حين تبحث عن سرِّ التوفيق … انظر إلى يدي أمِّك المرفوعتين بالدعاء



 

 

هذا ليس مقالا سياسيا ولا اجتماعيا … بل نداءٌ من نبض القلب، ووفاء لوصية الرحمن، وانحناءة إجلالٍ لأعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان… الأم .

 

هو _إهداء_

إلى كل أمٍّ جعلت من قلبها وطنا، ومن دعائها حصنا، ومن صبرها جسرا عبر عليه أبناؤها إلى الحياة…
وإلى كل ابن او ابنة ما تزال أمه تناديه، وتنتظر خطاه، وتدعو له في جوف الليل…
هذه الكلمات قبلة وفاءٍ على جبين كل أم، واعتراف بأن أعظم أسرار التوفيق، بعد فضل الله، هو بر الأم ورضاها.
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

 

عزيزي القارئ، ليس كل ما يصنع الحياة يُرى بالعين، فثمة أسرار لا تدرَّس في الجامعات، ولا يتحدث عنها خبراء النجاح، لكنها تصنع الفارق بين إنسان يركض كثيرا ولا يبلغ مراده، وآخر يبارك الله له في عمره، ورزقه، وخطاه، فيفتح له من أبواب الخير ما لم يكن يحتسب.
لقد تعلمنا في هذه الحياة كيف نخطط، وكيف ندير الوقت، وكيف نصنع النجاح، لكننا نسينا أن للتوفيق بابا لا يُفتح بكثرة الشهادات، ولا بذكاء العقول وحده، وإنما يفتحه الله لعباده، ويجعل له أسبابا عظيمة، من أجلها دعوة أم صادقة.
فالأم ليست سرَّ التوفيق لأنها أنجبت أبناءها فحسب، بل لأنها الإنسان الوحيد الذي يستهلك عمره ليزيد من أعمار غيره؛ تشيخ ليظل أبناؤها شبابا، وتتعب لينعموا بالراحة، وتؤجل أحلامها حتى تكبر أحلامهم، وتبتسم، بينما تخفي في قلبها أوجاعًا لو وُزعت على الجبال لأثقلتها.
لقد أقنعنا هذا العصر أن النجاح فيما نملك، لا فيمن نحسن إليهم، وأن الانشغال فضيلة، حتى أصبحنا نمنح أعمالنا وذواتنا أجمل ساعاتنا، ونمنح أمهاتنا ما يتبقى من الوقت…في أحسن الاحوال وللأسف
نجيب الغرباء بسرعة وبأدب ، ونؤجل مكالمة الأم، ونعتذر للمدير إذا تأخرنا دقائق، بينما تمر الأيام دون أن نعتذر لأمٍّ انتظرت صوتنا طويلا، و اشتاقت لرويتنا أكثر…
وأخطر كلمة في قاموس البر ليست: ” *لا* “… بل: ” *بعد* *قليل* “. فكم من ” *بعد قليل* ” تحولت إلى ” *ليت* “.
للأسف، إن أكثر ما يخدع الإنسان اعتياده وجود أمه. يراها كل صباح، فيظن أن الصباحات كلها ستبقى عامرة بها، ويسمع صوتها، فيحسب أنه لن يغيب، فيؤجل الزيارة، ويؤجل الجلسة، ويؤجل القبلة على جبينها، حتى يأتي يوم يكتشف فيه أن بعض النعم إذا رحلت، أخذت معها شيئًا من أرواحنا.
وحين يطرق المرض باب الأم، تتبدل مقاييس الحياة، تصغر المناصب، وتبهت الألقاب، ويصبح أعظم خبر يفرح القلب أن تقول: “أنا بخير.” هناك فقط ندرك أن الطمأنينة كانت تسكن امرأة، وأن البركة كانت في دعائها، وأن السكينة كانت تفيض من قلب لا يعرف إلا الحب، ولسان مغموس في “الدعاء”
لقد رفع الإسلام قدر الأم حتى قرن الله الإحسان إليها بتوحيده، وجعلها النبي ﷺ أحق الناس بحسن الصحبة، فقال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك.» ولم يكن هذا التكرار إلا إعلانا عن منزلة لا يدانيها أحد.
والبر ليس هدية في مناسبة، ولا باقة ورد عند المرض، ولا “أكلة طيبة” بل هو أسلوب حياة؛ أن تخفض لها جناحك، وتصغي إليها وإن كررت الحديث، وتبتسم في وجهها، وتلاعبها… ويكون صوتك معها ألين من الحرير، وتشعرها كل يوم أنها أعظم نعمة في حياتك.
فالأمهات لا يطلبن الكثير؛ يفرحن باتصال يطمئنهن، وزيارة تؤنس وحدتهن، وكلمة حانية، وقبلة على الجبين، ودعوة صادقة.
وليس غريبا أن يرى الناس أثر دعوة الأم في حياة أبنائها؛ فكم من باب أُغلق ثم فُتح، وكم من كربة انفرجت، وكم من قلب هداه الله، وكان في الخفاء أمّ ترفع يديها قائلة: “اللهم وفق ولدي” ، “اللهم سدد خطى ابنتي” .
لسنا نزعم أن التوفيق بيد الأم، فالتوفيق من الله وحده، لكن الله جعل رضاها ودعاءها من أعظم أسباب البركة، ومن أوسع أبواب الخير.
وقبل أن نسأل الناس عن أسرار النجاح، فلنسأل أنفسنا:
متى كانت آخر مرة جلسنا فيها إلى أمهاتنا بلا استعجال؟ متى قبلنا أيديهن امتنانا؟ ومتى قلنا لهن: “رضاكِ عني يا أمي، بعد رضا الله، هو أغلى ما أرجوه؟”
وبكلمة، كل خسارة قد يعوضها الزمن، إلا خسارة الأم.
أجل، المال يعود، والمناصب تزول، والأحلام تتجدد، أما الأم، فإذا رحلت، رحل معها باب من الرحمة، لا يُفتح بالطريقة نفسها مرة أخرى.
فيا من تقرأ هذه الكلمات… إن كانت أمك بقربك، فلا تؤجل برها، ولا تؤخر زيارتها، ولا تبخل عليها بكلمة *حب* ، فإن أعظم ما تملكه اليوم قد يصبح غدا أمنية لا تُشترى… يشيب لها الرأس ولا تتحقق…
اللهم ارزقنا برَّ أمهاتنا أحياء، وارحمهن إذا صرن إلى جوارك، واشف كل أم أنهكها المرض، وأقر أعينهن بصلاح أبنائهن، واجعل رضاهن سببا لرضاك عنا.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانَا صِغَارًا﴾.
وعليه، إذا بحثنا يوما عن سرّ التوفيق، فلن نبدأ من الطرق البعيدة… بل من أقرب باب إلى الجنة؛ باب أمّ ما زالت ترفع يديها إلى السماء، تدعو لنا بقلبها ولسانها وكل جوارحها.
وبه وجب البر والسلام.

 

نعيمة بويغرومني

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً