامسة فجراً، كانت الكرة تتدحرج فوق أعصاب الملايين في مباراة حارقة بالمفهوم المجازي والحقيقي أيضا. لقد لعب الأسود بشكل أنيق، واستحوذوا على الكرة، إلا أن النتيجة لم تعكس هذا التفوق الملموس، وواصل الجمهور متابعة اللقاء […]
شعب كامل تقريبا قرر السهر ليلة الإثنين ـ الثلاثاء ليتابع مباراة المنتخب المغربي ضد المنتخب الهولندي، ومن الثانية إلى الخامسة فجراً، كانت الكرة تتدحرج فوق أعصاب الملايين في مباراة حارقة بالمفهوم المجازي والحقيقي أيضا.
لقد لعب الأسود بشكل أنيق، واستحوذوا على الكرة، إلا أن النتيجة لم تعكس هذا التفوق الملموس، وواصل الجمهور متابعة اللقاء والمغرب خاسرا بهدف للاشيء إلى غاية الوقت بدل الضائع في نهاية المباراة حين عدّل عيسى ديوب الكفة وخضنا الأشواط الإضافية ثم ركلات الجزاء التي أجهزت على ما تبقى من قدرة تحملنا، قبل أن يبتسم الحظ وننتصر على منتخب الأراضي المنخفضة العريق.
لم يكن المنتخب المغربي ليرضى بأقل مما حققه مع المدرب السابق وليد الركراكي في كأس العالم 2022 التي احتضنتها قطر حيث تأهلنا إلى المربع الذهبي. واليوم، مع المدرب محمد وهبي، الذي فاز مع منتخب الأقل من 17 سنة بكأس العالم، ستجد أن طموح الغالبية العظمى من المغاربة هو الفوز بهذه الكأس. لقد كان هذا حلما بعيد المنال بالنسبة لأجيال من عشاق الكرة المستديرة في بلادنا، ولكنه اليوم إمكانية واقعية وحقيقية إن لم أقل مستحقة.
هنيئا لأسود الأطلس الذين قرر 75 ٪ منهم اختيار المغرب وحمل قميصه على الرغم من أنهم كانوا مطلوبين لمنتخبات الدول التي ولدوا فيها. وليس عيبا أن يكون جزء كبير من منتخبنا قد تربى في بيئة أخرى ربما أكثر احترافية من بيئتنا الرياضية المحلية، إلا أن هؤلاء النجوم العالميين لا يمكن أن يجازفوا بمستقبلهم لو لم تكن أمامهم خارطة طريق مقنعة في المغرب، وتصور عام لمستقبل الرياضة، وإمكانيات تضاهي الإمكانيات التي توجد في أوربا. ولا أتحدث هنا عن الإمكانيات المادية فقط، فرئيس الجامعة الملكية لكرة القدم فوزي لقجع كشف عن معطى مثير في بودكاست للجزيرة 360 حيث قال إن أفراد المنتخب المغربي لم يثيروا معه أبداً مسألة التعويضات المادية! إنه التعفف من أجل فخر الانتماء، فهؤلاء يرفلون في الملايير ولكن حب الوطن بالنسبة لهم أكبر من الثروة، ومن أجل هؤلاء يستحق بلدنا الأحسن والأعلى والأقوم.
إن السؤال الذي يطرح بإلحاح هو لماذا لا يمتلك أغلب المسؤولين في بلادنا نصف هذه الروح الوطنية التي يتميز بها لاعبو المنتخب المغربي؟ لماذا ينتشر الفساد والوصولية والهمزة، ويتسيد أشباه المثقفين والسياسيين، وتكون للأميين صولة وتتحول الانتخابات إلى بورصة لشراء الذمم وتنبثق نخب كل همها أن تأكل طلوعا ونزولا، اللهم إلا من رحم ربّك؟
لكن قبل أن نطل على مجالات أخرى، نبقى فقط في كرة القدم، ونفتح النافذة على البطولة الوطنية لينتصب أمامنا البون الشاسع ما بين أداء منتخب وطني من مستوى عالمي يحتل الرتبة 5 في ترتيب الفيفا، وبين هذه البطولة الكئيبة تسييرا وأداء وبروفايلات رؤساء، وعجزاً عن تنزيل إصلاح شاخ في الرفوف حتى أن البنيات التحتية التي أنجزها المغرب كرويا أصبحت أكبر من هذه الفرق التي تدبر بالارتجال وعدم الجدية والاستغلال السياسوي للمجال الكروي. وهذه حقيقة تجعلنا مع كل انتصار قاري أو دولي نحس بنوع من المرارة التي تمسك بتلابيب فرحنا وتحجمه.
إن المنتخب المغربي، ومنذ 2022، قدم للعالم صورة مغرب ناجح يلعب في ملعب الكبار، والرأي العام الدولي يكون في مخياله صورة عن البلد في شموليته من خلال منتخبه، ويُسقط الانتصار الكروي على كل المجالات الأخرى، وهذا مستحب بالنسبة للمملكة التي نجحت في امتلاك هذه القوة الناعمة وتوظيفها في قضاياها بوزن معنوي معتبر ليس وراءه بترول ولا صناعات ثقيلة ولا ثروات مبهرة.
ولكن، عندما تكون متأكدا أن ما فعلناه في كرة القدم على المستوى الدولي، كان بالإمكان أن نقوم به في المجال الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، تحس بالغبن! هل يعقل أن تكون في المغرب 4 ملايين أسرة تعيش على دعم اجتماعي مباشر يبدأ من 500 درهم للشهر؟ هل يعقل أن يكون هذا المغرب الذي ذاع اسمه في العالم معطوبا في مجال التعليم، ومصابا إصابة بالغة في مجال الصحة العمومية، ومتدنيا بشكل رهيب في مجال التنمية البشرية؟ أين يوجد الخلل الذي يرفع منسوب الاحتقان الاجتماعي ويجعل الناس في القرى النائية والمداشر يخرجون في مسيرات الغضب بعدما يبلغ سيلهم الزبى؟
وحتى لا نذهب إلى ملف تضارب المصالح الفاقع، ولا إلى الفلاحة التي ضخت فيها الملايير من المخطط إلى الجيل الأخضر دون أثر يذكر، ولا إلى الصناعة والخدمات التي نعتمد فيها على الترحيل من الخارج، وها هو قانون بسيط يصدر في فرنسا يهدد بانهيار قطاع كامل لمراكز النداء ببلادنا! نكتفي بملفات تتعلق بالنخب في المملكة. فهل يعقل أن تتصرف حكومة بلد يصول ويجول رياضيا في مربع الكبار بصبيانية في ملف المحامين؟ الدستور ينص على المقاربة التشاركية، ووزير العدل تقدم بمشروع قانون أثار ضجة، فتدخل رئيس الحكومة وتوافق مع جمعية هيئات المحامين حول النقاط الخلافية وتمت المصادقة على المشروع في مجلس النواب. ثم تم التراجع عما اتفق عليه عندما تم إدخال تعديلات حكومية على المشروع وهو يعرض على مجلس المستشارين، تتعلق بالرقابة على ودائع الموكلين لدى المحامين وتوسيع صلاحيات الوكيل العام للملك في مسطرة التأديب وشروط الولوج للمهنة وغير هذا كثير. واليوم تتوقف المحاكم ويعود التشنج، مع أن المحاماة جزء من العدالة والعدالة عنوان الثقة في بلد يهفو بكل مجهوداته أن يلعب في ساحة الكبار.
نفس الشيء جرى مع الصحافيين، بحيث إن الأغلبية الساحقة من الجسم المهني ترفض مشاريع القوانين التي تفرضها وزارة التواصل فرضا، ومن ذلك مرسوم الدعم العمومي وقانون المجلس الوطني للصحافة. والكارثة أن كل هذا التعنت الحكومي لم ينتج سوى البلوكاج على جميع الأصعدة، فلا الوزارة، بعد أكثر من سنة على إخراج مرسوم الدعم وتشكيل لجنة له على المقاس، استطاعت أن تنزل مقتضيات القانون، واستمرت ترقع بدعم استثنائي تؤدي بموجبه أجور العاملين في المؤسسات الصحافية المهيكلة لحد الآن، ولا هي استطاعت أن تتفادى الفراغ المؤسساتي في مجال التنظيم الذاتي بحيث إن كل صحافيي المملكة مازالوا يحملون بطاقات صحافية مؤرخة بـ 2025 والمجلس الوطني للصحافة غير موجود. والأدهى أنه، رغم إسقاط مشروع هذا القانون من طرف المحكمة الدستورية، فإن الحكومة أصرت على التعامل مع الموضوع بشكل تقني ومررت القانون الذي يعني المهنيين في إطار التنظيم الذاتي بشكل يجعل النقابات الخمس المؤطرة للقطاع والفيدرالية الأكبر للناشرين رافضة له، فلمن تشرع الحكومة إذن؟
إنهما مثالان فقط وراءهما مئات الأمثلة على مآل هذا الإصلاح الذي يَبعد عن أداء المنتخب المغربي لكرة القدم كما تبعد الأرض عن كوكب زحل.
ولأختم أورد مثالا دالا على هذا التدبير بسرعتين في مغرب يطمح لأن يكون بلدا صاعداً: فمواكبة الرياضة في بلادنا إعلاميا تم سحبها من الجمعيات العريقة المتخصصة، وأصبح كل رموز الإعلام الرياضي في بلادنا على الهامش. وعندما جد الجد واستهدف المغرب في كأس إفريقيا لم نجد يد هذا الإعلام الرياضي المدعوم إلا وهي كيد الميت. وابتدعت بطاقة للملاعب مع أن الأصل هو أن تكون للبطاقة المهنية اليد العليا، وتم تأميم التغطية الإعلامية للتظاهرات الدولية من كأس عالم قطر إلى أمريكا، ولكن النتيجة المهنية في النهاية هزيلة وهزالها بادٍ للرأي العام!
المشكل إذن في السرعتين في جميع المجالات، وفي انتظار أن تصلح أعطاب التدبير الداخلي للملفات التي تهم المواطنين، دعونا نتذوق طعم الانتصار مع منتخب مقاتل من أجل راية الوطن، وندعو الله العلي القدير أن تصيب عدوى ما تبدعه أقدام الأسود باقي القطاعات، آمين، ولا سلام على المفسدين.