عودة موسم الهجرة إلى الشمال.. حين يغدو البحر الملاذ الأخير


 

بقلم هشام السعداني

 

لم تكن الساعات الأخيرة من شهر يوليوز 2026 مجرد حدث عابر في سجل الهجرة غير النظامية، بل صدمة مجتمعية
قاسية تجسدت في تدافع أمواج بشرية عارمة نحو السياج الحدودي وشواطئ مدينة سبتة هذا التدفق الذي وُصف بأنه
الأكبر والأخطر تاريخياً، أعاد إلى الأذهان رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” ولكن بمداد من التراجيديا والواقعية
المؤلمة؛ حيث تحول حلم الفردوس الأوروبي المتخيل في لحظات إلى كابوس حقيقي قوامه الفوضى، الغرق، والاعتقال.

أرقام متضاربة ونزيف بشري واحد

تكشف البيانات الإحصائية الرسمية عن تباين واضح في رصد حجم الكارثة بين السلطات المغربية والإسبانية، غير أن
كلا الحصيلتين تؤكدان استثنائية الحادث. ففي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الداخلية المغربية أن نحو 40,000 شخص
حاولوا التوجه والعبور نحو سبتة، قدرت السلطات الإسبانية ومندوبية الحكومة هناك أن الأعداد التي نجحت بالفعل في
اختراق واجتياز الحدود قفزت لترواح ما بين 50,000 إلى 60,000 نازح خلال ذروة الأزمة في أقل من 24 ساعة.
هذا التباين انسحب أيضاً على حصيلة الموتى والضحايا نتيجة استمرار عمليات تمشيط البحر. إذ سجلت الحصيلة الرسمية
لوزارة الداخلية المغربية 11 حالة وفاة (10 غرقاً وحالة سقوط عرضي من منحدر صخري)، بالمقابل أكدت مصادر
أمنية وفرق الإنقاذ الإسبانية انتشال ما لا يقل عن 72 إلى 88 جثة من مياه البحر قبالة الساحل حتى مطلع شهر أغسطس.
وفي المقابل، تشير التقديرات الأمنية الإسبانية ووكالة الأنباء “إيفي” إلى أن الغالبية العظمى من المهاجرين عادوا طوعاً
أو تم ترحيلهم فورياً؛ حيث غادر سبتة اتجاه الأراضي المغربية ما بين 69,500 و73,500 شخص عبر قنوات التنسيق
الثنائي والحافلات التي وفرتها السلطات.

هجرة “الطمأنينة” لا الجوع

إن الملمح الأكثر إثارة للانتباه والتحليل في هذه الموجة البشرية، هو غياب الطابع الكلاسيكي للهجرة المرتبط حصراً
بالفقر المدقع. فقد رصد المتابعون مشاركة لافتة لأفراد وعائلات ينتمون للطبقة المتوسطة، ممن يملكون استقراراً مادياً
ووظائف، بل وسيارات خاصة ركنوها قرب الشواطئ قبل ركوب البحر سباحة هنا يطرح السؤال الجوهري نفسه:
من ماذا يهرب هؤلاء؟ إن الهروب هنا لم يكن طلباً للقمة العيش، بل كان هروباً سيكولوجياً واجتماعياً بامتياز، تكمن
وراءه دوافع معقدة. أولها الخوف من المستقبل وتآكل القدرة الشرائية؛ حيث تعاني هذه الفئة من ضغوط التضخم
الصاروخي للأسعار، وشعور حاد بأن استقرارها “الهش” مهدد بالتلاشي، مما خلق ذعراً جمعياً من الانزلاق نحو الفقر
مستقبلاً.

وثانيها البحث عن جودة الحياة والخدمات الأساسية، فالكثير من العائلات المرتاحة مادياً تهاجر لشراء نظام
تعليمي وصحي ضامن ومجاني لأبنائها في أوروبا، بعد أن أنهكها الإنفاق على المدارس والمصحات الخاصة محلياً دون
الحصول على جودة مستدامة إلى جانب ذلك، أسهم التدفق المفاجئ والشائعات الرقمية في خلق حالة ذهنية جماعية تُعرف
ب”الخوف من فوات الفرصة فعندما يرى الفرد آلاف الأشخاص يتحركون معاً، يتعطل عقله العقلاني ويقوده منطق الحشد
“إذا كان الجميع يرحل، فربما وجب أن ألحق بهم قبل إغلاق الباب”. وهي خطوة تترجم في عمقها أزمة ثقة وفجوة عميقة
تجاه المؤسسات والوعود التنموية المحلية؛ لتصبح الهجرة نوعاً من “الاحتجاج الصامت” وقطعاً لحبل الأمل مع الآفاق
السياسية والاجتماعية الراهنة، بحثاً عن قيمة مواطنة أقوى تتيحها جوازات السفر الغربية وحرية التنقل.

الفضاء الرقمي والشبكات المنظمة

لم تكن هذه الهبة العاصفة تلقائية بالكامل، بل أكدت التحقيقات القضائية لوزارة الداخلية المغربية أنها جاءت نتيجة استغلال
مغرض للفضاء الرقمي. وقادت حسابات مجهولة وعصابات منظمة للإتجار بالبشر حملات تحريضية واسعة وترويج
معلومات تضليلية أوهمت الشباب بإمكانية الدخول بسهولة، مستغلة تأويلات قانونية خاطئة لقرارات إدارية. وقد أسفرت
التحركات الأمنية في الفنيدق وطنجة عن توقيف عشرات المحرضين والمشرفين على مجموعات تطبيق “واتساب”،
وتوجيه تهم تتعلق بالتحريض والتخريب وإضرام النار في الممتلكات العامة.

ناقوس خطر للمستقبل
إن عودة “موسم الهجرة إلى الشمال” بهذا الزخم المرعب وبمشاركة النخب والطبقات المستقرة يدق ناقوس الخطر
بضرورة مراجعة المقاربات المعتمدة. فإذا كانت اليقظة الأمنية والتنسيق المغربي الإسباني قد نجحا في احتواء الفوضى
الميدانية وإعادة الهدوء إلى معبر “تراخال”، فإن المعالجة الحقيقية لم تعد تقتصر على محاربة البطالة فحسب. إنها
تستوجب اليوم استعادة الثقة المفقودة، وتجويد الخدمات العمومية من تعليم وصحة، وتوفير بيئة تضمن “الطمأنينة النفسية
والمستقبلية” للمواطن، حتى يرى في وطنه مستقراً للبناء لا مجرد محطة انتظار للرحيل.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً