تعيش الكاميرون على وقع قضية أثارت جدلا واسعا، بعدما كادت هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية تبث مراسيم رئاسية مزورة تتعلق بتعيين نائب للرئيس وإجراء تعديل حكومي، في واقعة فتحت الباب أمام تحقيقات تقود إلى الدائرة المقربة من الرئيس بول بيا، وسط تصاعد الصراع بين الأجنحة المتنافسة على خلافته.
وبحسب تقرير لمجلة «جون أفريك»، تعود تفاصيل القضية إلى 12 يونيو الماضي، أي بعد أيام قليلة من مغادرة بيا البلاد، حين وصل شخص يدعى يوهان سيتشوم إلى مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون الكاميرونية حاملا مظروفا يضم وثيقتين قُدّمتا على أنهما مرسومان رئاسيان.
وكان من المفترض أن تتضمن الوثيقة الأولى قرارا بتعيين نائب لرئيس الجمهورية، بينما تتعلق الثانية بتعديل حكومي، على أن تتم تلاوتهما خلال النشرة الإخبارية المسائية. وحملت الوثيقتان الختم الرسمي وتوقيع الرئيس بول بيا، قبل أن تثيرا شكوك مسؤولي الهيئة بسبب الطريقة غير المعتادة التي تم من خلالها إيصالهما.
ووفق المعطيات التي أوردتها المجلة الفرنسية، طلب سيتشوم توجيهه إلى مديرية عمليات السيادة التابعة للهيئة، مدعيا أنه مكلف بمهمة من القصر الرئاسي، قبل أن يستقبله مسؤول بارز بالهيئة، لاحظ وجود مخالفات في طريقة إرسال الوثائق وعدم احترام القنوات المعتمدة في المراسلات الرئاسية.
وبعد إبلاغ إدارة الهيئة بالأمر، جرى التواصل مع مدير الديوان المدني للرئيس، ليتأكد أن الوثيقتين لا أساس لهما وأنهما مزورتان. وعلى إثر ذلك، تدخلت مصالح الأمن العسكري، التابعة للوزارة المنتدبة لدى الرئاسة المكلفة بالدفاع، وأوقفت سيتشوم، في وقت لم تكشف فيه تفاصيل الواقعة للرأي العام إلا بعد مرور عدة أيام.
وأمام حالة الاستياء التي أثارتها القضية، أصدرت الحكومة الكاميرونية في 30 يونيو بيانا ذكّرت فيه بأن نشر الوثائق الرسمية، خصوصاً الصادرة عن رئاسة الجمهورية، يخضع لإجراءات ومساطر صارمة.
وتزداد القضية غموضا مع التحقيق في هوية الشخص الذي يقف وراء محاولة تمرير المراسيم المزورة، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى أن سيتشوم، البالغ من العمر نحو 30 سنة، قد لا يكون تحرك بمفرده.
وسيتشوم، الذي درس العلوم السياسية بجامعة سوا، سبق له أن تابع تكوينا في مجال المناجم والصناعات البترولية، ويعمل حاليا موظفا متعاقدا في الخدمة المدنية. وتقول والدته إنه يعاني من الاكتئاب منذ سنوات، وإن شخصاً استغل هشاشته وأقنعه بإعداد وثيقة مزورة باستعمال تطبيق على هاتفه.
غير أن المحققين يشككون في هذه الرواية، بعدما أفادت مصادر استخباراتية بأن سيتشوم وصل إلى مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون برفقة أشخاص انتحلوا صفة ضباط عسكريين بملابس مدنية، قبل أن يختفوا فور انكشاف المخطط. كما أن المشتبه به قدم، خلال التحقيق معه، روايات متباينة حول ظروف الواقعة.
ومنذ توقيفه، لم تكشف السلطات الكاميرونية عن مكان احتجازه أو طبيعة التهم المحتملة الموجهة إليه، فيما تجري جهتان تحقيقات متوازية، هما جهاز الأمن الخارجي ومديرية الأمن الرئاسي، بهدف تحديد ما إذا كان وراء العملية مدبر رئيسي أو شبكة أوسع.
وتأخذ القضية بعدا سياسيا أكبر بسبب ورود اسم أوزوالد بابوك، نائب مدير الديوان المدني للرئيس بول بيا، في أحد المراسيم المزورة باعتباره الشخص المقترح لشغل منصب نائب الرئيس، وهو منصب يكتسي أهمية بالغة في حال حدوث فراغ في السلطة.
وبحسب «جون أفريك»، خضع بابوك للاستجواب من طرف مديرية الأمن الرئاسي في 7 يوليوز الماضي، دون أن تعلن السلطات عن نتائج التحقيق، بينما يؤكد المقربون منه أنه ضحية لمؤامرة سياسية تستهدفه.
وتدعي المديرية العامة للبحوث الخارجية امتلاكها معطيات تشير إلى وجود صلة بين والدة سيتشوم وبابوك، في وقت ينفي مساعدو الأخير أي علاقة تجمعه بالمشتبه به أو أفراد أسرته.
وبينما يبقى اسم بابوك حاضرا في صلب التحقيقات، يظل السؤال الأبرز هو ما إذا كان المسؤول الكاميروني المستفيد المفترض من المرسوم المزور، أم أنه كان بدوره ضحية لمخطط سياسي هدفه الإطاحة به أو تشويه صورته، في ظل احتدام الصراع داخل دوائر السلطة حول مرحلة ما بعد بول بيا.
وتأتي هذه التطورات في وقت يثير فيه الغياب الطويل للرئيس الكاميروني عن البلاد تكهنات متزايدة بشأن مآل السلطة ومستقبل القيادة، فيما تواصل الأجهزة المختصة تحقيقاتها لكشف الجهة التي تقف وراء محاولة تمرير المراسيم الرئاسية المزورة.
وكالات