محمد غازي يكتب: المشاركة السياسية بين فقه الممكن وحلم التغيير الجذري


 

 

يكاد لا يوجد سؤال شغل الحركات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية أكثر من سؤال: “كيف يكون الإصلاح؟” هل يكون بالمشاركة في مؤسسات الدولة القائمة، مهما كانت محدودة الصلاحيات؟ أم يكون برفضها انتظارًا لتغيير جذري يفضي إلى نظام جديد؟.

هذا السؤال ليس مغربيا خالصا، ولا هو وليد تجربة حزب أو جماعة بعينها، بل هو سؤال رافق الفكر السياسي الإسلامي منذ عقود، واختلفت فيه الاجتهادات باختلاف قراءة الواقع، وتقدير المصالح والمفاسد، وتصور وسائل التغيير.

وقد انقسمت هذه الأحزاب والحركات الإسلامية، كما انقسمت قبلها المدارس السياسية في العالم، بين من اختار “فقه الممكن”، وبين من تمسك بما يمكن تسميته “أفق التغيير الشامل”، ولكل فريق أدلته، ولكلٍّ اجتهاد منطقه، ما دام يتحرك في دائرة السياسة والاجتهاد البشري، لا في دائرة العقائد والثوابت.

لقد جاءت الشريعة نفسها لتقرر أن التكليف مرتبط بالاستطاعة، فقال تعالى: “فاتقوا الله ما استطعتم”، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم”، وهذان النصان لا يقتصران على العبادات، بل يؤسسان لقاعدة عامة مفادها أن الإنسان مأمور بتحقيق الخير في حدود ما يقدر عليه، لا في حدود ما يتمناه.

ومن هنا نشأ في الفقه الإسلامي ما عرف بفقه الموازنات وفقه المآلات، حيث لا يكون السؤال: ما هو المثال الكامل؟ بل: “ما هو الخير الممكن في هذا الظرف؟.

ولعل أوضح مثال على ذلك صلح الحديبية، الذي بدا لكثير من الصحابة تنازلا مؤلما، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: “ألست نبي الله حقا؟”، لكنه كان صلحا فتح أبوابا لم تكن الحرب لتفتحها، حتى سماه القرآن “فتحا مبينا”، لقد انتصر النبي صلى الله عليه وسلم بمنطق المآلات لا بمنطق المكاسب الآنية.

 

ويبرز نموذج آخر في قصة يوسف عليه السلام، حين قال لملك مصر: “اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم”. فقد طلب تحمل مسؤولية داخل نظام لم يكن نظاما نبويا، لأنه رأى في ذلك مصلحة للناس، ودفعا للفساد، وإنقاذا للمجتمع من المجاعة. وقد استدل عدد من العلماء بهذه القصة على جواز تولي المسؤوليات العامة إذا كان في ذلك تحقيق لمصلحة راجحة.

 

ولذلك قرر شيخ الإسلام ابن تيمية قاعدة أصبحت من أعمدة السياسة الشرعية، حين قال: “العاقل ليس الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين، وشر الشرين”، كما قرر أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها ما أمكن.

لهذه الرؤية هي التي دفعت فريقًا من الإسلاميين إلى المشاركة السياسية، معتبرين أن المؤسسات، مهما كانت محدودة، تتيح فرصا للإصلاح، والدفاع عن الحريات، وخدمة الناس، واكتساب الخبرة، وتقديم نموذج في التدبير، ولو لم يكن كاملا.

وفي المقابل، رأت حركات أخرى أن المشاركة في ظل موازين القوى القائمة لا تؤدي إلى إصلاح حقيقي، وأنها قد تمنح “شرعية” لواقع لا تملك تغييره، وأن الدولة تظل ممسكة بمفاصل القرار الأساسية، بحيث تصبح المشاركة مجرد إدارة للهامش لا تأثير في المركز.

ولا يمكن إنكار أن لكل من الرؤيتين شواهد من الواقع، كما لا يمكن إنكار أن كليهما يظل اجتهادا سياسيا، يحتمل الصواب والخطأ.

ولعل من المفيد هنا استحضار ما كتبه الدكتور عبد العالي مجذوب، وهو من القيادات السابقة في جماعة العدل والإحسان، حين تساءل بعد سنوات من التجربة: إذا كانت الانتخابات لا تحقق تغييرا، والانقلاب العسكري مستحيل، و”القومة” كما صاغها الأستاذ عبد السلام ياسين غير متاحة في الواقع، فما البديل السياسي العملي؟ وهو سؤال لا ينبغي أن يُفهم باعتباره طعنا في الجماعة، بل دعوة إلى مراجعة الوسائل في ضوء تغير الظروف.

واللافت أن الأستاذ عبد السلام ياسين نفسه كان يرفض أن يتحول اجتهاده إلى عقيدة مغلقة، فقد قال في حديث موثق: “ما كان قصدي أن أقف حجر عثرة أمام أي كان… وعلى الناس أن ينتقدوا، وأن يحللوا، وأن يردوا، وأن يأخذوا، وأن يطوروا، ” كما حذر من أن يُتخذ فكره “وثنًا” يُوقف عنده الاجتهاد.

وهنا تكمن إحدى أهم الإشكالات في العمل السياسي: “حين تتحول الوسائل إلى مقدسات، والاجتهادات إلى مسلمات، والاختيارات السياسية إلى عقائد لا يجوز الاقتراب منها”.

إن السياسة بطبيعتها مجال للاجتهاد، وليست مجالا للعصمة، وما كان رأيا سياسيا بالأمس قد يحتاج إلى مراجعة اليوم، لأن الواقع يتغير، وموازين القوى تتبدل، والمصلحة قد تنتقل من خيار إلى آخر.

ولهذا كان الإمام الشاطبي يؤكد أن المجتهد لا يكفيه النظر في الفعل ذاته، بل يجب أن ينظر أيضًا في مآلاته ونتائجه، لأن الأحكام قد تختلف باختلاف ما تؤول إليه الأفعال.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الإيمان بأن وسيلة واحدة تصلح لكل زمان ومكان، وإنما يبدأ بالاعتراف بأن السياسة فن إدارة الممكن، لا فن مطاردة المثال المجرد، فلا المشاركة السياسية تضمن النجاح دائما، ولا المقاطعة تؤدي بالضرورة إلى التغيير، وكلتا الوسيلتين تحتاجان إلى مراجعة دائمة في ضوء الواقع والنتائج.

إن الأمم لا تنهض حين تنتصر مدرسة على أخرى، وإنما تنهض حين تصبح المراجعة فضيلة، ويصبح النقد دليلا على الحيوية لا على الخيانة، ويصبح الاختلاف في الوسائل رحمة لا سببا للتخوين.
فالحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بالحق، والاجتهاد السياسي يظل اجتهادا بشريا، يؤخذ منه ويُرد، ولا يسمو فوق النقد مهما كان صاحبه، لأن العصمة انقطعت بانقطاع الوحي.

مقالات مرتبطة :

تعليقات الزوار
  1. حفصة

    إذا كان الهدف واحد و هو إتباع سنة الله في الأرض فلماذا نسجن أنفسنا باتباع الغرب و قوانينهم مادام لنا أحكام شرعية ودين عظيم يؤطرنا؟لماذا يفصل الدين عن السياسية ؟ وهما واحدان

  2. انس

    أعجبني هذا الطرح لأنه يبين أن وسائل الإصلاح ليست مقدسة، وإنما هي اجتهادات بشرية قد تصيب وقد تخطئ، لذلك ينبغي تقييمها من خلال نتائجها وما تحققه من مصلحة للناس، مع بقاء باب المراجعة مفتوحًا. وهذا ينسجم مع قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقول النبي ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، فالإصلاح يكون بحسب الاستطاعة وتحقيق المصلحة، لا بمجرد التمسك بوسيلة واحدة في كل زمان ومكان.

  3. محمد

    مقال متزن لا يهاجم أي طرف باعتبار جل الأطراف مجتهدون شركاء لا متنازعون.

اترك تعليق


إقرأ أيضاً