نور الدين مفتاح يكتب: الورقة الحمراء
ما أبعد الأمس القريب عن اليوم. فترامب يعتقد أنه ليس فوق الفيفا فقط، ولكنه فوق القانون الدولي، وفوق العالمين، والأدهى أن الأمر لم يعد مرتبطا بشخص نرجسي ستنتهي حماقات البيت الأبيض بخروجه منه، ولكننا إزاء منظومة متكاملة أصبحت تجعل من القوة قانونا بدل أن تكون القوة للقانون، حيث يتم تفكيك المؤسسات الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية لحماية الأمن والسلم الدوليين، والتحكم في منظمات أخرى تتميز بالنفوذ ومنها «الفيفا» التي أصبح رئيسها إنفانتينو اليوم ظلا لترامب، وقد سلمه مؤخرا «جائزة الفيفا للسلام» ويفتخر بصداقته ويرافقه إلى أحداث سياسية محضة لا علاقة للكرة بها. وهذا يضرب اليوم نزاهة وشفافية هذه اللعبة في مقتل!
من سوء حظنا أن هذا العدد سيصدر قبل أن نعرف نتيجة مباراة حاسمة بين المنتخب المغربي ونظيره الفرنسي في ربع نهائي أضخم دورة لكأس العالم لكرة القدم في التاريخ. لقاء يذكرنا بما جرى في 2022 حين أقصى الفرنسيون أسود الأطلس بقطر في مباراة جل المغاربة يعتبرون أنها كانت «مخدومة» !
وإذا كنت من الذين يعتقدون أن مستوى المنتخب المغربي الحالي يؤهله ليطمح لحيازة الكأس، فإن كل شيء ممكن في كرة القدم. إذا فزنا فستكون محطة تاريخية أخرى نذكرها بفخر، وإذا انهزمنا، فسيخرج أشبال الأطلس مرفوعي الرأس، لأنهم لعبوا وأجادوا وأبهروا وكسبوا قلوب الملايين عبر العالم من آسيا إلى أمريكا اللاتينية. وبفضل كتيبة محمد وهبي أصبح القميص الوطني المغربي علامة عالمية يرتديه المشجعون الشغوفون بسحر الكرة من كل القارّات.
هذا وجه مشرق لمنافسات كأس عالم شفافة، مكشوفة في المستطيل الأخضر يفوز فيها الأكفأ والأجدر، ولكن في عالم جديد ينسج على منوال الترامبية، لم تسلم هذه المنافسة الأكثر شعبية في العالم من تدخل سافر لأول مرّة في تاريخها جعل مصداقيتها تضرب في الصميم. وملخص الحادث أن حكم مباراة منتخب الولايات المتحدة الأمريكية ضد نظيره البوسني أشهر الورقة الحمراء في وجه المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون، وكان هذا يعني أنه، حسب قوانين الفيفا، لن يلعب مباراة الربع الموالية، التي سيواجه فيها منتخب «ترامب» المنتخب البلجيكي.
يقول موقع «بوليتيكو» إنه بعد دقائق من انتهاء المباراة «انطلقت من البيت الأبيض حملة من الاتصالات القانونية والديبلوماسية شارك فيها مسؤولون حكوميّون ومن الاتحاد الأمريكي لكرة القدم، وانتهت بإجراء دونالد ترامب اتصالا مباشراً برئيس الفيفا جياني إنفانتينو طالب فيه بإعادة النظر في قرار الإيقاف».
الصاعق أن إنفانتينو انحنى لتدخل البيت الأبيض وألغى قرار منع المهاجم الأمريكي من المشاركة في مباراة الربع استنادا إلى المادة 27 من القانون التأديبي ! ولكن توقيت اتخاذ القرار وسياقه جعلا منه قرارا سياسيا بامتياز هز ركنا آخر من أركان هذا الغول المسمى «فيفا» وسبب انتكاسة لعشاق كرة القدم الذين كانوا يراهنون على قواعد لعب نظيفة وشفافة، فإذا بها تصبح رهينة للأقوى.
لم يثر هذا التدخل غير المسبوق حفيظة الضعفاء فقط في عالم متغول، ولكنه أثار امتعاض الغرب نفسه، وسأورد بعضا مما جمعته «الجزيرة نت» في إحدى مقالاتها حيث ساقت ما جاء في مقال بـ «نيويورك تايمز» لكاتبه بيل سابوتيرو وهو يقول: «إن القضية تجاوزت كرة القدم إلى اختبار لمبدأ سيادة القانون… وإن قرار الحكم ربما كان خاطئا، لكنه حسب قواعد اللعبة لم يكن قابلا للمراجعة إلى أن اتصل ترامب بإنفانتينو ليؤكد أن حكم القانون في كرة القدم، كما في أمريكا، لا يطبق على الرئيس».
وكان وزير العدل الأمريكي الأسبق روبرت رايش أكثر وضوحاً عندما كتب في مقال نشرته صحيفة الغارديان: «إن الواقعة تمثل امتدادا لنهج سياسي يتجاهل القواعد كلما تعارضت مع مصالح ترامب». ويضيف: «إن المجتمعات تعلم أبناءها احترام قرارات الحكّام حتى وإن بدت ظالمة، لأن الثقة في المؤسسات تقوم على قبول القواعد، لكن ترامب يبعث للعالم برسالة معاكسة مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تلتزم بالقواعد، ولا تقبل الخسارة، ولا تعترف بأحكام القانون». ليختم باستنتاج قاسٍ ولكنه حقيقي: «إن تدخل ترامب أفسد نزاهة البطولة».
ونختم هذه المقتطفات التي تدخل في نطاق «شهد شاهد من أهلها» بما جاء في صحيفة الديلي تلغراف حيث اعتبرت ما جرى بأنه: «انحدار جديد مخجل للفيفا!».
كنا في «الأيام» قبل هذه الحادثة، قد هيأنا ملفا مطولا عن عرش الفيفا الذي هزّته الولايات المتحدة الأمريكية عندما فقدت شرف تنظيم كأس العالم لسنة 2022 الذي فازت به قطر! وفي هذه النازلة، كانت أمريكا على صواب، ويحكي الملف، الذي هو غلافنا لهذا العدد، أن رئيس اللجنة، وهو الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون عندما عاد إلى جناحه بالفندق ضرب زجاج مرآة بقطعة ديكور حتى تكسر حسرة على ما جرى.
لم تكتف الولايات المتحدة الأمريكية حينها بالاحتجاج والحسرة، بل إنها شغلت أكبر جهاز استخباراتي لديها وقادت حملة تفتيش في «أمعاء» الفيفا ومسؤوليها إلى أن نجحت في إسقاط رئيسها الإمبراطور جوزيف بلاتير ومن معه بتهم الفساد، وتم انتخاب جهاز جديد وتغيير قواعد الفيفا ومنها أن يصوت ممثلو الاتحادات الذين يتجاوز عددهم الـ 200 بدل 25 عضوا فقط في السابق على من سيحتضن منافسات كأس العالم وهذا يصعب بشكل كبير استمالتهم بالمال.
الغريب أن المغرب وجد نفسه في هذه المعمعة حينها، وتواجه مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من صلابة ملف واشنطن، فإن حادثة الفشل في الظفر بتنظيم دورة 2022 أصبحت عقدة بأمريكا، مما جعل ترامب يتدخل آنذاك بتدوينة بقيت في التاريخ نشرت في 26 أبريل 2018 قال فيها: «لقد صاغت الولايات المتحدة الأمريكية ملفا قويّا رفقة كندا والمكسيك لنسخة كأس العالم 2026، وسيكون من المخزي أن تقوم دول ندعمها دائما بممارسة ضغوط ضد الملف الأمريكي. لماذا يتعيّن علينا الاستمرار في دعم دول لا تدعمنا بما في ذلك داخل أروقة منظمة الأمم المتحدة».
ولما كان المغرب من منافسي ملف الترشيح الأمريكي آنذاك، فإن رد مسؤول الملف المغربي حينها منصف بلخياط كان جريئا بذكائه حيث قال: «أعتقد أن دونالد ترامب يمثل عاملا يصب في مصلحة المغرب!». أما الفيفا حينها فلم ترضخ كما اليوم، بل سارعت بالرد الحازم، وقالت: «إن ترامب قد خرق ضوابط الترشيح الذي من المفترض أن ننأى به عن كل تأثيرات سياسية خارجية».
ما أبعد الأمس القريب عن اليوم. فترامب يعتقد أنه ليس فوق الفيفا فقط، ولكنه فوق القانون الدولي، وفوق العالمين، والأدهى أن الأمر لم يعد مرتبطا بشخص نرجسي ستنتهي حماقات البيت الأبيض بخروجه منه، ولكننا إزاء منظومة متكاملة أصبحت تجعل من القوة قانونا بدل أن تكون القوة للقانون، حيث يتم تفكيك المؤسسات الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية لحماية الأمن والسلم الدوليين، والتحكم في منظمات أخرى تتميز بالنفوذ ومنها «الفيفا» التي أصبح رئيسها إنفانتينو اليوم ظلا لترامب، وقد سلمه مؤخرا «جائزة الفيفا للسلام» ويفتخر بصداقته ويرافقه إلى أحداث سياسية محضة لا علاقة للكرة بها. وهذا يضرب اليوم نزاهة وشفافية هذه اللعبة في مقتل!
ورغم كل هذه الجعجعة، خسر «منتخب ترامب» أمام المنتخب البلجيكي بأربعة أهداف لواحد، لكن لنتصور، من باب البسط، لو قدر للولايات المتحدة مواجهة المنتخب المغربي في نهائي هذا الكأس العالمي، ألن يتدخل ترامب ويلوي ذراعنا ويذكرنا بدعمه لنا في قضايانا المصيرية ويلوي معها ذراع الفيفا؟! مثال كاريكاتوري ولكنه يقدم صورة عن هذا العالم المجنون الذي قد تتحول فيه كأس العالم إلى ما يشبه انتخابات في دولة من دول العالم الثالث !
هذا محزن حقا، ومع ذلك نتمنى للأسود حظا سعيدا في غابة النفوذ هذه، فرفع المملكة لكأس العالم لم يعد مستحيلا.