“النص الغائب” في قانون المحاماة أمام القاضي الدستوري بين المسؤولية السياسية والإدارية
حسن الهيثمي (باحث في القانون، عدل باستئنافية الرباط)
على خلفية الجدل الذي أثاره قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د بشأن قانون تنظيم مهنة المحاماة، يمكن أن تكون البداية هذا المشهد..داخل أروقة المحكمة الدستورية، يجتمع القضاة في جلسة مداولة للنظر في إحالة القانون المذكور..يضع الأمين العام للمحكمة الدستورية أمام كل واحد من قضاة هذه المحكمة نسخة من ملف رسالة الإحالة الموقعة باسم وخاتم رئيس مجلس النواب، راشد الطالبي العلمي.
غير أن القضاة، حين يفحصون وثائق الملف المعروض عليهم، لا يجدون سوى تقرير لجنة برلمانية حول مشروع القانون في قراءته الثانية، كما وافق عليه مجلس النواب في إطار قراءة ثانية بتاريخ 06 يوليو 2026، وهو ما جاء في ديباجة القرار “بعد اطلاعها على تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، والمتضمن لمشروع القانون المذكور كما وافق عليه مجلس النواب في إطار قراءة ثانية بتاريخ 06 يوليو 2026، والمحال إليها برسالة السيد رئيس مجلس النواب، المسجلة بالأمانة العامة لهذه المحكمة في 8 يوليو 2026، التي يطلب فيها البت في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور”.
ليَبدأ التفتيش عن الوثيقة الأساسية “الغائبة” التي يُفترض أن تنصبّ عليها رقابتهم الدستورية، وهي النص النهائي للقانون، كما وافقت عليه الغرفة الثانية في قراءة ثانية بتاريخ 7 يوليوز 2026، فلا يجدون له أثرا بين دفتي ملف الإحالة، وهو ما جاء في احدى حيثيات القرار “حيث إن رسالة إحالة السيد رئيس مجلس النواب المذكورة أعلاه، وإن تضمن موضوعها “إحالة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للبت في مطابقته للدستور”، فإنها أرفقت بنسخة من “تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في إطار قراءة ثانية”، يتضمن، مجموعة من الوثائق من بينها، مشروع القانون رقم 66.23 كما وافق عليه مجلس النواب في إطار قراءة ثانية بتاريخ 06 يوليو 2026، ولم ترفق بنص القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليو2026”.
لقد كشف قرار المحكمة الدستورية أن الملف المودع لدى أمانتها العامة خال من الصيغة النهائية للنص المراد فحص دستوريته، وهو ما جعلها تصرح بـما يلي : “تعذر البت في الإحالة على حالها”، لأنه لايمكن ممارسة الرقابة الدستورية القبلية على نص غير متاح؟ وهو ماأكدته احدى حيثيات القرار” ان اكتفاء الجهة المحيلة بإرفاق رسالة الإحالة بتقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة برلمانية، ضُمن فيه مشروع القانون المذكور، قبل تمام الموافقة عليه، لا يُمكّن المحكمة من بسط رقابتها على القانون المطلوب البت في مطابقته للدستور”.
ويمكن بعد قراءة متأنية للقرار طرح عدة أسئلة من بينها، لماذا بعدما وضع القاضي الدستوري يده على الخلل المسطري ورتّب عليه أثره القانوني، لم يشر بشكل مباشر إلى الجهة المتسببة في هذا الخلل المسطري، هل الإدارة البرلمانية أو رئاسة مجلس النواب ؟
إذا كانت إمكانية إحالة القوانين العادية قبل اصدار الامر بتنفيذها، ترد على المحكمة الدستورية من احدى الجهات المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، لتبت في مطابقتها للدستور، والمتمثلة في هذه النازلة في رئيس مجلس النواب، الذي وإن كان يعتمد على الإدارة البرلمانية في الاعداد المادي والتقني لملفات الاحالة، إلا أن مسؤوليته السياسية رفقة مكتبه المسير تظل قائمة بالنظر إلى أن الإحالة تُعد تصرفا دستوريا صريحا يوقعه الرئيس بصفته السياسية والمؤسساتية، وهو ما قد يعفي الإدارة البرلمانية (الكتابة العامة لمجلس النواب) من المسؤولية بالنظر لكون دورها يقتصر على المهام التقنية والاشراف على التنسيق الإداري العام وتنفيذ قرارات مكتب المجلس ورئيسه.
فهل يمكن بنفس المنطق اعفاء الأمانة العامة للمحكمة الدستورية، التي يثار سؤال حول ما اذا كان بإمكانها إرجاع الإحالة فور استقبالها وطلب من مصدرها استكمال الوثائق، أم أن الأمين العام للمحكمة الدستورية يجد يده مقيدة في هذه النازلة بالنظر لكونه لايملك الولاية القضائية ولا السلطة التقديرية التي تتيح له تقييم مدى اكتمال الملف على مستوى الشكل إذ ينحصر دوره في التسجيل مما يجعله بمنأى عن تحمل أي مسؤولية مسطرية بشأن هذا النقص.
لكن، ما سبب عدم تصريح المحكمة الدستورية بعد أيام قليلة من توصلها بهذه الإحالة، مادام الأمر يتعلق بعيب مسطري ولا يتطلب خوضا في فحص مواد قانون مهنة المحاماة ؟
بالإضافة إلى أن الأمين العام للمحكمة الدستورية يجد يده مغلولة، فإن البت في أي إحالة يتطلب فحصها من قبل قضاة المحكمة الدستورية والتداول فيها قبل اصدار قرار بشأنها باسم جلالة الملك وباسم القانون، وفق القواعد المنصوص عليها في القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية.
فلا يمكن أن يصدر قرار فوري بمجرد اكتشاف النقص، بل يجب احترام مسطرة التداول التي تشترط حضور تسعة أعضاء على الأقل، واتخاذ القرارات بأغلبية ثلثي الأعضاء، أو بالأغلبية المطلقة بعد دورتين للتصويت، وهي شكليات تصون القرارات الصادرة عن القاضي الدستوري، والتي تبدأ من احترام القواعد المسطرية للإحالة قبل الخوض في مضمونها، وهو ما صرحت به المحكمة الدستورية في الحيثية الأخيرة لقرارها المذكور بالعبارة التالية : “وحيث إنه، تأسيسا على ما سبق، لايمكن للمحكمة الدستورية أن تفصل في دستورية نص لم يُعرض عليها وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بهذه المحكمة، مما يتعذر معه البت في الإحالة المعروضة عليها، على حالها”.