بنكيران ومايسة… حين تستعيد السياسة المغربية صوتها
عادل الحامدي
في المغرب، لا تبدأ السياسة دائماً من البرلمان، ولا تنتهي عند صناديق الاقتراع. أحياناً تبدأ من منبر إعلامي، أو من مقالة، أو من تجمع حزبي، أو من سجال على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم نكتشف بعد ذلك أن ما يبدو في ظاهره خلافاً بين شخصين، يخفي وراءه سؤالاً أكبر عن السياسة والمجتمع والزمن الذي نعيش فيه.
ولعل السجال الدائر اليوم بين عبد الإله بنكيران ومايسة سلامة الناجي واحد من تلك اللحظات التي تستحق أن نتوقف عندها، لا للبحث عن منتصر ومهزوم، ولا لوضع أحدهما في مواجهة الآخر، وإنما لنسأل: ماذا يقول هذا السجال عن السياسة المغربية نفسها؟
فنحن أمام شخصيتين تنتميان إلى عالمين مختلفين، وإن كان يجمعهما شيء أساسي: الرغبة في التأثير في المجال العام.
عبد الإله بنكيران… حين يكون للسياسي ذاكرة
يصعب أن يُكتب عن عبد الإله بنكيران باعتباره مجرد اسم في قائمة رؤساء الحكومات المغربية السابقين. فالرجل ينتمي إلى أولئك السياسيين الذين تركوا بصمتهم في الذاكرة العامة، ليس فقط بما تولوه من مسؤوليات، وإنما بما راكموه من حضور سياسي وفكري وشعبي على امتداد عقود.
لقد جاء بنكيران من مدرسة سياسية مغربية عريقة، مدرسة تشكلت في فضاء العمل الحزبي والنضال السياسي والاحتكاك المباشر بالمجتمع، قبل أن تصل إلى موقع القرار الحكومي.
وحين أصبح رئيساً للحكومة، كان يحمل معه تجربة طويلة في فهم المجتمع المغربي، وفي مخاطبة الناس، وفي الدفاع عن اختياراته السياسية والفكرية.
ولعل من أبرز ما يميز عبد الإله بنكيران أنه سياسي له شخصية واضحة. والسياسة، في زمن تتشابه فيه الخطب وتتشابه فيه العبارات، تحتاج إلى الشخصيات التي يمكن للناس أن يعرفوا أين تقف وماذا تريد وماذا تقول.
وقد استطاع بنكيران، خلال مسيرته، أن يكون واحداً من أكثر السياسيين المغاربة حضوراً في النقاش العمومي، وأن يحافظ على علاقة خاصة مع الجمهور، علاقة لا تقوم فقط على المنصب، وإنما على الحضور والكلمة والقدرة على التواصل.
وهذا ما يجعل أي سجال يدخل فيه بنكيران يتجاوز في العادة حدود اللحظة العابرة؛ لأن المتحدث هنا ليس شخصاً عادياً في المشهد، بل رجل دولة وسياسي من الطراز الرفيع، يحمل وراءه تجربة ومساراً وذاكرة سياسية.
ومن هنا فإن الحوار أو الاختلاف مع عبد الإله بنكيران ينبغي أن يُنظر إليه في سياقه الطبيعي: سجال سياسي بين شخصيات لها حضورها ومكانتها، لا خصومة شخصية تنتقص من قدر أحد.
مايسة… حين يطرق الجيل الجديد باب السياسة
إذا كان بنكيران يمثل جانباً مهماً من المدرسة السياسية المغربية التي نشأت داخل الأحزاب والمؤسسات، فإن مايسة سلامة الناجي تمثل وجهاً آخر من التحول الذي يعرفه المجال العام اليوم.
امرأة مثقفة، ذات حضور إعلامي ورقمي، استطاعت أن تبني لنفسها مساحة واسعة في فضاء لم تعد فيه السياسة حكراً على الأحزاب والصحف والمنابر التقليدية.
ومايسة لا تبدو راغبة في البقاء داخل حدود الإعلام أو التعبير من خارج المؤسسات، وإنما تريد أن تنتقل إلى قلب المجال السياسي، وأن تحول حضورها وتأثيرها إلى مشروع سياسي وانتخابي.
وهنا تحديداً تكمن أهمية التجربة. فمن السهل أن تكون مؤثراً خارج البرلمان، وأن تخاطب جمهوراً واسعاً من خلف شاشة أو عبر منصة رقمية. لكن السياسة داخل المؤسسات شيء آخر؛ لأنها مسؤولية، وتشريع، وميزانيات، وتحالفات، واختيارات، وتدبير للشأن العام.
ومع ذلك، فإن مجرد رغبة امرأة مثقفة في اقتحام المجال السياسي بهذه الثقة والأنفة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها ظاهرة طارئة أو غريبة على المغرب.
بل لعلها، في جانب منها، امتداد لذاكرة مغربية قديمة، كانت فيها المرأة حاضرة في صناعة التاريخ، وليست مجرد متلقية له.
من زينب النفزاوية إلى السيدة الحرة
حين نستحضر النساء المغربيات في التاريخ، نجد أسماء لا يمكن اختزالها في أدوار هامشية.
هناك زينب النفزاوية، التي ارتبط اسمها بالدولة المرابطية، والتي تقدمها المصادر التاريخية باعتبارها امرأة ذات رأي وتدبير وحضور في صناعة القرار.
وهناك فاطمة الفهرية، التي ارتبط اسمها بتأسيس جامع القرويين، ذلك الصرح الذي تجاوز حدود المكان والزمن ليصبح جزءاً من الذاكرة العلمية والحضارية للمغرب.
وهناك السيدة الحرة، حاكمة تطوان في القرن السادس عشر، التي امتلكت حضوراً سياسياً كبيراً، ودخلت التاريخ باعتبارها واحدة من أبرز النساء اللواتي مارسن السلطة والنفوذ في المغرب.
وليس استحضار هذه الأسماء مجرد زينة أدبية.ً إنه تذكير بأن المرأة المغربية لم تكن في تاريخها الطويل غريبة عن المجال العام. الجديد فقط هو أن المنبر تغير.
كانت المرأة السياسية في الماضي تواجه مجالس الحكم والسلطة. أما المرأة اليوم فتواجه فضاءً مفتوحاً لا يغلق أبوابه، اسمه وسائل التواصل الاجتماعي.
كانت الكلمة تُقال في مجلس أو ساحة أو قصر. واليوم يمكن أن تصل الكلمة إلى الملايين في دقائق.
وهذا التحول في الوسيلة غيّر طبيعة السياسة نفسها.
ليست المسألة من انتصر؟
ربما يكون الخطأ الأكبر أن ننظر إلى السجال بين بنكيران ومايسة باعتباره مجرد «معركة كلامية».
لأن السؤال الأهم ليس: من انتصر في هذا السجال؟ وإنما: ماذا أنتج هذا السجال من نقاش؟
السياسة ليست اتفاقاً دائماً. السياسة اختلاف. ومجتمع لا يحتمل الاختلاف يتحول، مع الوقت، إلى مجتمع صامت. والصمت الطويل هو أحد أشكال موت السياسة.
قد نختلف مع هذا الطرف أو ذاك، وقد نرى أن عبارة هنا كان يمكن أن تكون أهدأ، أو أن فكرة هناك كان يمكن أن تكون أعمق، لكن المهم ألا نفقد القدرة على النظر إلى المشهد من فوق تفاصيله.
فالمغرب الذي يختلف فيه سياسي مخضرم مع إعلامية مثقفة صاعدة هو، في جانب من جوانبه، مغرب حي. لأن السياسة التي لا تثير سؤالاً، ولا تنتج خلافاً، ولا تستدعي حجة مضادة، تتحول سريعاً إلى مجرد طقس إداري.
بنكيران… جزء من الذاكرة السياسية المغربية
قد يختلف المغاربة حول عبد الإله بنكيران، كما يختلفون حول كل شخصية سياسية كبيرة. لكن الاختلاف حول السياسي لا يلغي مكانته.
فالرجل أصبح جزءاً من تاريخ السياسة المغربية الحديثة، بما له وما عليه، وبما حققه وما خسره، وبما قاله وما قيل عنه. وهذا هو معنى أن يكون السياسي صاحب تجربة. فالسياسة ليست صفحة بيضاء تُكتب كل صباح. إنها تراكم.
والسياسي الذي أمضى سنوات في العمل الحزبي والمؤسساتي، ثم وصل إلى رئاسة الحكومة، ثم ظل حاضراً في المجال العام بعد مغادرته المنصب، يحمل معه رصيداً لا يمكن تجاهله.
ولهذا فإن الحديث عن بنكيران ينبغي أن يظل في مستوى هذه التجربة. إنه سياسي من الطراز الرفيع، وصاحب حضور ترك أثراً واضحاً في المشهد المغربي، ولا يحتاج إلى أن ننتقص من قامته السياسية حتى نمنح خصومه حق الاختلاف معه. فالسياسة الناضجة لا تقوم على إسقاط القامات، وإنما على مناقشة الأفكار.
ومايسة أمام امتحان السياسة
أما مايسة، فإنها أمام تجربة مختلفة تماماً. لقد أتاحت لها وسائل التواصل أن تمتلك جمهوراً وصوتاً وتأثيراً، لكنها اليوم، وهي تقترب أكثر من المجال الانتخابي والسياسي، ستواجه امتحاناً جديداً.
هل يمكن أن يتحول التأثير الإعلامي إلى مشروع سياسي؟ هل يمكن أن تتحول الجرأة في الخطاب إلى قدرة على التشريع؟ هل يمكن أن يتحول الجمهور الرقمي إلى ثقة انتخابية؟
هذه الأسئلة ليست موجهة إلى مايسة وحدها. إنها أسئلة تواجه كل من يريد الانتقال من الإعلام إلى السياسة.
لكن التجربة تستحق أن تُتابع باهتمام، لأن السياسة تحتاج دائماً إلى دماء جديدة، وإلى أصوات مختلفة، وإلى أشخاص لا يخافون من دخول الساحة. والمرأة المغربية، كما يقول التاريخ، ليست ضيفة على هذه الساحة.
بين جيلين… وبين زمنين
لذلك فإن السجال بين بنكيران ومايسة يبدو لي، في عمقه، سجالاً بين زمنين. زمن كانت السياسة فيه تمر أساساً عبر الحزب، والنقابة، والصحيفة، والاجتماع، والمنبر. وزمن أصبحت فيه السياسة تمر أيضاً عبر الهاتف، والفيديو، والمنصة الرقمية، والتعليق السريع. الأول يحمل ذاكرة المؤسسات. والثاني يحمل سرعة العصر. الأول يعرف كيف تُبنى التنظيمات. والثاني يعرف كيف تُبنى الجماهير الافتراضية. ولا يمكن لأحدهما أن يلغي الآخر. فالمغرب الذي يحتاج إلى خبرة رجاله السياسيين، يحتاج أيضاً إلى طاقة نسائه وشبابه وأصواته الجديدة.
وهنا تكمن أصالة التجربة المغربية. فهي تجربة لم تكن يوماً جامدة. عرفت التعدد والاختلاف والتوافق والصراع، وعرفت كيف تعبر من مرحلة إلى أخرى من دون أن تفقد ذاكرتها.
حرارة الانتخابات… أم عودة السياسة؟
ربما تبدو حرارة السجال جزءاً من الاستعداد للانتخابات المقبلة. وهذا طبيعي.فالانتخابات من دون منافسة لا تكون انتخابات بالمعنى الحقيقي.
لكن ما يلفتني أكثر هو أن هذا السجال يأتي في زمن عربي يشعر فيه كثيرون بأن السياسة فقدت شيئاً من بريقها.الأحزاب في أماكن كثيرة فقدت قدرتها على إقناع الناس. والخطاب السياسي أصبح، في أحيان كثيرة، متشابهاً إلى درجة الملل. والناخب لم يعد يكتفي بالوعود.
ولهذا فإن ظهور سجالات جديدة وشخصيات جديدة قد يكون، paradoxically، علامة حياة لا علامة موت.
قد نختلف مع اللغة. وقد نختلف مع الموقف. لكن المهم أن يبقى هناك نقاش. وأن يشعر المواطن بأن السياسة ما زالت قادرة على أن تقول شيئاً، وأن تختلف، وأن تستدعي منه موقفاً.
شهادة شخصية
ولعلي، في ختام هذا الكلام، أسمح لنفسي بشهادة شخصية قد يكون لها بعض المعنى في هذا السجال.
فقد عرفت الأستاذ عبد الإله بنكيران، كما عرفت عن قرب عدداً من القيادات السياسية المغربية من الصف الأول، من أمثال محمد اليازغي، ونبيل بن عبد الله، ومولاي محمد الخليفة، وإدريس لشكر، وغيرهم ممن صنعت بهم السياسة المغربية جانباً من ذاكرتها الحديثة.
لكن، وللأمانة التي تقتضيها الكتابة، فإن معرفتي بمايسة سلامة الناجي لم تكن من هذا النوع؛ فقد عرفتها، مثل كثيرين، من خلال وسائل التواصل والإعلام وما تتيحه المنصات الجديدة من حضور وتفاعل.
ولذلك فإنني لا أضع تجربتي في معرفة الرجل وتجربتي في متابعة المرأة في كفة واحدة، ولا أريد أن أستبق ما ستصير إليه تجربة مايسة في السياسة.
فلكل تجربة بدايتها، ولكل شخصية طريقها، ولكل جيل لغته وأدواته. لكنني أعتقد أن شيئاً واحداً يستحق التأمل:
إن لغة الخطاب مع القامات السياسية ليست مسألة دربة على الكلام وحدها، ولا مهارة في إدارة المناظرة فحسب؛ إنها تحتاج إلى ما هو أكبر من ذلك بكثير: تحتاج إلى معرفة عميقة بتاريخ السياسة، وإلى تقدير لمقامات الرجال والنساء الذين صنعوا جانباً من هذا التاريخ، وإلى قدرة على التمييز بين قوة الحجة وقوة العبارة.
وهذا لا يعني أن السياسي الكبير فوق النقد، ولا أن القادم الجديد مطالب بالصمت أمام أصحاب التجربة.
على العكس تماماً. السياسة لا تعيش إلا بالنقد والاختلاف والمساءلة. لكن الاختلاف كلما ارتفع مستواه، ارتفعت معه قيمة اللغة، واتسعت معه مساحة الاحترام.
ولذلك، فإنني لا أرى في السجال بين عبد الإله بنكيران ومايسة سلامة مجرد مشهد من مشاهد الحملة الانتخابية المقبلة، وإنما أراه، في جانب منه، صورة مكثفة للمغرب نفسه:
جيل سياسي يحمل ذاكرة طويلة من النضال والتجربة والمؤسسات، وجيل جديد يريد أن يفتح لنفسه الطريق بثقة وأنفة وطموح.
وهنا ربما تكون قيمة التجربة المغربية: أن يختلف الكبار مع الصاعدين، وأن تتسع الساحة للجميع، وأن يبقى الحكم في النهاية للأفكار وللناس وللتاريخ.
فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يحتفظ بمن كان الأعلى صوتاً، وإنما بمن كان أعمق أثراً.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن نتمناه لبنكيران ومايسة، وللسياسة المغربية كلها، أن ينتصر في نهاية هذا السجال الفكر على الشخصنة، والسياسة على التشهير، والاختلاف على الإلغاء، والمغرب على الجميع.
ولعل هذا هو الوجه الآخر الذي ينبغي ألا يغيب عن قراءة هذا السجال. فهو، حتى وإن بدا في بعض جوانبه حاداً، يظل في جوهره تعبيراً عن حياة سياسية تعرف كيف تتدافع فيها الآراء والمواقع والطموحات، من دون أن يتحول الاختلاف بالضرورة إلى قطيعة أو صراع يهدد المشترك الوطني.
وهذه واحدة من خصوصيات التجربة المغربية التي راكمت، على امتداد عقود، نضجاً سياسياً رعته المؤسسة الملكية، بما جعل تدبير الاختلاف والتدافع بين القوى والتيارات أقرب إلى منطق “بالتي هي أحسن” وإلى ما تقتضيه المصلحة العامة، لا إلى منطق الإقصاء وكسر الخصوم.
ومن هنا، فإن قيمة هذا السجال ليست فقط في ما قيل فيه، وإنما في كونه يجري داخل فضاء سياسي مغربي يعرف، رغم كل صخبه وتناقضاته، كيف يحول الاختلاف إلى جزء من الحياة العامة، وكيف يترك في النهاية للكلمة والانتخاب والتاريخ مهمة الفصل بين المتنافسين. ولعل تلك هي إحدى علامات النضج السياسي: أن نختلف بشدة، من دون أن نفقد القدرة على الاجتماع حول الوطن.