هل بدأت إدارة ترامب معركة تهجير المثقفين؟



 

في كواليس المشهد الإعلامي والسياسي بواشنطن، لم يكن التقرير الذي نشرته منصة “ذا فري بريس” مجرد خبر عابر، بل كان بمثابة قنبلة أُلقيت في بركة مياه راكدة. التقرير أفاد بأن إدارة ترامب بدأت تحركا سريا يستهدف تريتا بارسي، أحد أعلى الأصوات الأمريكية انتقادا للحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، بهدف تجريده من “البطاقة الخضراء” (الغرين كارد) التي يحملها منذ 15 سنة، ومن ثم طرده خارج الحدود.

غير أن الرواية سرعان ما اتخذت منعطفا دراميا، بعد أن خرجت وزارة الخارجية الأمريكية عن صمتها لتنفي بشكل قاطع وجود أي تحقيق من هذا القبيل، مما كشف أن التقرير جاء صدى لضغوط مكثفة مارستها الناشطة لورا لومر، في محاولة من اللوبي الموالي لإسرائيل لاختلاق وتلفيق تحقيق لا وجود له على أرض الواقع.

هذا المنعطف المثير للجدل رصدته منصة “دروب سايت نيوز”، التي سارعت إلى فتح ملف القضية معتبرة أن مشاركة منصة إخبارية في هذه الحملة هو سلوك مخز بقدر ما هو متوقع، مؤكدة أن الصمت لم يعد خيارا لكل من يؤمن بصحافة حرة حقيقية.

 

وتشدد المنصة في قراءتها للأحداث على أن الاندفاع نحو الحروب دون نقاش شعبي علني، كما يظهر في ملف إيران، ليس سوى تذكرة مجانية نحو الكارثة. وفي حين يصف الخصوم بارسي اليوم بأنه “عدو أمريكا”، ترى “دروب سايت نيوز” أن الحقيقة المرة تقول إن أمريكا كانت ستكون في وضع أفضل بكثير اليوم لو أصغت إلى تحذيراته، مؤكدة أنه يجسد الشجاعة في أبهى صورها، شجاعة قول الحقيقة حتى لو كانت تغرد خارج سرب الإجماع المؤقت.

 

وتختتم “دروب سايت نيوز” روايتها بإعلان تضامنها المطلق مع تريتا بارسي في وجه العرائض الرقمية التي جمعت عشرات الآلاف من التوقيعات للمطالبة بترحيله، داعية جمهورها للدفاع عن حقه في التعبير، انطلاقا من المبدأ الدستوري الأصيل: “قد لا نتفق مع ما تقوله، لكننا سندافع عن حقك في أن تقوله”.

 

 

تريتا بارسي يكسر صمته

أمام هذه العاصفة السياسية، لم يقف المفكر والمحلل السياسي تريتا بارسي موقف المتفرج، بل خرج ليكشف كواليس هذه المعركة الشرسة في مقال مطول نشره عبر منصته في “سابستاك”، واصفا بدقة كيف تحولت أدوات السياسة إلى أسلحة للإقصاء والتهجير.

 

وقال بارسي، “لقد خضت مواجهة مع المحافظين الجدد ودعاة الحروب في واشنطن لأكثر من 25 سنة. وخلال تلك السنوات، حاولوا إسكاتي، وتشويه سمعتي، والتشهير بي، وإقصائي من المجال العام. لكنهم لم يحاولوا ترحيلي إلا مؤخرا”.

وأضاف أنه “على الأقل، هذا ما بدا أنه الهدف من المقال الذي استهدفني في صحيفة “فري بريس” التابعة لباري فايس، والذي زعم أن وزارة الخارجية، بقيادة ماركو روبيو، كانت تجري تحقيقا معي بزعم أنني أسعى إلى “تقويض الولايات المتحدة”، على الأرجح بسبب معارضتي للحرب مع إيران. لكن بعد ساعات قليلة فقط، أصدرت وزارة الخارجية بيانا أوضحت فيه للصحفيين أن “وزارة الخارجية لا تعتزم في الوقت الراهن إلغاء البطاقة الخضراء الخاصة بالسيد بارسي”. كما أنها لم تقدم أي تأكيد للفرضية الأساسية التي استند إليها تقرير “فري بريس”، وهي وجود تحقيق ضدي من الأصل”.

 

وتابع: “لا أظن أن تحقيقا كان قائما ضدي بالفعل. بل أعتقد أن هناك من داخل وزارة الخارجية من كان يرغب في فتح تحقيق، وظنت أن الضغط الخارجي الإضافي قد يساعد في دفع الأمور إلى الأمام. وأقول “ضغطا إضافيا” لأن مؤثرين مؤيدين لإسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي كانوا، منذ أسابيع، يحثون الحكومة الأمريكية على ترحيلي، فيما ذهب بعض النشطاء، أو ربما عناصر استخباراتية، إلى إنتاج مقطع فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي يظهر اعتقالي من قبل شرطة الهجرة والجمارك الأمريكية. وللأمانة، وجدت ذلك الفيديو مسليا للغاية”.

 

واعتبر بارسي، أن “محاولة دفع السلطات إلى فتح تحقيق جاءت بنتائج عكسية. ويعود ذلك جزئيا إلى موجة الرفض الواسعة والعفوية لفكرة ترحيلي، بل ولفكرة ترحيل أشخاص بسبب ممارستهم حقهم في حرية التعبير. لقد تأثرت بشدة بحجم الدعم الذي تلقيته. وكان ذلك مؤثرا بحق، وأنا ممتن له بعمق”.

 

وأردف أن “أمرا آخر كان يحدث أيضا، وهو وجود اعتراضات من داخل إدارة ترامب نفسها. ففي معهد كوينسي، تلقينا معلومات من مصادر داخل الإدارة تؤكد أنه لم يكن هناك أي تحقيق، وأن أيا من المسؤولين الأساسيين لم يكن على علم بالأمر، وأن المصدر المزعوم لقصة “فري بريس” ربما كان مجرد “فاعل منفرد”. ولعل هذا ما يفسر اتخاذ وزارة الخارجية خطوة نادرة للغاية تمثلت في نفي تقرير سولومون علنا”.

 

واعتبر أن “ذلك لا يعني أن القضية انتهت. فالنشطاء المؤيدون لإسرائيل وحلفاؤهم من أنصار الملكية الإيرانية سيواصلون السعي إلى إخضاعي لأقصى أشكال الإلغاء السياسي، ما لم يصل الأمر إلى التخلص مني نهائيا، بطبيعة الحال، كما أن حلفاءهم داخل الحكومة الأمريكية سيواصلون، دون شك، التنسيق معهم. لكن يبدو أن هذه الجولة تحديدا انقلبت ضدهم”.

 

 

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً