النسيان… دليلك للمغرب الجديد
… في أحيان كثيرة، يبدو لي أننا شعب مصاب بداء النسيان.
يبدو وكأننا نصر على ممارسة النسيان، وعلى اقتراف “كل ما من شأنه” أن يساعدنا على اكتساب هذا الداء.
لا شيء في بلدي يصبح قضية. كل شيء عندنا يتحول إلى “حادث”، إلى (faits divers).
حتى عندما يتعلق الأمر بأخبار الموت، نحولها كالعادة إلى وجبات استهلاك سريعة، مغلفة بعناوين الــ “مثير” و”غريب” و… “فضيحة”.
حين يتحدث مفكر مغربي مثل العروي، بغض النظر عن المختلفين معه أو المتفقين، نحول كلامه ببساطة إلى ما يشبه “فاست فود” إعلامي، لا شيء فيه يستحق الاهتمام، سوى تقديم الخبر بما يكفي من بهارات و”أومبلاج” يكفي لفتح الشهية.
كان العروي يتحدث عن معنى المواطنة وعن التعاقدات الممكنة والواجب توفرها لإعلان المواطنة، وكانت أخبار البلد تقدم الأمر وكأنه دعوة مفتوحة للإثارة، كل الإثارة ولا شيء غير الإثارة.
… أشياء كثيرة في بلدي، نحولها، بصمت وتواطؤ أحيانا، إلى مجرد حوادث سير بسيطة، لا يهمنا منها سوى حكيها وترديد تفاصيلها، دون بذل أدنى جهد لفهمها، أو على الأقل لاقتفاء أثرها.
قبل أيام قليلة فقط، كانت الفيضانات تكتب بعضا من أبجديات المواطنة في المغرب.
… قبل أيام قليلة فقط، داهم الموت مغاربة انتقلوا إلى عفو الله، قبل أن يفهموا حتى إن كانوا مواطنين مغاربة، أم مجرد رعايا
مغاربة انهارت تحت أقدامهم قناطر العهد الجديد، وطرق التنمية البشرية، واجتاحتهم وديان مغرب السدود والحداثة والمشروع المجتمعي، ليكتشفوا وهم بين يد خالقهم، أن الدولة التي لم تنقذهم من الموت هي نفسها الدولة التي ستمنحهم آخر صكوك الغفران…
وزير داخلية مغرب الضصطور الجديد وربط المسؤولية بالمحاسبة والفهم الجديد للسلطة، سيقف أمام برلمان الأمة وصدر تشريعها، ليصرخ في وجه البلاد والعباد، بأن…
الموتى المغاربة مسؤولون عن موتهم، وأن الذين ماتوا منهم… نجوا بمعجزة من محاسبة الدولة لهم.
… نعم، الذي يتحدث عن المحاسبة هنا، هو وزير الداخلية الذي لا يمكن لأي مغربي أن يحاسبه، لأنه بلا لون ولا انتماء إلا ما كان من أمر انتمائه لدار المخزن، كما قدموه لنا ذات تعيين.
ولأن المغاربة كانوا مسؤولين عن موتهم في فيضانات البلاد، فقد كان لا بد من عنوان يشهد على هكذا مسؤولية.
كان لا بد أن يتم تذكير المغاربة بحقيقتهم… كان لا بد من حمل جثثهم في شاحنة زبالة. شاحنة زبالة لم تحمل فقط جثث الموتى، ولكن أساسا جثث كل مفردات الكرامة التي تستطيع أن تصبح مرادفا قذرا للنفايات.
لا شيء فينا لم يطله الوحل في فيضانات المغرب الأخيرة…
مع كل جثة كانت ترمى في حاوية زبالة، مع كل تصريح مخجل لوزير أو مسؤول يتهم المغاربة باقتراف الموت، مع كل جملة بئيسة من جمل السياسة الأكثر بؤسا، كنا نكتشف فقط معنى “أن نكون مغاربة اليوم”…
كنا هناك جميعا نواجه نفس القتل، حين فهمت المروحيات المغربية، التي يؤدي المغاربة ثمنها وثمن المحروقات التي تستعملها، أن طريقها نحو الإنقاذ لا يمر بالضرورة، أو لنقل لا يجب أن يمر مطلقا عبر “لاكارط ناصيونال”…
… حين حلقت مروحيات الإنقاذ، كانت تعرف أن الأولى بالحياة، هم تلك الشريحة من البشر الذين لا يمتلكون ذات بطاقة التعريف الوطنية، وذات بطاقة الناخب. ولأجل ذلك فقط، كانت مروحياتنا تنتزع الأجانب من الموت، وتترك المغاربة يواجهون أسئلة الانتماء للبشر، قبل أسئلة الانتماء للوطن… وقبل مواجهة السيول والموت.
حدث كل هذا بكامل العلنية والفضيحة والبؤس، وظل كذلك…
ظل مجرد فضيحة قد خلت من قبلها الفضائح
مجرد حوادث عابرة أو(faits divers). لا شيء حدث بعدها، ولا شيء سيحدث… حتى ذلك المطلب البسيط الساذج بتشكيل “لجنة تقصي الحقائق” بشأن ما وقع تم تجاوزه إثر تراجع فريق العدالة والتنمية عن طلب تشكيل هذه اللجنة، بسبب ما قيل إنها “ضغوطات مورست عليه (الفريق النيابي للبيجيدي) من قبل قيادة الحزب والموقف المعارض الذي عبرت عنه خلال اجتماع الأمانة العامة وحساسية الموضوع لارتباطه بمؤسسات كبرى في الدولة قد تجعل الحزب في مواجهة مع وزارة الداخلية والدرك والوقاية المدنية”.
… في النهاية، رمي الناس في شاحنات الزبالة، وأنقذ الأجانب وترك المغاربة لمواجهة مصيرهم، وحلت الجرافات عوض سيارات الإسعاف لإنقاذ بعض من رعايا المملكة، واعتبر الموتى مسؤولين عن موتهم… وانتهى الأمر.
ولا شبه جملة تطالب بمحاسبة وزير الداخلية عن كلامه المهين
ولا شبه جملة تطالب بشرح معنى إنقاذ الأجانب وترك المغاربة
ولا حرف يطالب ولو باعتذار الدولة عن تحويل مواطنيها إلى قمامة وأزبال تشحن في حاويات النفايات.
كل شيء في النهاية تحول إلى مجرد أخبار مثيرة، لا شيء يعلو معها فوق صوت الاستهلاك السريع، والنسيان الأسرع.
… في دولة نحلم بها، كان يفترض اليوم أن يكون نواب الأمة هم أول الحاضرين في هكذا قرف.
كان يفترض أن يكونوا في الصفوف الأولى لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين باسم الشعب… ولكن…
هذه أيضا قضية أخرى تحولت إلى مجرد (faits divers)…
نحن لا نستطيع، ولا يجب أن نعول كثيرا على نواب الأمة، لسبب بسيط…
بين نواب الأمة، هناك مرتشون
هناك فاسدون ومرتشون تسلموا رشوة قيمتها 20 مليون درهم (2 مليار) من شركة للتبغ، مقابل تمرير مقترح لخفض الضريبة على التبغ، كما قال رئيس فريق العدالة والتنمية بالبرلمان…
هؤلاء المرتشون لا يمكن أن ننتظر منهم خلق لجنة لتقصي الحقائق، ولا تحديد المسؤوليات، ولا الانتصار لكرامة المغاربة التي رميت كما جثثهم في حاويات النفايات….
لا يمكن أن ننتظر شيئا من المرتشين
لا يمكن أن ننتظر شيئا إذا كنا نحن أيضا نحول قضايا البلاد إلى مجرد عناوين مثيرة…
في النهاية، لكي تكون مغربيا، ليس مهما اليوم أن تفهم إن كنت مواطنا أم مجرد رقم. المهم أن تتقن لغة النسيان، أن تتفنن فيها وتبدع، كي تنسى في الأصل أنك مغربي يرمى في حاويات الزبالة، ويكون مسؤولا عن موته… ويسير أموره برلمانيون… فيهم مرتشون.