لم يتجاوز عمر الحكومات الإيطالية منذ الحرب العالمية الثانية الأربع سنوات، لكن رئيسة الوزراء الحالية جورجيا ميلوني كسرت هذه القاعدة، فقد أصبحت حكومتها الأطول استمرارًا في تاريخ إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية.
وبحلول هذا اليوم 4 شتنبر 2026، تكون ميلوني قد دخلت التاريخ السياسي الإيطالي بعدما بلغت حكومتها 1,413 يوماً متواصلاً في السلطة، متجاوزة حكومة برلسكوني الثانية التي استمرت 1,412 يوماً، أي بفارق يوم واحد فقط.
ويرى خبراء بأنه من الصعب فصل هذا الإنجاز عن التحول الكبير الذي طرأ على شخصية ميلوني منذ وصولها إلى السلطة في 2022 باعتبارها إحدى أبرز وجوه اليمين القومي المتشدد في أوروبا.
وبحسب التحليلات، فإن ميلوني لم تحكم بالطريقة التي توقعها كثيرون، إذ اتجهت إلى البراغماتية السياسية، بدلاً من تحويل موقعها إلى منصة لمواجهة مفتوحة مع الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الغربية.
وهذا التحول، وفقًا لـ”بلومبرغ”، يُعد أحد أهم مفاتيح بقائها، فميلوني خففت من صورتها كـ”زعيمة نارية” ونجحت في بناء علاقات أكثر نفوذًا داخل أوروبا، من دون أن تتخلى كلياً عن أجندتها المحافظة والقومية.
لكن “بلومبرغ” ترى أن هذا النجاح يحمل مفارقة سياسية واضحة، تتمثل في أن ميلوني تدفع ثمن فقدانها صفة اليمين المتطرف، فكلما اقتربت من الوسط السياسي الأوروبي، أصبح من الأسهل على منافسين من يمينها اتهامها بالتراجع عن المبادئ التي أوصلتها إلى السلطة.
ويبرز، هنا، روبرتو فانّاتشي مثالًا واضحاً على ذلك؛ فالجنرال السابق، الذي أسس حزب “المستقبل الوطني” بعد خروجه من “الرابطة”، يقدم نفسه بصفته صوتاً أكثر تشدداً في قضايا الهجرة والهوية والعلاقات مع روسيا، مستقطباً ناخبين يرون أن ميلوني أصبحت أكثر اعتدالاً مما ينبغي.
وقد صعد حزبه سريعاً إلى نحو 7.5% في استطلاعات الرأي، مقترباً من أن يصبح لاعبًا مؤثرًا في معسكر اليمين.
واللافت أن ميلوني روضت هذا الخطاب المتشدد من منظورها، فهي لم لم تتخلَّ عن اليمين، كلية، بل أعادت تعريف الطريقة التي يمكن أن يحكم بها اليمين، إذ جعلت الاستقرار والتحالفات والقدرة على التفاوض مع بروكسل وواشنطن جزءاً من مشروعها، بدلاً من الاكتفاء بالخطاب الاحتجاجي الذي ميّز سنواتها في المعارضة.
الأجندة بقيت…
لكن هذه النزعة البراغماتية لا تعني أن أجندتها الأصلية اختفت، بحسب خبراء، ففي ملف الهجرة، على سبيل المثال، دفعت حكومتها باتجاه تشديد الرقابة على الهجرة غير النظامية، وفي الوقت نفسه حاولت نقل المعركة إلى المستوى الأوروبي عبر طرح نموذج مراكز معالجة طلبات اللجوء خارج أراضي الاتحاد. وقد ساعدها ذلك في تحويل قضية كانت جزءًا من خطابها الانتخابي إلى ملف أصبحت تناقش قواعده أوروبا بأكملها.
وعلى المستوى السياسي، استفادت ميلوني أيضا من ضعف المعارضة ومن تماسك ائتلافها، لكن الرقم القياسي لا يخفي حقيقة أن بعض مشاريعها الكبرى واجهت عراقيل، ما يجعل طول عمر الحكومة إنجازًا بحد ذاته، لكنه ليس بالضرورة دليلًا على نجاح كل أجندتها الإصلاحية.
والاختبار الأكثر حساسية قد يأتي من داخل معسكرها، فصعود فانّاتشي يفتح الباب أمام منافسة مباشرة على الناخب اليميني الذي قد يرى أن ميلوني أصبحت أكثر اعتدالًا مما ينبغي.
وبذلك تجد ميلوني نفسها أمام معادلة دقيقة قبل انتخابات 2027، فالاعتدال الذي ساعدها على البقاء في الحكم قد يصبح في الوقت نفسه نقطة ضعفها أمام يمين أكثر تشددًا.
لكن الإنجاز الأهم يبقى، بحسب خبراء، أن ميلوني قلبت إحدى أكثر المسلمات رسوخاً في السياسة الإيطالية: الحكومات قصيرة العمر واليمين العاجز عن التحول إلى قوة حكم مستقرة.