الأحزاب المتخلى عنها

2019/06/17 13:31 - نور الدين مفتاح

الأحزاب المتخلى عنها

إنها الأصالة المغربية فعلا في المجال الحزبي. أن يكون عندك تنظيم سياسي يملك ربع نواب البرلمان تقريبا ونصف رؤساء الجهات، ويكون مآله هو هذا الانتحار الجاري اليوم أمام الملأ، والذي بلغ أوجه مع الترمضينة السياسية للقيادة العليا للقوات البامية المتشابكة.

 

لقد طرد الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة حكيم بنشماس نائبه ذا الوزن الثقيل أحمد اخشيشن لدواع تفصيلية شرحها في بيان سحوري مطوّل يقول الكثير من الأشياء إلا الحقيقة، كما طرد السيد بنشماس رئيس المجلس الفيدرالي محمد الحموتي وطرد 9 أمناء جهويين للحزب، وحسب العارفين بدواخل الأصالة والمعاصرة، فإن هذه مجرد بداية، وإن الجرار انطلق في الحصاد فعلا، ولكنه حصاد الرؤوس المتبادل وإعلان بداية النهاية.

 

والغريب في حزب الأصالة والمعاصرة أنه بسبعة أرواح، وكلما سجل نهاية بدأ من جديد الطريق لنهاية أخرى، وهذا جرى له عندما تركه مؤسسه أول مرّة فؤاد عالي الهمة، ثم جرى لما فشل في المهمة التي ولد من أجلها، وهي الإطاحة بحزب العدالة والتنمية في 7 أكتوبر 2016، ويجري اليوم بعد مغادرة إلياس العماري لقمرة قيادته ليتركها في منطقة مطبات تنظيمية قد لا تسلم منها طائرة الحزب ما دام ليس هناك ربّان متوافق عليه.

 

هناك الكثير من التفاصيل التنظيمية والشخصية التي لم تنفع في تجاوزها العديد من المحاولات أو المناورات، مثل اتفاق 5 يناير الذي تقاسم فيه بنشماس عمليا الرئاسة مع معارضيه في شخص اخشيشن، ولكن التفاصيل تبقى تفاصيل، والغائب الخطير في معركة ثاني حزب في البلاد (حاصل على 102 مقاعد في البرلمان والثالث حزب الاستقلال حاصل على 46 مقعدا) الغائب هو شيء جوهري يمكن للخلاف حوله أن يكون مستساغا سواء أكان فكريا أو سياسيا أو برنامجيا أو إيديولوجيا، لكن لا حديث إلا عن خلاف الأشخاص والزعامات، أو بالأحرى عن تقاسم إرث المغانم التي بقيت من عهد "البام" عندما كان في رعاية جزء من الدولة.

 

إن الأصالة والمعاصرة لم يسبق أن كان حزبا منبثقا من حاجة مجتمعية فعلية، لقد كانت فكرته بسيطة، وهي أن الأحزاب التاريخية تآكلت وهناك خطر الاكتساح الإسلامي والدولة لن تبقى متفرجة، وعلى الحداثيين أن يتعاونوا معها لمواجهة "ظلاميين" يهددون النموذج المجتمعي للبلاد، وهو ما سمّاه فؤاد عالي الهمة حينها بتمغربيت.

 

وفعلا انخرطت العديد من الوجوه والأسماء اليسارية في المشروع منذ أن كان "حركة لكل الديموقراطيين"، وتم الحلم بنقل التجربة الناجحة للعدالة الانتقالية في الإنصاف والمصالحة إلى الحقل الحزبي، لدرجة أن اتخذت هذه الموجة من تقرير الخمسينية الوطني برنامجا مخوصصاً، إلا أن الولادة والإخراج والتسويق والمونطاج شكلت التوابل الكافية لإفشال وصفة الجرّار رغم الملايير والهيلمان.

 

قيل في البداية، والمغاربة شهود، إن حركة لكل الديموقراطيين لن تكون أبداً حزبا، وصارت كذلك، بل ضمت يساريين قدامى وانتهازيين جددا وأحزابا إدارية وأعيان انتخابات، وأصبح الطاهر شاكر وميلودة حازب من حزب الوبر إلى جانب الرويسي وصلاح الوديع، وفي وضعية وطنية انهارت فيها القيم أو كادت، وعلا فيها شأن الوصولية والهمزة وأكل الكتف، فإن وجود فؤاد عالي الهمة في الحزب كان يجلب لتجمعاته الآلاف المؤلفة من الباحثين عن فرص للترقي والتسلل الطبقي. هذه هي صورة البداية، ومهما كانت النوايا حسنة في ملء فراغ حزبي في الساحة، فإن الواقع لم يكن ليرتفع لا على سبب الوجود ولا طريقة الولادة ولا اختيار التركيبة.

 

وعلى الذين يجهدون أنفسهم في البحث عن أسباب هذه المعارك الطاحنة اليوم داخل الأصالة والمعاصرة أن يتأكدوا من أن للعنة الولادة نصيبا في ما يجري، وأن "البام" للأسف لم يستطع رجاله ونساؤه أن يخلقوا منه حزبا جديدا كباقي الأحزاب بعد قطع حبل سرته، ولا أن يعطوه صورة مخالفة لصورة الحزب الهيمني أولا ثم الحزب المتخلى عنه ثانيا، ولكن، ورغم كل شيء، فالمشكلة في النهاية ليست في مآل حزب الأصالة والمعاصرة، ولكن في هذا الواقع السياسي في المغرب الذي تم العمل فيه على إضعاف كل الأحزاب الحقيقية، والنفخ في أشباه الأحزاب والانتصار للفهلوة بدل الكفاءة والإبداع، حتى وصلنا إلى هذا اليوم المشهود، إنه يوم نهاية الوسطاء في المجتمع.

 

ولنا أن نلاحظ كيف أن عزوف المواطنين اليوم ولامبالاتهم بالساسة والسياسة ليس معطى موضوعي خاص بمستوى الشعب، ولكنه موقف سياسي واضح يدين ما جرى ويجري، وإلا بماذا نفسر تلك الهبة الشعبية مع حراك 20 فبراير، وارتفاع الاهتمام الصاروخي بالشأن العام في كل مجريات المسلسل الذي قاد إلى دستور 2011، ثم إلى حكومة عبد الإله ابن كيران حيث انتعشت النقاشات البرلمانية، وصار المواطنون يتتبعونها وكأنها مباراة ديربي، وارتفعت مبيعات الصحف، وزاد الاقبال على الجاد من الأخبار في الشبكة العنكبوتية، واعتقد الجميع أن مرحلة جديدة في المغرب قد دشنت ولن تطوى أبدا، ولكن هيهات، لقد طويت بأسوإ طريقة، وانضافت الأحزاب الجديدة التي أريد لها أن تكون بديلا للاحزاب التاريخية إلى قائمة المتصدعين، وتسلل الاضطراب للعدالة والتنمية نفسه، وعوقب التقدم والاشتراكية، وتم التخلي عن البام، في حرب ضروس لا نذكر منها بسوء إلا مسرحيات حميد شباط ومن معه الذي تم رميه بدوره بعدما أدى دوره القذر، ثم تم إرسال ابن كيران إلى بيته، وظل الثابت في الأجندة السياسية المغربية منذ عقد من الزمن هو ايجاد اللاعب الذي بإمكانه هزم العدالة والتنمية.

 

هذه هي أولوية أولويات المملكة اليوم، ولهذا، فإننا نعيش في بلوكاج دائم، وسورياليات يومية في حكومة الأعداء برئاسة الدكتور العام زين.

 

إن السؤال المؤرق لكل متتبع غيور لمجريات الأمور هو لماذا تختار المملكة في كل مرة تضييع الفرص التاريخية ومنها توقيف التناوب التوافقي بقيادة الاتحاد الاشتراكي في 2002؟ ولماذا تم توقيف مسلسل ما بعد دستور 2011؟ ولماذا يتم هدر الزمن السياسي بهذا الشكل في انتظار 2021 التي ينتظر أن يكرر فيها التاريخ نفسه؟

 

يصعب على الجميع الجواب على هذه الأسئلة، ولكن يسهل جدا التكهن بمخاطر هذا الجمود الذي يطوقنا، خصوصا وأن الزمن تغير عن صراع العقود الماضية، بقوة التفاهة، والتمكين لها، واستصغار الترهاء والأكفاء، والنفخ في بعض الحقراء في كل المجالات.

 

هذه وللأسف هي عمق أزمة البام وليس اخشيشن او موسى، إنه مسلسل لا يبدو أنه منته هنا وأصحابه أنفسهم لا يتحكمون فيه مادام أنهم يعرفون ما لا يريدون ولكن لا يعرفون بالضبط ما يريدون.

تعليقات الزوار ()

dmodal

جميع الحقوق محفوظة © الأيام24 2019

loading

To Top