رسمت شخصيات إسلامية ومسيحية ملامح الخطوات المستقبلية بشأن سوريا، والحوار بين الطوائف الإسلامية، ومكافحة خطاب الكراهية، والتعامل مع التأثير المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، وذلك خلال اجتماع اللجنة التوجيهية لمنصة الحوار والتعاون بين القيادات والمؤسسات الدينية المتنوعة في العالم العربي.
واختتمت أعمال الاجتماع بلقاء مع البابا ليو الرابع عشر في التاسع من شتنبر، والذي أعرب عن تقديره لتعاون أعضاء المنصة مع مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار (كايسيد)، مؤكدا دعمه لجهودهم الرامية إلى تعزيز التعايش السلمي في مختلف أنحاء المنطقة العربية.
وفي كلمة وجهها إلى أعضاء وفد المنصة خلال الاستقبال العام في ساحة القديس بطرس، أعرب البابا ليو الرابع عشر عن أمله في أن تثمر جهودهم المبذولة لتعزيز التعايش السلمي في المنطقة نتائج ملموسة.
وجاء اللقاء تتويجا لاجتماع اللجنة التوجيهية للمنصة لعام 2026، الذي حددت خلاله القيادات الدينية الإسلامية والمسيحية من مختلف أنحاء المنطقة العربية أولويات ملموسة للتعاون المستقبلي، تشمل منع النزاعات، وترسيخ الاستقرار في سوريا، وتعزيز الحوار بين الطوائف الإسلامية، ومكافحة خطاب الكراهية، إلى جانب التعامل مع التأثير المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.
وبدعم من “كايسيد” ومنظمة المجتمع الإسلامي الإيطالي (COREIS)، جمع الاجتماع قيادات ومؤسسات دينية وخبراء في مجال الحوار، لمراجعة الأعمال المنجزة خلال عامي 2025 و2026، وتحديد أولويات المرحلة المقبلة للمنصة.
وجاء اللقاء مع البابا ليو الرابع عشر ليتوج مناقشات مستفيضة تمحورت حول تساؤل جوهري مشترك: كيف يمكن للقيادات الدينية العربية، المسلمة والمسيحية، الانتقال من الحوار إلى التعاون العملي في مرحلة تتسم بالصراعات والاستقطاب والتحولات التكنولوجية المتسارعة؟
وفي هذا السياق، قال السفير أنطونيو دي ألميدا ريبيرو، الأمين العام المكلف لكايسيد: “في نهاية المطاف، لن يقاس نجاح المنصة بعدد الاجتماعات التي نعقدها، بل بما تتيحه تلك الاجتماعات من إمكانيات وإنجازات لاحقة”.
وحدد الاجتماع عددا من مجالات العمل التي ستواصل المنصة الاشتغال عليها، من بينها متابعة مشاورات الحوار بين الطوائف الإسلامية، وتعزيز المشاركة في سوريا، وإطلاق مبادرات مشتركة في مختلف أنحاء المنطقة، وتنسيق الاستجابات لخطاب الكراهية، ووضع أولويات برنامج عمل المنصة لعام 2027.
وتستند هذه المجالات إلى جدول الأعمال الرسمي للمنصة، الذي تضمن نتائج المشاورات المعقودة في أربيل ولبنان، والمبادرات المخطط لها في سوريا والعراق ولبنان، إضافة إلى الدروس المستفادة من جهود مكافحة خطاب الكراهية في مصر.
وبرز دور وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي ضمن الأولويات الرئيسية على طاولة النقاش، إذ أكد المشاركون أن المنصات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي تؤثر بصورة متزايدة في الطريقة التي تفهم بها المجتمعات بعضها بعضا.
ورغم ما قد تسهم فيه هذه الأدوات من تسريع انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية والسرديات الاستقطابية العابرة للحدود، فإنها تتيح، في المقابل، للقيادات الدينية الوصول إلى شرائح ومجتمعات تتجاوز بكثير نطاق دور العبادة التقليدية.
وانصبت النقاشات، في هذا الإطار، على سبل تسخير القيادات الدينية الإسلامية والمسيحية لوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي بوصفهما أداتين لخدمة الخير، وتوظيفهما لتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والدينية، وتوسيع نطاق الحوار بين أتباع الأديان والثقافات ليصل إلى المجتمعات الأكثر حاجة إليه.
ومن منظور “كايسيد”، يندرج هذا التوجه ضمن منظومة وقائية أوسع؛ إذ لا يمكن للقيادات الدينية أن تظل في موقع المراقب السلبي للبيئات التي يتنامى فيها الاستقطاب. فالسلطة الاعتبارية التي تتمتع بها، إلى جانب شبكات علاقاتها الواسعة وتأثيرها المجتمعي، تمنحها قدرة خاصة على تفكيك السرديات الضارة، وفتح قنوات التواصل، وتهيئة مساحات للحوار قبل تفاقم الانقسامات المجتمعية.
وفي هذا السياق، أضاف الأمين العام المكلف لكايسيد: “لا تكمن مهمتنا في إزالة الاختلافات، بل في ضمان ألا تتحول هذه الاختلافات إلى حواجز تعيق التعايش السلمي”.
ويتخذ مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد) من العاصمة البرتغالية لشبونة مقرا له، وهو منظمة حكومية دولية تعمل على تعزيز الحوار بين أتباع الأديان وتوظيفه في منع النزاعات والمساهمة في حلها، وإرساء السلام المستدام والتماسك الاجتماعي، فضلا عن تشجيع الاحترام والتفاهم المتبادل بين مختلف المجموعات الدينية والثقافية، والتصدي لإساءة استخدام الدين لتبرير القمع والعنف والصراع.
وينفرد “كايسيد” بهيكل حوكمة مزدوج، يضم “مجلس الأطراف” المكون من الدول الأعضاء، و”مجلس الإدارة” الذي يضم قيادات دينية، بما يتيح له الجمع بين القيادات الدينية وصناع القرار والخبراء لبلورة حلول فاعلة للتحديات المشتركة.