أشرف الملهوف يكتب: انتخابات 2026 بالمغرب.. معركة حقيقية أم قطبية مصطنعة؟


 

منذ أن استقرت الدول الديمقراطية على الانتخابات باعتبارها إحدى أهم آليات الانتقال السلمي والسلس للسلطة، نشأت الحياة البرلمانية بوصفها تجسيدًا لإرادة المواطنين في اختيار من يمثلهم داخل المؤسسات التشريعية، ويساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيل السلطة التنفيذية وتوجيه السياسات العمومية.

وفي هذا السياق، برز دور الأحزاب السياسية باعتبارها مؤسسات تجمع أفرادًا يؤمنون بأفكار ومبادئ مشتركة، ويسعون إلى الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها من أجل تنزيل برامجهم السياسية. وتقوم العلاقة بين الحزب والمواطن، في جوهرها، على نوع من التعاقد السياسي والاجتماعي، تحكمه الوعود والبرامج من جهة، والواقع وإكراهاته من جهة أخرى.

وهنا نستحضر المقولة الشهيرة المنسوبة إلى رجل الدولة الألماني أوتو فون بيسمارك: «السياسة فن الممكن». وهي مقولة تختزل جانبًا مهمًا من الواقعية السياسية، أي الانتقال من سؤال: ماذا نريد؟ إلى سؤال أكثر واقعية: ماذا نستطيع أن نحقق الآن؟ وكيف نصل إليه بأقل تكلفة سياسية وأكبر قدر ممكن من المكاسب؟

اليمين واليسار: التناقض الطبيعي في السياسة

استلهمت العديد من التجارب السياسية والحزبية الحديثة النموذج الأوروبي، ولا سيما التجربة الفرنسية التي أعقبت الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر. ومن رحم تلك التحولات ظهر التقسيم السياسي بين اليمين واليسار باعتباره أحد أبرز أشكال التناقض الإيديولوجي الطبيعي الناتج عن اختلاف المشاريع والرؤى السياسية.

ففي التصور السياسي التقليدي، ارتبط اليمين بالمحافظة والدفاع عن التقاليد واستمرارية المؤسسات والقيم الاجتماعية، بينما ارتبط اليسار بالأفكار التقدمية، وتوسيع المشاركة السياسية، وتعزيز دور الشعب والحريات الفردية.

أما على المستوى الاقتصادي، فتظهر الفوارق بصورة مختلفة؛ إذ يميل اليمين، في عمومه، إلى اقتصاد السوق وتقليص تدخل الدولة وتشجيع المبادرة الخاصة ورأس المال، في حين يدافع اليسار عن دور أكبر للدولة في الاقتصاد، وعن الخدمات العمومية، وعلى رأسها التعليم والصحة، إلى جانب اعتماد ضرائب أكبر على الفئات الأكثر ثراءً.

وهكذا تشكل القطبية السياسية الطبيعية نتيجة اختلاف حقيقي بين مشاريع متنافسة، لكل منها رؤيته للمجتمع والاقتصاد والدولة.

الحياة السياسية المغربية بين التحكم والتدافع

عرفت الحياة السياسية المغربية، خلال مراحل متعددة، أشكالًا مختلفة من التدبير والتحكم، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فقد عرفت عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات تدخلات قوية في العملية السياسية والانتخابية، من خلال اتهامات بتزوير الانتخابات، وإعادة توزيع التوازنات داخل المؤسسات، إلى جانب ظهور ما أصبح يعرف بالأحزاب الإدارية.

وقد ارتبطت تلك المرحلة بأسماء وتنظيمات سياسية متعددة، من بينها الحركة الشعبية، وجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، ثم التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري، فضلًا عن الانقسامات التي عرفتها بعض الأحزاب، أو ما اعتبره عدد من الباحثين والمتابعين مساهمة في إعادة تشكيل النخب الحزبية والتقنوقراطية.

ومع ذلك، شهد المغرب في بعض المراحل نوعًا من القطبية السياسية الطبيعية، خاصة خلال تسعينيات القرن الماضي، مع مرحلة الانفتاح السياسي وتشكيل الكتلة الديمقراطية في مواجهة أحزاب الوفاق. وقد ساهم هذا الاصطفاف في إعطاء الحياة السياسية آنذاك قدرًا من الوضوح، وجعل التنافس السياسي قائمًا، إلى حد ما، على مشاريع وتحالفات متمايزة.

دخول العدالة والتنمية وإعادة ترتيب المشهد

مع بداية العهد الجديد، ودخول حزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية الإسلامية، بقوة إلى الساحة السياسية، بدأت معالم المشهد الحزبي تعرف تحولات جديدة.

وقد استفاد الحزب من تراجع بريق عدد من الأحزاب التاريخية، لا سيما بعد تجربة التناوب التوافقي، كما عزز حضوره من خلال موقعه المعارض لعدد من السياسات الحكومية، ومن بينها النقاش الذي رافق خطة إدماج المرأة في التنمية.

كما ساعده تجذره داخل المجتمع، خصوصًا في صفوف الفئات المحافظة، على توسيع قاعدته الانتخابية والسياسية.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره جزءًا من إعادة ترتيب التوازنات السياسية، خصوصًا في ظل الصعود المتزايد لحزب العدالة والتنمية. وقد ارتبط الحزب، في بداياته، بخطاب سياسي اعتبر مواجهة تمدد التيارات الإسلامية أحد رهاناته السياسية.

قطبية غير مألوفة داخل حكومة واحدة

أفرزت مرحلة ما بعد انتخابات 2016 وضعًا سياسيًا استثنائيًا، اتسم بما عرف آنذاك بـ«البلوكاج الحكومي»، رغم تصدر حزب العدالة والتنمية للانتخابات وحصوله على 125 مقعدًا في مجلس النواب.

وبعد أشهر من تعثر تشكيل الحكومة، أعفي عبد الإله بنكيران من مهمة تشكيلها، وتم تعيين سعد الدين العثماني رئيسًا للحكومة.

وخلال هذه المرحلة، برزت مفارقة سياسية لافتة: حزب التجمع الوطني للأحرار كان شريكًا أساسيًا داخل الحكومة، لكنه حافظ، في بعض اللحظات، على خطاب سياسي ينتقد أداء الحكومة، وهو ما اعتبره عدد من المتابعين شكلًا من أشكال التنافس السياسي داخل الأغلبية نفسها.

وقد تزامن ذلك مع عوامل أخرى أثرت في المشهد السياسي، من بينها الصراعات الداخلية التي عرفها حزب العدالة والتنمية، والتنافس بين تياراته، فضلًا عن الدور المتزايد للإعلام والمال والآليات الانتخابية في إعادة تشكيل موازين القوى.

من خروج أخنوش إلى دخول لقجع

في 14 يناير 2026، جاء الإعلان عن استقالة عزيز أخنوش من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر 2026، في توقيت سياسي أثار العديد من التساؤلات.

فالرجل كان، إلى حدود ذلك التاريخ، يقود الحزب والحكومة، وكان الحزب يواصل تسويق حصيلة التجربة الحكومية والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

ويمكن، بلغة كرة القدم، اعتبار ما حدث تغييرًا تكتيكيًا داخل الملعب السياسي.

فمكانة عزيز أخنوش داخل عالم المال والأعمال، وحضوره السياسي، وشبكة الأعيان المرتبطة بالحزب، تجعل من مغادرته رئاسة الحزب حدثًا لا يمكن اعتباره مجرد تغيير تنظيمي عادي.

وتعويضه بمحمد شوكي، رئيس الفريق النيابي للحزب بمجلس النواب، يمكن أن يشكل إشارة إلى بداية إعادة ترتيب الأوراق داخل المشهد السياسي.

وفي المقابل، أدى دخول فوزي لقجع إلى دائرة النقاش السياسي والحزبي إلى فتح الباب أمام قراءات جديدة. فالرجل القادم من عالم تدبير كرة القدم والمؤسسات الرياضية، والحاضر كذلك في تدبير الشأن العام من خلال مسؤولياته الحكومية المرتبطة بالميزانية، أصبح يُنظر إليه باعتباره أحد الأسماء القادرة على لعب أدوار سياسية أكبر.

وبلغة كرة القدم دائمًا، يبدو أن «ميركاتو» سياسيًا قد بدأ، وأن حزب الأصالة والمعاصرة أصبح أحد أهم الملاعب التي يمكن أن تستقطب التحركات السياسية الجديدة.

طريق التتويج والظروف الانتخابية

إذا كان حزب معين يُنظر إليه باعتباره مرشحًا قويًا للتصدر، فإن الطريق إلى «منصة التتويج» لا تحدده شخصية سياسية واحدة فقط، بل تتحكم فيه مجموعة من العوامل.

ومن بينها التقطيع الانتخابي، والقاسم الانتخابي، وطبيعة النظام المعتمد في توزيع المقاعد، فضلًا عن قدرة الأحزاب على تغطية الدوائر الانتخابية المحلية، والتواجد الميداني، وتعبئة الناخبين.

كما يبقى العزوف الانتخابي أحد أهم التحديات التي يمكن أن تؤثر في نتائج الاستحقاقات المقبلة، إذ إن ضعف المشاركة قد يعزز من تأثير الأعيان والشبكات الانتخابية المنظمة والقادرة على حشد الأصوات.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح القدرة على التواجد في مختلف الدوائر، وبناء شبكات انتخابية قوية، عاملًا حاسمًا في حصد المقاعد.

هل يتم استنساخ تجربة أخنوش؟

عندما جاء عزيز أخنوش إلى رئاسة التجمع الوطني للأحرار سنة 2016، كان قادمًا من عالم المال والأعمال وتسيير المقاولات، وهي صورة تم تسويقها سياسيًا باعتبارها نموذجًا للرجل «الناجح» في الإدارة والتدبير.

كما ارتبط اسمه، على مستوى تدبير الشأن العام، بمخطط المغرب الأخضر، الذي شكل أحد أبرز المشاريع الفلاحية خلال السنوات الماضية، وساهم في الانتقال من جزء من الفلاحة المعيشية إلى فلاحة أكثر ارتباطًا بالاستثمار والإنتاج والتصدير.

وقد تم تقديم هذه التجربة للرأي العام باعتبارها دليلًا على أن النجاح في تدبير المقاولات والمشاريع يمكن أن يتحول إلى نجاح في تدبير الشأن الحكومي، بعيدًا عما كان يقدم أحيانًا باعتباره «سفسطائية السياسيين» وكثرة الخطابات دون نتائج ملموسة.

واليوم، يبدو أن جزءًا من هذا السيناريو يعاد إنتاجه مع فوزي لقجع.

فإذا كان أخنوش قد جاء من عالم المال والأعمال، فإن لقجع يأتي من عالم التسيير الرياضي والتدبير المؤسساتي والتقنوقراطي، فضلًا عن تجربته داخل الحكومة ومسؤوليته في ملفات مرتبطة بالميزانية.

وهنا يطرح السؤال: هل نحن أمام محاولة لتقديم «جوكر سياسي» جديد قادر على إعادة إنعاش حياة سياسية تبدو، في نظر كثيرين، فاقدة للحيوية والجاذبية؟

القطبية المصطنعة: أخنوش ولقجع

في الآونة الأخيرة، اشتد النزال السياسي، خصوصًا بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار، من خلال تبادل الانتقادات والاتهامات والخطابات ذات الطابع الشعبوي.

وقد يبدو، للوهلة الأولى، أننا أمام بداية تقاطب سياسي جديد بين الحزبين.

لكن هذا التقاطب يطرح عدة مفارقات.

أولًا، لأن الحزبين شريكان داخل الحكومة، ويتحملان معًا مسؤولية عدد كبير من القرارات والسياسات العمومية. وفي الأعراف السياسية الديمقراطية، يكون التقاطب أكثر وضوحًا بين حزب يمارس السلطة وحزب يوجد في المعارضة، حيث تستفيد المعارضة عادة من أخطاء السلطة ومن العقاب الانتخابي الذي قد يوجهه الناخبون للحكومة.

ثانيًا، لأن الخلفية السياسية التي أحاطت بتأسيس الحزبين، وطبيعة البيئة التي نشآ فيها، والأدوار التي لعباها داخل المشهد السياسي، تجعل من الضروري التساؤل عن طبيعة هذا الصراع وحدوده.

هل نحن فعلا أمام قطبية سياسية حقيقية ناتجة عن اختلاف جوهري في المشاريع والرؤى؟

أم أننا أمام تقاطب يتم تضخيمه أو توظيفه سياسيًا لإعادة بعث الاهتمام بالحياة السياسية، وخلق حالة من التدافع قادرة على جذب الناخب وإثارة اهتمامه بالمشاركة في الانتخابات، خصوصًا في ظل تحدي العزوف الانتخابي؟

وهل يمكن أن يكون الهدف هو حصر التنافس السياسي حول قطبين محددين، وإبعاد أحزاب أخرى عن المنافسة على «منصة التتويج»؟

في المقابل، تبقى فرضية أخرى ممكنة، وهي أن التنافس بين شخصيات ودوائر النفوذ داخل الحزبين يعكس بالفعل تدافعًا حقيقيًا بين مصالح وتوجهات مختلفة داخل مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي.

وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل نحن أمام قطبية حقيقية أم قطبية مصطنعة؟

الانتخابات لا تكتسب معناها الديمقراطي بمجرد تنظيمها، بل بوجود تنافس حقيقي بين مشاريع سياسية واضحة ومختلفة، تسمح للمواطن بأن يختار بين بدائل متباينة.

أما عندما يصبح الصراع بين أطراف متقاربة في موقعها داخل السلطة، ومتشابهة في مسؤوليتها عن تدبير السياسات العمومية، فإن السؤال يصبح مشروعًا حول طبيعة هذا الصراع وحدوده ووظيفته.

انتخابات 2026 قد تقدم لنا جوابًا مهمًا: هل سيشهد المغرب تنافسًا سياسيًا حقيقيًا بين مشاريع مختلفة؟

أم أننا سنكون أمام قطبية مصطنعة، صُممت لإعادة ترتيب المشهد، وتنشيط الاهتمام بالانتخابات، وحصر التنافس بين لاعبين محددين؟

بين هاتين الفرضيتين، يبقى الناخب المغربي هو الحكم الحقيقي، وصندوق الاقتراع هو الاختبار الذي سيكشف إن كانت «المباراة» سياسية فعلًا، أم مجرد تكتيك جديد داخل الملعب.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً