خائفون ولسنا جبناء
القضية اليوم لا تتعلق بما كانت تفعله صحيفة “شارلي إيبدو”، ولا بالموقف من الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ولا بفرنسا
القضية اليوم لا تتعلق بما كانت تفعله صحيفة “شارلي إيبدو”، ولا بالموقف من الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ولا بفرنسا اللائكية في تعارضها مع الإسلام ولا باندماج العرب والمسلمين في أوربا…
القضية تتعلق بالبشاعة في أقبح صورها، القضية تتعلق بالإجرام لا بالإسلام، القضية تتعلق بإيديولوجية عمودها الفقري هو المجازر باسم تأويل مغلق لنصوص قرآنية وسنية رحبة.
القضية هي التحول من استهداف ما كان الإرهابيون يسمونه برموز الطواغيت والكفر بالاعتداء على الدول، إلى استهداف رموز من نوع آخر، إنهم الفكرة والقلم والرسم والسخرية والاختلاف والحرية، وأخطر ما فعله المجرمون في باريس أول أمس هو أنهم أعطوا قدوة لآلاف المجانين عبر العالم لتصبح الصحف طريقا آخر من الطرق التي تقود مباشرة عن طريق القتل الجبان والغادر إلى الولدان والحور العين. إن حق الرأي العام في إعلام حر ومتعدد ومختلف هو الذي أصبح اليوم مهددا بفوهات الكلاشينكوف وراجمات الصواريخ.
إننا هنا، ونحن بعيدون بآلاف الكيلومترات عن مكان المجزرة، خائفون في صحفنا على الشيئين المقدسين اللذين نملكهما، وهما الحرية والحياة.
خائفون ولكننا لسنا جبناء، وقد عبرنا، عندما كانت “شارلي إيبدو” تمارس حريتها في السخرية، عن مخالفتنا الجذرية لها ولاختياراتها التحريرية، وهذا هو التدافع الحضاري (وجادلهم بالتي هي أحسن)، فالقلم الذي رسم به زميل في “شارلي إيبدو” لا يمكن أن يواجهه إلا قلم آخر لا سلاح ناري، والأكثر من هذا أن المجتمع المتحضر يتيح وسائل أخرى استعملها ممثلو المسلمين في فرنسا عندما اتجهوا إلى القضاء بعد أن أصدرت “شارلي إيبدو” عددها الذي عنونته بـ “شريعة إيبدو”، واستمرت الحياة، وكان الإسلام أقوى من أن يعتبر مجموعة رسومات تهدد وجوده. كان الإسلام المعتدل يتكلم لغة العقل فيما كان مجرمون يتمترسون وراء تفسير آخر للإسلام ليقتلوا ليس في فرنسا فقط، ولكن في المغرب في 16 ماي 2003 وفي إسبانيا وفي نيويورك، واليوم في العراق وسوريا، حيث تباد جماعات بكاملها كالزيدية لأنها ليست سنية وفي نيجيريا ومع القاعدة وفي منطقة الساحل، وهؤلاء المجرمون مطاردون اليوم في كل مكان من طرف قوات وطائرات بلدان إسلامية أيضا.
تضامن كامل لا مشروط مع الزملاء في “شارلي إيبدو” وكل الزملاء في فرنسا وعبر العالم، وتنديد شديد بهذه البربرية والوحشية، وليس هناك من جواب على هذه الفاجعة إلا المزيد من التحدي والتمسك بالحق في الاختلاف والانضمام إلى جيش الصمود من أجل الحرية.
أشهد أنني مسلم، ولكن أقر أن لا علاقة دينية تربطني بمجرمي مجزرة “شارلي إيبدو” ومن وَالاَهم، وعزاؤنا واحد في مهنة المتاعب.