(حصاد) الوحل


… الأمطار الأخيرة لم تخلف فقط بعضا من أحزان أصبحت منذ زمن بعيد مرادفا لــ “شقائق الماروكان”.

في بلدي، لم يعد الموت أصلا… خبرا

يموت المغاربة في حوادث سير، وانهيارات منازل وفي حريق معمل أو مصنع. يموتون بسبب الثلج. يموتون أثناء الولادة…

المغاربة يموتون بـ “الفقصة” كل يوم دون أن يكون ذلك خبرا يستحق التعميم.

يموتون بـ “الفقصة” وهم يتابعون جلسات البرلمان، ومباريات منتخب الكرة وتفويت بحارهم وأراضيهم ورمالهم و… هم يتابعون ملحمة “مشرق مغرب” 

… يموتون بـ “الفقصة” وهم ينظرون حولهم كل يوم، فلا يجدون غير بنكيران والعنصر ومزوار وبنعبد الله في ضفة، ولشكر وشباط والتراكتوقراطيين على الضفة الأخرى. ما بين الضفتين، كانت هناك دوما فيضانات أكثر بشاعة من كل هذا الوحل الذي حل بنا قبل أيام.

الموت إذن ليس شيئا يستحق الانتباه. الحياة في بلدي، هي الخبر

الفيضانات والأمطار الأخيرة، بخسائرها وأمواتها، منحتنا في المقابل فرصة لا تتكرر، كي نشهد على ولادة جديدة، لكائن مغربي بامتياز، اعتقدنا لزمن قصير جدا، أنه قد… انقرض

ليس هناك اليوم، في عز كل هذا الوحل الذي ألم بنا، عنوان أهم ولا أقوى … ولا أكثر حضورا من وزارة الداخلية ومن وزير الداخلية حصاد.

مع وزير الداخلية في عهد بنكيران، عشنا على امتداد أيام قليلة فقط مغربا حقيقيا بعنوان “حصاد الوحل” (ولمن أراد هنا أن يضع الشدة على الصاد أو يتركها مفتوحة دون تضعيف كامل الحرية، مادام المعنى في النهاية سيظل ثابتا في وجه أي تغيير).

محمد حصاد، هو وزير داخلية من حروف البلاد القديمة، من مفرداتها الأصل المستعصية على كل أنواع “الليفتينغ” السياسي الذي جلبته لنا عمليات التجميل و”السيليكون” الضصطوري.

حين سئل بنكيران عن معنى منح حقيبة الداخلية لرجل لا انتماء له، في زمن قرن المسؤولية بالمحاسبة، أجاب (مجرد) رئيس حكومة المغرب، بالجملة التالية:

“تفريق المظاهرات والنزاعات مكلف لوزير داخلية من حزب سياسي، ولأن سمعته تصبح على المحك فقد أبعدنا السياسيين وجبنا ابن دار المخزن”… 

هكذا إذن، يكون حصاد، مجرد ولد دار المخزن، أعاده المخزن إلى الدار، بهدف واحد ووحيد… هو تفريق المظاهرات، للحفاظ على سلامة الدار.

… بعد مشوار متميز في الخطوط الملكية المغربية، بصم خلاله حصاد على واحدة من المغربات، حين أغلق مؤسسة صيانة الطائرات التي كانت تدر على المغرب ملايين الدولارات، وبعد تجربة قصيرة كوالٍ في مراكش وطنجة، اختار المخزن ابنه لولاية أمر الداخلية.

… ولأن وزير الداخلية لا يجيد فقط تفريق التظاهرات بالعنف، فقد انزوى ولد دار المخزن لشن حرب غير نظيفة على الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ومنعت أجهزته وقفات ومسيرات وجمعيات حقوقية ومدنية من تنظيم أنشطة، وتكلف هو بشن حرب أخرى على جمعيات مدنية اتهمها فيها “عمليا”… بالعمل لصالح جهات أجنبية مقابل تمويلات اعتبرها مبهمة وملغزة…

لم ينتبه الكثيرون للأمر، لكن حصاد… كان في النهاية يستدعي دروس إدريس البصري، ويروج لها بروية و… بكامل الجرأة.

… حين وقعت الفيضانات الأخيرة وسقط المغاربة جثثا متناثرة تتلقفها حاويات الزبالة وتتربص بها قناطر العهد الجديد وطرقات التنمية البشرية، كان حصاد جاهزا

كان جاهزا لتأكيد التبرير الذي قدمه بنكيران لمنح حقيبة الداخلية لحصاد: تفريق التظاهرات والنزاعات

بنفس منطق إدريس البصري الذي وصف شهداء المغرب بـ “شهداء كوميرة”، وقف حصاد في ذات قبة البرلمان، ليحمل مسؤولية موت المغاربة… للموتى المغاربة، وليتوعدهم بالملاحقة القضائية، وهي نفس التخريجة التي استنجد بها بنكيران، ليجعل المغاربة مسؤولين عن موتهم

… هي في النهاية نفس الحكاية، أن تعتبر المغاربة “شهداء كوميرة” أو تعتبرهم مسؤولين عن موتهم في زمن التنمية البشرية والبنيات التحتية والأوراش الكبرى، هي ببساطة نفس اللغة ونفس المفردات

نفس اللغة سواء قالها إدريس البصري، أو رددها حصاد، أو خرجت من فم بنكيران. سواء قيلت في ثمانينيات القرن الماضي حيث عنوان المغرب هو الديمقراطية الحسنية وإدريس البصري “رجل أم”… الوزارات، أو ترددت في زمن الضصطور وفصل السلط وقرن المسؤولية بالمحاسبة رغما عن أنف تعيين حصاد

… في النهاية، المغاربة هم المشكل. هم الباحثون عن الموت… وفي بلدي (اللي قلب على شي حاجة تا يلقاها)، باستثناء الباحثين عن بعض من منطق، أو بعض من كرامة تتجاوز كرامة جمع الجثث كنفايات سامة في شاحنات زبالة.

حصاد، في عز الوحل الذي ألم بالمغرب، تذكر دروس إدريس البصري، وقرر أن ينتمي لمسقط الرأس، عوض الانتماء للمغرب.

… في اجتماع له بمجموعة من أعوان السلطة بمدينة تيزنيت، قال وزير “تفريق المظاهرات” كما وصفه بنكيران، إن وزارة الداخلية ستخصص ميزانية تصل إلى 10 ملايير سنتيم لإعادة تأهيل البنية التحتية لتافراوت…

حصاد قال بالضبط: “تافراوت خصصنا ليها 10 ملايير لأنها بلادي، وينتمي لها مجموعة من الوزراء في الحكومة

… هي نفس اللعبة القديمة إذن. اللي عندو خالتو فالعرس، ما يباتش بلاش.

10 ملايير سنتيم ستقدم للرائعة تافراوت، ليس لأنها مدينة جميلة، وليس لأنها تضررت كما باقي المدن… ستقدم لها فقط، لأن ولد دار المخزن يتحدر من هناك، ويمكنه أن يتصرف في المال العام المغربي كما شاء، ويوجهه أين شاء.

… هذا بكثير من الاختزال هو “حصاد الوحل” الذي ابتلينا به قبل أيام، لنكتشف معه أن الوحل الحقيقي هو كل عمليات الجرف السياسي التي تمارس ردتها على كل ما حلمنا به ذات 20 فبراير، وكل ما انتظرناه ذات تعديل ضصطوري…

هو حصاد الوحل، يجعلنا نقف أمام صورتنا في المرآة، فلا نرى من ملامح الدولة الجديدة والمشروع الديمقراطي الحداثي سوى… ملامح الماضي.

… بين شهداء كوميرة في الثمانينيات، وتوعد الموتى بالمساءلة القضائية واعتبارهم مسؤولين عن موتهم في 2014، لن نحتاج لكثير لغة، كي نفهم ببساطة أن هذا هو آخر الصبر. 

… أن ما نعيشه اليوم هو حصاد الوحل. ولا داعي لشكل الصاد.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً