قال عبد الرحيم العلام أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، إن “إحدى أهم مشكلات الانتخابات في المغرب، هي الفجوة بين الخطاب الانتخابي والممارسة الحكومية”.
وأضاف العلام، في حوار مع “الأيام 24″، أنه يتم خلال الحملات الانتخابية رفع وعود كثيرة، وبعضها يكون بعيدا عن الإمكانات الواقعية أو عن طبيعة الاختصاصات التي تستطيع الحكومة تنفيذها.
وتابع أنه بعد الوصول إلى السلطة، لا تجد هذه الوعود بالضرورة طريقها إلى التنفيذ، بل إن البرنامج الحكومي نفسه قد يبقى في بعض الحالات أقرب إلى وثيقة سياسية وإعلامية لإظهار وجود تصور حكومي متكامل، دون أن تتحول جميع مضامينه إلى سياسات فعلية.
واعتبر العلام، أن الأحزاب السياسية تتحمل جزءا أساسيا من المسؤولية، مؤكدا أن “الحزب السياسي لا ينبغي أن يكون مجرد آلة انتخابية تظهر في موسم الانتخابات، وإنما يفترض أن يقوم بوظائف أوسع: التأطير السياسي، والتنشئة، وإنتاج النخب، والوساطة بين المجتمع والمؤسسات، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى برامج وسياسات”.
وسجل أنه “عندما يشعر المواطن أن الحزب لا يظهر إلا في الانتخابات، وأن وعوده الانتخابية لا تتحول إلى سياسات، وأن برنامجه يتغير أو يتراجع بمجرد دخوله في تحالف حكومي، فمن الطبيعي أن تتراجع الثقة”.
وزاد أن “المواطن عندما يكتشف أن الانتخابات تغير الأشخاص أكثر مما تغير السياسات، وأن التحالفات التي تتشكل بعد الانتخابات تجمع أحيانا أحزابا ذات برامج ومرجعيات متباينة، يصبح من الصعب عليه أن يشعر بأن صوته أحدث تغييرا واضحا”.
وفي ما يلي نص الحوار كاملا:
1- بعد أكثر من عقد على دستور 2011، هل ما تزال الانتخابات التشريعية تشكل فعلا مدخلا لتغيير موازين السلطة وصناعة القرار في المغرب، أم أن وظيفتها أصبحت أساسا تجديد النخب والمؤسسات المنتخبة دون أن تمتد بالضرورة إلى مراكز القرار الفعلية؟
أظن أن علينا أولا أن نميز بين الانتخابات باعتبارها آلية لتجديد المؤسسات المنتخبة، وبين الانتخابات باعتبارها وسيلة لإعادة ترتيب موازين السلطة وصناعة القرار، فالانتخابات في أي نظام ديمقراطي لا يمكن اختزالها في مجرد تغيير الأشخاص، وإنما يفترض أن تمنح المواطنين إمكانية التأثير في السياسات العمومية من خلال اختيار برامج وبدائل سياسية مختلفة.
لكن المشكلة في الحالة المغربية لا ترتبط فقط بمسألة وجود انتخابات أو عدم وجودها، وإنما بمدى قدرة هذه الانتخابات على إنتاج أغلبية سياسية واضحة وقادرة على تحمل مسؤولية برنامج سياسي وتنفيذه؛ فحتى عندما يختار المواطنون حزبا أو أحزابا على أساس وعود وبرامج معينة، فإن الانتقال من البرنامج الانتخابي إلى السياسات العمومية ليس آليا.
وهنا تظهر إحدى أهم مشكلات الانتخابات في المغرب، وهي الفجوة بين الخطاب الانتخابي والممارسة الحكومية؛ فخلال الحملات الانتخابية تُرفع وعود كثيرة، وبعضها يكون بعيدا عن الإمكانات الواقعية أو عن طبيعة الاختصاصات التي تستطيع الحكومة تنفيذها. وبعد الوصول إلى السلطة، لا تجد هذه الوعود بالضرورة طريقها إلى التنفيذ، بل إن البرنامج الحكومي نفسه قد يبقى في بعض الحالات أقرب إلى وثيقة سياسية وإعلامية لإظهار وجود تصور حكومي متكامل، دون أن تتحول جميع مضامينه إلى سياسات فعلية.
لذلك، فإن تقييم الانتخابات لا ينبغي أن ينحصر في سؤال: من فاز ومن خسر؟ وإنما ينبغي أن نطرح سؤالا آخر أكثر أهمية: ماذا يستطيع الفائز أن يفعل بعد الفوز؟
لذلك تظل الانتخابات مدخلا للتغيير، لكنها ليست بالضرورة مدخلا لتغيير كل موازين السلطة. وهي تستطيع أن تغير النخب، وتركيبة البرلمان والحكومة، وبعض أولويات السياسات العمومية، لكنها لا تعني بالضرورة انتقال كل مراكز التأثير في القرار إلى الجهة التي حصلت على الأغلبية الانتخابية.
2- إلى أي حد يستطيع البرلمان والحكومة، مهما كانت نتائج انتخابات 2026، التأثير فعليا في القرارات الإستراتيجية الكبرى للبلاد؟ وأين، في تقديركم، توجد اليوم مراكز صناعة القرار الأكثر تأثيرا في السياسات العمومية؟
الحكومة والبرلمان يملكان بالفعل قدرة على التأثير في القرار العمومي، ولا ينبغي التقليل من هذه القدرة، لكن من الخطأ أيضا افتراض أن كل القرارات الإستراتيجية تُصنع داخل المؤسسات المنتخبة وحدها.
صناعة القرار في الدولة أكثر تعقيدا من أن تختزل في البرلمان والحكومة. فهناك مستويات ومؤسسات ودوائر مختلفة تتدخل، بدرجات متفاوتة، في صياغة السياسات العمومية وتحديد أولوياتها. ولذلك ينبغي التمييز بين الاختصاص القانوني وبين التأثير الفعلي في صناعة القرار؛ فقد تكون هناك مؤسسة تملك اختصاصا رسميا، بينما تتحدد الخيارات الفعلية من خلال تفاعل عدة مراكز ومؤسسات.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الدولة وبين السلطة السياسية أو الحكومة التي تدير جزءا من شؤونها، فالدولة لا تبدأ مع كل حكومة وتنتهي بانتهائها، وإنما هناك قدر من الاستمرارية في المؤسسات والاختيارات الكبرى، في حين تأتي الحكومات لتدير مرحلة معينة وتضع أولوياتها داخل هذا الإطار.
لكن هذا لا يعني أن الحكومة مجرد جهاز للتنفيذ وأن الانتخابات بلا أثر. الحكومة تستطيع أن تغير في السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وفي طرق التدبير وفي ترتيب الأولويات، كما يستطيع البرلمان التأثير من خلال التشريع والرقابة. غير أن حجم هذا التأثير يظل مرتبطا بطبيعة النظام السياسي وبمجال الاختصاصات وبموازين القوى داخل المؤسسات وخارجها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد انتخابات 2026 لن يكون فقط: من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد؟ بل سيكون أيضا: ما حجم القدرة الفعلية للأغلبية الجديدة على تحويل خياراتها السياسية إلى قرارات وسياسات عمومية؟
3- إذا كانت قطاعات وقرارات إستراتيجية تُدار ضمن مؤسسات وهيئات ودوائر لا تخضع مباشرة لمنطق التنافس الانتخابي، فكيف يمكن تقييم جدوى التصويت واختيار المواطنين للأحزاب؟ وهل يمكن الحديث في هذه الحالة عن انتخابات تغيّر السياسات أم عن انتخابات تغيّر فقط من يدير جزءا منها؟
لا أظن أن محدودية تأثير الانتخابات في بعض المجالات تقود بالضرورة إلى القول إن التصويت لا جدوى منه؛ فهذا استنتاج مبالغ فيه، كما أن القول في الاتجاه المعاكس، إن الانتخابات تمكن المواطنين من تغيير كل شيء هو أيضا غير واقعي.
التصويت يظل وسيلة أساسية لاختيار من سيتولى تدبير جزء مهم من الشأن العام، ومن خلاله يمكن تغيير الحكومات والبرلمانات والنخب، كما يمكن تغيير بعض الأولويات والسياسات. لكن المشكلة تبدأ عندما يُطلب من المواطن أن يصوت على أساس برنامج انتخابي، ثم يكتشف بعد الانتخابات أن هذا البرنامج لا يملك الوسائل الواقعية للتنفيذ، أو أن الحكومة المشَكلة لا تستطيع أصلا تنفيذ البرنامج الذي انتُخبت الأحزاب على أساسه، نظرا لمحدودية صلاحياتها الدستورية.
وهنا نصل إلى مشكلة أخرى مرتبطة بطبيعة النظام الانتخابي نفسه؛ فالتقطيع الانتخابي، ونمط الاقتراع، وطريقة توزيع المقاعد وفق قاعدة أكبر بقية، كلها عناصر تؤثر في طبيعة النتائج وفي إمكانية تشكل أغلبية سياسية واضحة. وعندما تكون النتيجة الانتخابية موزعة بين عدد كبير من الأحزاب، يصبح من الصعب أن يذهب الناخب إلى صناديق الاقتراع وهو يعرف مسبقا أي حكومة وبرنامج سياسي يمكن أن ينتجا عن صوته. فالحكومة تتشكل بعد الانتخابات من ائتلافات بين أحزاب متعددة، لكل حزب منها برنامجه ومرجعيته وحساباته السياسية.
وقد تصل المسألة أحيانا إلى تشكيل حكومة تضم أحزابا ذات توجهات متباينة جدا: أحزاب يسارية وأخرى ليبرالية أو إسلامية أو يمينية، أو أحزاب ذات خلفيات وتجارب سياسية مختلفة، بما في ذلك تشكيل أحزاب تُنسب إلى ما يسمى بالأحزاب الإدارية وأحزاب هي من تصف الأولى بالإدارية. وفي هذه الحالة يصبح الوصول إلى برنامج حكومي منسجم أمرا أكثر تعقيدا، لأن البرنامج النهائي يكون بالضرورة نتاجا للتفاوض والتوفيق بين مكونات متعددة. ويمكن استحضار تبادل الاتهامات بين مكونات الأغلبية الحالية بخصوص العديد من القضايا الاقتصادية، كدليل على تأثير عدم الانسجام على العمل الحكومي.
لذلك فالمشكلة ليست فقط في أن الانتخابات لا تغير كل السياسات، وإنما أيضا في أن طريقة إنتاج الأغلبية السياسية، قد لا تساعد على إنتاج حكومة متجانسة تمتلك برنامجا واضحا ومسؤولية سياسية محددة أمام الناخبين.
ومن هنا أظن أن جدوى التصويت يجب أن تقاس بما يتيحه فعليا من إمكانية للتأثير والمساءلة، وليس بما يُنتظر منه نظريا أن يغيره كله. فالانتخابات لا تغير الدولة في كل أبعادها، لكنها تستطيع تغيير جزء من طريقة إدارة الشأن العام، وهذا الجزء ليس قليل الأهمية.
4- هل تكمن أزمة الديمقراطية الانتخابية في المغرب أساسا في عزوف المواطنين، أم في شعور متزايد بأن نتائج صناديق الاقتراع لا تنعكس بالضرورة على القرارات التي تمس حياتهم اليومية؟ وهل تتحمل الأحزاب نفسها مسؤولية هذا الانفصال بين الناخب وصناعة القرار؟
من الصعب اختزال المشكلة في عزوف المواطنين وحدهم. لأننا عندما نتحدث عن العزوف يجب أن نسأل أولا: عزوف عن ماذا؟
هناك فرق بين العزوف عن الانتخابات والعزوف عن السياسة؛ فقد يكون المواطن غير مقتنع بالأحزاب القائمة أو بطريقة اشتغالها، لكنه في الوقت نفسه يتابع القضايا العامة ويتفاعل مع الاحتجاجات والنقاشات الاجتماعية والسياسية. ولذلك ليس صحيحا أن كل من لا يصوت هو بالضرورة شخص غير مهتم بالشأن العام.
وفي المقابل، لا ينبغي أيضا إعفاء المواطن من مسؤوليته، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم فقط على مطالبة الدولة والأحزاب بتقديم الأفضل، بينما ينسحب المواطن من المشاركة. المشاركة السياسية ليست فقط حقا، وإنما هي أيضا مسؤولية، لأن المواطن الذي لا يشارك يترك المجال للآخرين كي يحددوا الخيارات التي ستؤثر فيه. علما أن المشاركة ليس لها عنوان واحد، تتعدد عناوينها، بين عمل نقابي، ومجتمع مدني، وتوقيع عرائض، والقيام بتظاهرات، والانخراط في الاحتجاجات…إلخ.
لكن الأحزاب تتحمل جزءا أساسيا من المسؤولية، وربما الجزء الأكبر في إعادة بناء هذه العلاقة، فالحزب السياسي لا ينبغي أن يكون مجرد آلة انتخابية تظهر في موسم الانتخابات، وإنما يفترض أن يقوم بوظائف أوسع: التأطير السياسي، والتنشئة، وإنتاج النخب، والوساطة بين المجتمع والمؤسسات، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى برامج وسياسات.
وعندما يشعر المواطن أن الحزب لا يظهر إلا في الانتخابات، وأن وعوده الانتخابية لا تتحول إلى سياسات، وأن برنامجه يتغير أو يتراجع بمجرد دخوله في تحالف حكومي، فمن الطبيعي أن تتراجع الثقة. ثم إن المواطن عندما يكتشف أن الانتخابات تغير الأشخاص أكثر مما تغير السياسات، وأن التحالفات التي تتشكل بعد الانتخابات تجمع أحيانا أحزابا ذات برامج ومرجعيات متباينة، يصبح من الصعب عليه أن يشعر بأن صوته أحدث تغييرا واضحا.
لذلك فإن أزمة المشاركة ليست أزمة المواطن وحده، وإنما هي أزمة العلاقة بين المواطن والحزب والمؤسسة والقرار السياسي. وإذا أردنا معالجة العزوف، فلا يكفي أن نقول للمواطن: اذهب وصوّت؛ بل ينبغي أن يشعر أولا بأن لصوته معنى، وأن هناك فرقا حقيقيا بين الخيارات التي تقدمها الأحزاب، وأن البرنامج الذي يصوت عليه يمكن أن يتحول إلى ممارسة وسياسة عمومية.
5- ما الذي يمكن أن يتغير فعلا في المغرب إذا أفرزت انتخابات 2026 أغلبية سياسية مختلفة جذريا عن الأغلبية الحالية؟ هل تستطيع حكومة جديدة، ببرنامج مغاير، إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أم أن هامش المناورة سيظل محكوما باستمرارية الدولة ومؤسساتها وخياراتها الإستراتيجية؟
يمكن لحكومة جديدة بأغلبية مختلفة أن تغير بالفعل أشياء مهمة، خصوصا إذا امتلكت برنامجا واضحا، وأغلبية متماسكة، وإرادة سياسية وقدرة على التنفيذ. يمكنها أن تعيد ترتيب الأولويات، وأن تغير بعض السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وأن تعيد النظر في طرق التدبير، وأن تقدم مقاربات مختلفة في عدد من الملفات.
لكن علينا في الوقت نفسه ألا نخلط بين تغيير الحكومة وتغيير الدولة: فالدولة لها مؤسساتها واستمراريتها والتزاماتها واختياراتها الكبرى، وهذه لا تتغير بالضرورة بتغير الحكومة أو الأغلبية البرلمانية.
المشكلة الحقيقية إذن ليست في أن الحكومة لا تستطيع تغيير كل شيء، فهذا أمر غير ممكن في أي نظام سياسي. تبدأ المشكلة عندما لا تستطيع الحكومة تغيير حتى المجالات التي تدخل فعليا في نطاق اختصاصها، أو عندما تصبح البرامج الانتخابية والحكومية مجرد وعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
وهنا تعود أهمية طريقة تشكيل الأغلبية؛ فإذا أفرزت الانتخابات أغلبية متجانسة نسبيا، وكان برنامجها واضحا ومسؤوليتها السياسية محددة، يصبح من الممكن مساءلتها بوضوح: ماذا وعدت؟ ماذا نفذت؟ ولماذا لم تنفذ؟
لذلك، فإن انتخابات 2026 يمكن أن تحدث تغييرا، لكن قيمة هذا التغيير ستتوقف ليس فقط على من سيفوز، وإنما على نوع الأغلبية التي ستنتجها الانتخابات، ومدى انسجامها، وطبيعة برنامجها، وقدرتها على تحويل ذلك البرنامج إلى سياسات فعلية.
وفي النهاية، لا تكمن قوة الانتخابات فقط في قدرتها على تغيير الأشخاص الموجودين في المؤسسات، وإنما في قدرتها على جعل المواطن قادرا على التمييز بين الخيارات السياسية ومحاسبة من تولى المسؤولية على ما أنجزه فعليا؛ فإذا غابت هذه الحلقة بين التصويت والبرنامج والتنفيذ والمساءلة، فإن الانتخابات تفقد جزءا مهما من معناها السياسي، حتى وإن ظلت قائمة من الناحية المؤسساتية.