الطفل الذي نراه والطفل الذي لا نراه.. حين تختبئ الصعوبات النفسية والمعرفية خلف التعثر الدراسي


 

بقلم: د. حسن الشطيبي، باحث في علم الأعصاب النفسي والمعرفي

 

في سياق انشغال الأسرة والمدرسة بالمقاييس الكمية للأداء الدراسي ــ المتمثلة في المعدلات والترتيب الصفي ــ يعيش عدد كبير من التلاميذ تجارب تعلم صامتة، لا تظهر في دفاترهم أو ملامح وجوههم. فبطء القراءة، وضعف التركيز، وسرعة النسيان، وفرط الحركة، أو تدني الدافعية، كلها أنماط سلوكية قد تُساء فهمها على أنها كسل، أو إهمال، أو قصور معرفي عام، في حين قد تعكس في واقعها معاناة نفسية أو معرفية كامنة، تستدعي فهماً سياقياً، وتقييماً دقيقاً، وتدخلاً مبكرا.

 

من هنا، تبرز الصحة النفسية المدرسية بوصفها رهانا استراتيجيا يتجاوز منطق التدخل العلاجي المتأخر، ليتأسس على أربع مراحل متكاملة هي: الوقاية، الكشف المبكر، التقييم المهني، والمواكبة التأهيلية. وعليه، فإن السؤال الجوهري لا ينبغي أن يقتصر على “لماذا لا ينجح هذا الطفل؟”، بل ينبغي أن يسبقه سؤال أكثر دلالة: “ما الذي يعوق نجاحه؟”.

 

• تحديد المفاهيم.. الصعوبة المعرفية ليست اضطرابا معرفيا

من الإشكاليات التي تستوجب الفهم الدقيق في المجال المدرسي، التمييز بين الصعوبات المعرفية والاضطرابات المعرفية. فالصعوبة المعرفية قد تكون ظرفية ومؤقتة، ناتجة عن عوامل عابرة كالتعب، أو القلق الظرفي، أو الحرمان من النوم، أو الضغوط الدراسية، أو الانعكاسات النفسية لظروف أسرية أو اجتماعية طارئة. غير أن الصعوبات التي تكتسي طابعا استمراريا وتكراريا، وتؤثر تأثيرا ملحوظا في الأداء التعلمي والوظيفي اليومي، تستدعي تقييماً متخصصاً للوقوف على طبيعتها وأبعادها.

وتشمل الوظائف المعرفية القابلة للتأثر في هذا السياق: الانتباه بمساره المتنوع، الذاكرة بأصنافها، اللغة بمستوياتها، الإدراك بشقيه، سرعة معالجة المعلومات، فضلاً عن الوظائف التنفيذية العليا المرتبطة بالتخطيط والتنظيم والمرونة المعرفية.

إن إطلاق حكم تشخيصي على الطفل لمجرد تعثره الدراسي يشكل خطأ منهجياً، في حين أن تجاهل الصعوبات المستمرة يقود إلى إضاعة فرص التدخل المبكر. وكما نذكر في هذا السياق: “ليس كل طفل متعثر دراسيا ضعيف الذكاء، وليس كل طفل كثير الحركة مشاغبا، فقد يكون السلوك في كثير من الأحيان رسالةً صامتة، لا تحتاج إلى العقاب بقدر ما تحتاج إلى قراءة فطنة وفهم عميق .”

 

• مكونات منظومة الصحة النفسية المدرسية

إن بناء منظومة فعّالة للصحة النفسية المدرسية يقتضي الانتقال من النموذج التفاعلي القائم على الانتظار والتدخل المتأخر، إلى النموذج الاستباقي المتكامل الذي يتألف من عدة مراحل: الوقاية، الكشف المبكر، التقييم والتشخيص، التدخل، المواكبة، والتأهيل.

الوقاية تبدأ بتهيئة بيئة مدرسية داعمة عبر برامج تثقيفية وتدريب المعلمين وتعزيز التواصل الأسري ومكافحة التنمر، ثم يليها الكشف المبكر باستخدام قوائم الملاحظة والمسح الدوري وسجلات التقدم الفردي لرصد المؤشرات الأولية قبل تفاقمها، ويعقبه التقييم والتشخيص المهني متعدد الأبعاد (نفسي، معرفي، أكاديمي، وسريري) لتمييز الصعوبة الظرفية عن الاضطراب المستمر، وبعدها يُصمَّم تدخل فردي مخصص يشمل تدريبات معرفية وأكاديمية، وتعديلات صفية، ودعما نفسيا وإرشاداً أسرياً، ثم تأتي المواكبة عبر جلسات دورية ومراجعات لرصد التقدم وتعديل الخطة، وأخيراً يهدف التأهيل إلى تمكين الاندماج الكامل عبر تعليم استراتيجيات تعويضية، وتعزيز الوعي الذاتي، وإعادة الإدماج الاجتماعي، والتأهيل المهني المبكر، وخطط انتقالية بين المراحل التعليمية.

وتكمن فعالية هذا المسار في كونه دورياً تغذيوياً، حيث تُعيد المواكبة تغذية التقييم والتدخل، كما يرتكز على التنسيق المؤسسي بين الإدارة والمعلمين والأخصائيين والأسرة، وعلى التدريب المستمر للأطر، مع إشراك الطفل وأسرته كشركاء فاعلين. إن هذا المسار ليس مجرد خدمة علاجية، بل هو استثمار في العدالة التعليمية، يضمن لكل تلميذ فرصة النجاح وفق قدراته، لا وفق ما يفرضه نظام تقويمي موحد، محققاً بذلك الرؤية التأسيسية: “أن نرى الطفل قبل أن نرى نقطته، ونفهم صعوبته قبل أن نحكم على قدرته”.

 

 

• الشراكة الأسرية المدرسية

لا يمكن إرجاع المسؤولية بأكملها إلى المدرسة في معالجة قضايا الصحة النفسية، كما لا يمكن تحميل الأسرة وحدها هذه المسؤولية. فالطفل يعيش ضمن منظومة اجتماعية معقدة، وأي تدخل ناجح يستلزم تنسيقاً بين الأسرة، والإطار التعليمي، والمختصين في النفسي والتربوي والصحي.
ويؤدي المعلم دوراً مركزيّاً في رصد المؤشرات الأولى، ليس من خلال التشخيص، ولكن من خلال الملاحظة المنتظمة للتغيرات المتكررة في السلوك والأداء التفاعلي. فالمعلم ليس مختصاً نفسياً، غير أنه يكون في الغالب أول من يلتقط التحولات الدقيقة في مسار الطفل.

 

• الوقاية كثقافة مؤسسية

لا يجوز أن تختزل الصحة النفسية المدرسية في خدمة علاجية للاضطرابات، بل ينبغي أن تتبلور كثقافة وقائية مؤسسية، تشمل:
• تعزيز تقدير الذات وبناء الثقة النفسية.
• تنمية مهارات التركيز والانتباه بوسائل منهجية.
• التثقيف الانفعالي لمواجهة الضغوط.
• مكافحة التنمّر والعنف المدرسي بآليات وقائية.
• تحسين قنوات التواصل الأسري المدرسي.
• تأهيل الأطر التربوية على قراءة المؤشرات المعرفية والنفسية.
• تشجيع آليات الكشف المبكر عن صعوبات التعلّم.
ونؤكد هنا على أن التشخيص المبكر ليس بحثاً عن المرض، بل بحث عن الطريقة الأنسب لدعم الطفل في تعلمه ونمائه.

 

 

• نحو مدرسة تقيس الإنسان قبل النقطة

لقد آن الأوان لإعادة النظر في مفهوم النجاح الدراسي بوصفه محصلة كمية فقط. فالعلامة الدراسية مؤشر مهم، لكنها لا تلخص الطفل في مجمل أبعاده. فثمة طفل خلف كل علامة، له قدراته، ومشاعره، واحتياجاته، وظروفه، وتجربته الفريدة.

المدرسة التي تراعي الصحة النفسية والمعرفية هي التي لا تسأل فقط: “كم نقطة حصل عليها؟”، بل تسأل أيضاً: “كيف يتعلّم؟ كيف يشعر؟ ما الذي يعوقه؟ وما الذي يعينه؟”
“المدرسة الناجحة ليست التي تقيس ما حفظه الطفل فحسب، بل التي تستوعب انتباهه، وذاكرته، ومشاعره، وكيف يتعلّم”.

 

 

• خلاصة:

إن الاستثمار في الصحة النفسية المدرسية ليس ترفا ولا رفاهية، بل هو رهان تنموي يرتبط بالطفل، والأسرة، والمدرسة، والمجتمع معاً. والتحدي الأكبر لا يقتصر على توفير العلاج عند ظهور الاضطرابات، بل يكمن في بناء منظومة تجعل الوقاية، والكشف المبكر، والمواكبة المستمرة، جزءاً لا يتجزأ من الحياة المدرسية اليومية.

 

بعض الأطفال لا يحتاجون إلى مزيد من الضغط أو العقاب، بل يحتاجون إلى مَن يسألهم: “ماذا يحدث معك؟” قبل أن يسأل: “لماذا لم تنجح؟”

“أن نرى الطفل قبل أن نرى نقطته، ونفهم صعوبته قبل أن نحكم على قدرته، هو المدخل الحقيقي لصحة نفسية مدرسية فاعلة”.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً