ابن كيران يفقد نصفه


هي فاجعة بكل المقاييس، ففي غضون شهر واحد، وفي نفس المكان المشؤوم بقنطرة واد الشراط ببوزنيقة، فقدنا اثنين من خيرة رجال السياسة في بلادنا: النائب الاشتراكي أحمد الزايدي، ووزير الدولة الإسلامي عبد الله باها. وزيادة على طريقة الموت القاسية والمؤلمة إما غرقاً وسط المدينة أو دهساً بالقطار، فإن ما جمع الراحلين كان هو جمعهما بين شيئين لا يجتمعان إلا نادراً، وهما سمو الأخلاق والسياسة. الزايدي اختلف سياسيا بأخلاق وحاجج بأدب وعارض بأناقة، وباها اختار أن يكون الرجل الأول وراء الرجل الثاني، وأن يترك حرارة الواجهة ومفاتنها مقابل الظل مع التأثير الإيجابي والصمت الناطق الذي يولد الحكمة، والسباحة في الأمواج المتلاطمة لدسائس السياسيين بنظافة الزاهدين، فرحم الله الرجلين اللذين سيظلان من رموز المغرب النقي في أسلوب تدبير الشأن العام.

وفي هذه الأجواء التي يخيِّم فيها الحزن الأسود على أسرة الفقيد الصغيرة وأسرته الكبيرة بالعدالة والتنمية وعلى كل الفاعلين السياسيين بالمغرب، تبقى هناك أسئلة معلقة لن تمس طبعا بالاستسلام للقضاء والقدر، خيره وشرّه، ولكنها أسئلة حارقة لابد أن تفرض نفسها على المنطق السليم حين يكون العقل بصدد لملمة أطراف الفاجعة والتفكير في أسبابها.

فما الذي سيقود رجلا من مستوى عبد الله باها إلى منطقة مقفرة ومظلمة لم تطو فيها بعد ذكرى رحيل أليمة للبرلماني الزايدي وفي يوم أحد؟ لماذا كان وزير الدولة الراحل وحيداً وغامر بلا خوف في قطع مسافة معتبرة بين مكان ركن سيارته على قارعة الطريق والممر السككي الذي فارق فيه الحياة؟ وهل يعقل تصديق رواية ذهاب باها لتفقد مكان غرق الراحل الزايدي والحال أن لا الرؤية في الظلام ستسعفه ولا المعاينة ستفيده؟ ثم ما الذي سيذكر باها في هذا الأحد الحزين بالزايدي وبعد أن أسدل الليل خيوطه؟ ألا توجد كتابة حزبية للعدالة والتنمية ببوزنيقة وألا يوجد رفيق وألا يوجد دليل؟ وهل يمكن أن نفكر في احتمال جريمة أو انتحار؟

والله إن العقل ليحار لأن الأسئلة إلى حد كتابة هذه السطور أقوى من الأجوبة، خصوصا وأن وفاة سياسيين مغربيين بارزين حصلت في نفس المكان وعلى بعد أربعة أمتار بين الحادثتين المفجعتين. 

نتمنى، بعد بعض الأجوبة التي جاءت في البلاغ الأولي للسيد الوكيل العام للملك بالدار البيضاء، أن تكون نتائج التحقيق الذي تفتحه وزارة الداخلية ووزارة العدل دقيقة ومقنعة وقادرة على عكس الاتجاه الحالي، بحيث تصبح الأجوبة أقوى من الأسئلة لتتبدد الحيرة ويبقى ألم الفراق، فلا راد لقدر الله.

إن أكبر المفجوعين ضمن كل المفجوعين سيكون بالطبع هو رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران، فخسارته مكعبة، فقد خسر الرفيق والصديق الحميم والناصح الأمين والمستشار والسند المعنوي الكبير، ولولا الخوف من المبالغة أو الانزلاق للقدح لقلت إن عبد الإله ابن كيران فقد ظلَّه، والحقيقة الملموسة هي أن رئيس الحكومة فقد نصفه وجزءًا معتبرا من المصباح الذي كان ينير طريقه.

لن يكون عبد الإله ابن كيران بعد رحيل عبد الله باها هو عبد الإله ابن كيران قبله، فعلاقة الرجلين كانت استثنائية ونادرة، وكانا توأمين شيمتهما التكامل، وبقدر ما يعتبر عبد الإله ابن كيران مندفعاً بقدر ما كان عبد الله باها متأنيّاً، وبقدر ما يعتبر عبد الإله ابن كيران انفعاليا وشرساً في حربه مع خصومه بقدر ما كان عبد الله باها هادئا وبارد الدم في إدارته للصراع السياسي الصعب.

وبكل صراحة، فلولا عبد الله باها، ما كانت حكومة عبد الإله ابن كيران لتستمر لحد الآن، لأن الراحل كان ينقذ ابن كيران من نفسه أحيانا ويخرجه من اكتئابه أحيايين كثيرة، ويجد مجرى للماء عندما يصل الاحتقان بين الفاعلين في دائرة الحكم إلى حد التهديد بالانفجار، ويساعد على تدوير الزوايا الحادَّة، ولكل هذا ولكثير غيره أصر ابن كيران إصرار الرأس الذي لا يدور على استوزار توأمه، ثم أصر على أن تكون له مرتبة وزير دولة، وهي أعلى مرتبة في الوزارة بعد رئاسة الحكومة، ولهذه الأسباب وغيرها كثير لم نكن نرى ابن كيران إلا وباها معه اللهم إلا في ما ندر، ومن هنا يمكن أن نتصور حجم ما سيتغير ابتداء من مغرب الأحد المنصرم في ابن كيران الإنسان وابن كيران الأمين العام وابن كيران رئيس الحكومة.

إن العدالة والتنمية تعج بالأطر والنخب مثلها مثل جل الأحزاب، ولكن العدالة والتنمية التي يقودها عبد الإله ابن كيران ستعرف رجَّة كبيرة لأن خسارة نصف القائد هي خسارة فادحة للتنظيم واختلالٌ لنصف بوصلته. ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن الحكومة وتدبير العلاقة مع الوزراء ومع الحلفاء ومع الأغلبية ومع المعارضة ومع الديوان الملكي، كل هذا سيجد غداً ابن كيران العاري من أكبر واقي صدمات في مواجهة كل الاصطدامات الطبيعية في مجال الصراع من أجل الإصلاح والصراع حول السلطة، ولعل هذا هو وجه الخسارة الفادحة التي مني بها الحزب الذي يقود الحكومة اليوم في ظروف صعبة للغاية، وعلى بعد شهور من الانتخابات الجماعية.

عموماً، الذي يبقى إلى الأبد هو وجه ربنّا ذو الجلال والإكرام، ولكن كل فقدان لمعدن طيب لامرأة أو رجل صلاح وإصلاح وحكمة هو خسارة جسيمة للوطن، فرحم الله عبد الله باها وألهم ذويه وعائلته الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً