عادل الحامدي يكتب: المغرب وفلسطين.. تضامن تاريخي لا تُفسده حسابات الحرب الباردة


 

 

في زمن تتكاثر فيه المآسي الإنسانية وتتراجع فيه مساحة التضامن الحقيقي، بقيت فلسطين واحدة من أكثر القضايا حضوراً في ضمير العالم. فمنذ عقود، لم تعد القضية الفلسطينية مجرد نزاع سياسي أو ملف دبلوماسي، بل تحولت إلى رمز عالمي للعدالة والحرية وحق الشعوب في العيش بكرامة. ولذلك فإن كل جهد صادق يهدف إلى رفع الظلم عن الفلسطينيين، وإنهاء الحصار عن غزة، وحماية المدنيين، يستحق التقدير والاحترام.

 

ومن هذا المنطلق، فإن المبادرات المدنية الدولية التي تحاول كسر الحصار المفروض على قطاع غزة تمثل تعبيراً مهماً عن قوة الضمير الشعبي العالمي. ويأتي **أسطول الصمود العالمي** في هذا السياق باعتباره محاولة لإيصال رسالة إنسانية وسياسية مفادها أن معاناة الفلسطينيين لا يمكن أن تستمر في ظل صمت دولي، وأن الشعوب قادرة على التحرك حين تعجز المؤسسات الرسمية أو تتأخر عن القيام بمسؤولياتها.

 

لقد أظهر المشاركون في هذه المبادرة شجاعة لافتة في مواجهة واقع معقد، وتحملوا المخاطر من أجل لفت الانتباه إلى مأساة غزة، مؤكدين أن التضامن مع المظلومين قيمة إنسانية تتجاوز الحدود والهويات. وهذه الرسالة النبيلة تستحق أن تُحفظ وأن تبقى في إطارها الأساسي: الدفاع عن حياة الفلسطينيين وحقوقهم وكرامتهم.

 

لكن قوة أي قضية عادلة تكمن أيضاً في قدرتها على الحفاظ على نقائها الأخلاقي، وعدم تحويلها إلى منصة لتصفية حسابات سياسية أخرى أو لإعادة إنتاج صراعات أيديولوجية قديمة. ففلسطين، بما تحمله من تاريخ طويل من المعاناة والظلم، لا تحتاج إلى مقارنات مفتعلة أو إلى ربطها بملفات أخرى حتى تثبت عدالتها؛ إذ إن الاحتلال والتهجير والحصار والقتل كافية وحدها لتفسير حجم التضامن العالمي معها.

 

حين تنحرف البوصلة عن فلسطين

في هذا السياق، أثار نشر شريط مصور يتناول العلاقة بين الصحراء المغربية والقضية الفلسطينية نقاشاً واسعاً، خصوصاً في المغرب، حيث اعتبر كثيرون أن إدخال قضية الصحراء في مبادرة تأسست أساساً من أجل كسر الحصار عن غزة يمثل خروجاً عن الهدف الذي جمع المشاركين فيها.

 

ومن المهم هنا التأكيد على أن هذا الشريط لا يمكن اختزاله في موقف جميع المشاركين في **أسطول الصمود العالمي**، ولا التعبير عنه باعتباره موقفاً جماعياً للتحالف. فالغالبية العظمى من المشاركين في هذه المبادرة انخرطوا بدافع واحد وواضح: التضامن مع الشعب الفلسطيني، ورفض الحصار المفروض على غزة، والمساهمة في إيصال صوت الفلسطينيين إلى العالم.

 

إن اختزال مئات الناشطين والمتضامنين من مختلف أنحاء العالم في موقف ورد في مادة مصورة أو تبنته جهات محددة داخل هذا الفضاء سيكون إجحافاً بحق كثيرين حملوا راية فلسطين انطلاقاً من قناعة إنسانية وأخلاقية، لا من حسابات أيديولوجية أو أجندات سياسية مرتبطة بقضايا أخرى.

 

لكن في المقابل، فإن من حق المتابعين التساؤل عن الحكمة من إدخال ملفات خلافية خارج الهدف الأصلي للمبادرة. فأسطول الصمود لم يُنشأ من أجل معالجة كل القضايا السياسية في العالم، بل من أجل قضية محددة وواضحة هي فلسطين، وتحديداً رفع الحصار عن غزة وإبراز معاناة الفلسطينيين. وكل خروج عن هذا المسار يهدد بتشتيت الرسالة وإضعاف التعاطف الواسع الذي حظيت به المبادرة.

 

إن القضية الفلسطينية، بما تحمله من عدالة إنسانية وتاريخية، أكبر من أن تكون جزءاً من سجالات أيديولوجية جانبية، كما أنها لا تحتاج إلى ربطها بملفات أخرى حتى تكتسب مشروعيتها. فغزة وحدها، بما قدمته من تضحيات ومعاناة، كافية لتوحيد الضمائر واستنهاض التضامن العالمي.

 

ومن هنا، فإن الإشكال ليس في وجود اختلافات في الرأي داخل أي حركة تضامن، فهذا أمر طبيعي في المبادرات التي تضم أطيافاً متعددة، وإنما في تحويل مبادرة ولدت من أجل فلسطين إلى مساحة لإقحام قضايا أخرى لا تحظى بالإجماع بين المشاركين، وقد تؤدي إلى إبعاد الأنظار عن الرسالة الأساسية التي من أجلها تحركت هذه السفن.

 

إن أفضل خدمة يمكن تقديمها لفلسطين هي الحفاظ على وحدة المتضامنين حولها، واحترام تنوعهم، وعدم تحميلهم مواقف لم يتبنّوها، وفي الوقت نفسه رفض أي محاولة لتحويل التضامن مع غزة إلى منصة لخلافات أخرى.

 

فلسطين لا تحتاج إلى ظلم قضية أخرى

إن الدفاع عن فلسطين لا يتطلب بأي حال من الأحوال المساس بحقوق الآخرين أو تجاهل حساسيات الشعوب وقضاياها الوطنية. فكما أن الفلسطينيين يطالبون بحقهم في الحرية وإنهاء الاحتلال، فإن الشعوب والدول تتمسك بحقها في الحفاظ على وحدتها وسيادتها.

 

ومن هذا المنطلق، فإن المقارنة بين القضية الفلسطينية وقضية الصحراء المغربية تفتقر إلى الدقة، لأن لكل ملف سياقه التاريخي والسياسي والقانوني الخاص. ففلسطين قضية شعب يعيش تحت الاحتلال ويواجه مشروعاً استيطانياً وتهجيرياً، بينما يرى المغاربة أن الصحراء المغربية جزء لا يتجزأ من تراب المملكة ووحدتها الوطنية، وأن أي مشروع يستهدف تقسيم البلاد يمثل مساساً بثابت وطني جامع.

 

إن احترام عدالة فلسطين لا يعني القبول بتوظيفها في سجالات أخرى، كما أن الدفاع عن وحدة المغرب لا يتعارض مع دعم الحقوق الفلسطينية. بل إن المبدأ الذي يجمع بين الموقفين هو احترام حقوق الشعوب، ورفض الظلم، والابتعاد عن المعايير المزدوجة.

 

فلا يمكن أن ندافع عن حق شعب في أرضه وكرامته، ثم نقبل في الوقت نفسه أن تُستخدم شعارات الحرية لتبرير مشاريع تقسيم أو إضعاف دول أخرى. فالعدالة لا تكون انتقائية، وحقوق الشعوب لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات تخدم حسابات سياسية متغيرة.

 

المغرب وفلسطين.. ذاكرة تاريخية ووفاء شعبي لا يتغير

ليس من قبيل المصادفة أن يرتبط اسم المغرب منذ قرون بفلسطين وبالقدس والمسجد الأقصى. فالمغرب الأقصى، الذي حمل اسمه صدى البعد الجغرافي والروحي نحو أقصى المشرق، ظل جزءاً من الوجدان الفلسطيني والعربي، كما ظل المغاربة يعتبرون القدس وفلسطين جزءاً من قضاياهم التاريخية والإنسانية.

 

ومنذ بداية العدوان على قطاع غزة وما رافقه من مأساة إنسانية غير مسبوقة، برز الشعب المغربي في مقدمة الشعوب التي عبّرت عن تضامنها مع الفلسطينيين. فقد خرجت حشود كبيرة في مختلف المدن المغربية، أسبوعاً بعد أسبوع، رافعة الأعلام الفلسطينية ومنددة بالقتل والحصار والتجويع، ومطالبة بوقف الحرب وإنقاذ المدنيين.

 

لقد تحولت شوارع الرباط والدار البيضاء وفاس وطنجة ومراكش وغيرها من المدن المغربية إلى ساحات تضامن مفتوحة مع غزة، في مشهد يعكس عمق الارتباط الشعبي بالقضية الفلسطينية، بعيداً عن الحسابات السياسية الظرفية. ولم يكن هذا الحضور مجرد تعاطف عابر مع أزمة إنسانية، بل امتداداً لذاكرة تاريخية وشعور راسخ بأن فلسطين قضية عدل وكرامة.

 

إن المغاربة الذين خرجوا في مسيرات التضامن، والذين حملوا صور أطفال غزة ورفعوا شعارات نصرة فلسطين، لم يفعلوا ذلك بحثاً عن مكاسب سياسية أو انتظاراً لإشادة من أحد، بل انطلاقاً من قناعة شعبية عميقة بأن الوقوف إلى جانب المظلوم واجب أخلاقي.

 

ومن هنا، فإن أي خطاب أو مادة إعلامية تتضمن إساءة إلى المغرب أو تمس وحدته الوطنية لا يمكن إلا أن تُفهم باعتبارها إساءة إلى شعب كان في طليعة الشعوب التي وقفت إلى جانب غزة في أصعب لحظاتها. فالشعب الذي فتح قلبه لفلسطين، وخرج نصرة لأهلها، لا يستحق أن تُقابل مشاعره بالتشكيك أو أن تُستغل قضيته المقدسة لتمرير مواقف تمس ثوابته الوطنية.

 

التضامن مع فلسطين لا يحتاج إلى وصاية أيديولوجية

إن فلسطين ليست بحاجة إلى استيراد خلافات أخرى حتى تكتسب عدالتها، كما أن نصرتها لا تحتاج إلى وصاية من تيارات سياسية أو أيديولوجية عاشت زمناً طويلاً داخل ثنائيات الماضي.

 

لقد أثبتت غزة أن فلسطين قادرة على جمع المختلفين حول العالم، من حركات حقوقية وإنسانية ونقابات وشخصيات مستقلة، وأن قوتها تكمن في بعدها الأخلاقي والإنساني. لذلك فإن تحويل التضامن معها إلى مساحة لتصفية حسابات تاريخية أو صراعات أيديولوجية قديمة يسيء إلى القضية أكثر مما يخدمها.

 

إن بعض القراءات التي تحاول وضع قضايا مختلفة ضمن قالب واحد تنتمي إلى زمن سياسي سابق، حين كانت خرائط الحرب الباردة تتحكم في كثير من المواقف والتحالفات. أما اليوم، فإن احترام الشعوب يقتضي قراءة أكثر تعقيداً وعدلاً، تميز بين القضايا ولا تختزلها في شعارات جاهزة.

 

إن أسطول الصمود العالمي قدم صورة مهمة عن التضامن الشعبي الدولي مع غزة، وهذه الصورة تستحق التقدير. لكن الحفاظ على رسالته يقتضي إبقاء البوصلة موجهة نحو الهدف الذي انطلق من أجله: رفع الحصار عن الفلسطينيين، حماية المدنيين، وإيصال صوت غزة إلى العالم.

 

أما تحويل مبادرات التضامن إلى منصات للتشكيك في وحدة الدول أو المساس بثوابتها الوطنية، فإنه يفتح نقاشات جانبية ويشتت الجهد عن القضية الأساسية.

 

في النهاية، تبقى القاعدة الأخلاقية الواضحة: **نصرة المظلوم لا تكون بظلم الآخرين، والدفاع عن حق شعب لا يكون عبر إنكار حقوق شعوب ودول أخرى.**

 

ففلسطين قضية عدالة تستحق كل التضامن، والمغرب وطن له تاريخه وهويته ووحدته وسيادته. وبين الأمرين لا يوجد تناقض؛ لأن من يدافع عن الحرية الحقيقية لا يمكن أن يكون خصماً لحق الشعوب في الحفاظ على أوطانها.

 

وفلسطين التي أحبها المغاربة ودافعوا عنها في الشوارع والساحات، تستحق أن تبقى قضية جامعة للضمائر، لا أن تتحول إلى أداة لإيذاء من وقفوا إلى جانبها.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً