انقلاب في التلفـزيـون!


احتمال واحد لن يكون وارداً في ما جرى بيننا وبين مصر من احتكاك، وهو أن يكون التقرير الذي بثه التلفزيون المغربي في غبش السنة الجديدة مجرد اجتهاد صحافي أو قرار لمديرية الأخبار أو فلتة إعلامية قد تقع في أي تلفزيون أو وسيلة إعلام، وما عدا هذا الاحتمال يبقى كل شيء واردا، وحتى الرأي الشارد يبقى وارداً ما دام الحق في الإعلام المفترض أن يتمتع به المواطن المغربي قد تم خرقه بكل بساطة.

إن الموقف المغربي الرسمي كان واضحاً مما جرى في مصر، وقد ظل منسجما مع الخط الديبلوماسي الهادئ البعيد عن الألوان الصارخة، وراعى توازنا دقيقا بين ما تعيشه الرباط من تطبيع مع نتائج الربيع العربي وتعايش مع حكومة يقودها الإسلاميون، ومن مراعاة للهلع الذي ظل يتملك دول الخليج خصوصا من انتقال عدوى الإخوان المسلمين الجالسين على كرسي الرئاسة بمصر إلى إماراتهم الفاحشة الغنى.

لقد لعب المغرب بمهارة ما بين إحراج الدعوة للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي وما بين الاحتفاظ بحكومة عبد الإله ابن كيران، ونجح في أن يبقى حليفا لنادي الملكيات العربية دون أن يفرط في تجربته الاستثنائية، وكان عليه أن يتعامل مع الحالة المصرية بمبدأ المصالح الوطنية قبل المبادئ المجردة، واعتبر أن المغرب مع ما يريده الشعب المصري، وأن المشير عبد الفتاح السيسي رئيس شرعي لمصر بعد انتخابه، بغض النظر عن كل ما جرى لمحمد مرسي وفي ميدان رابعة العدوية، بل إن الرباط، لسبب أو لآخر، ضحت بوزير الخارجية الإسلامي سعد الدين العثماني، مما كان امتحانا صعبا لإخوان ابن كيران خلال المفاوضات الشاقة لتشكيل الحكومة الثانية عقب خروج حزب الاستقلال للمعارضة. جرى كل هذا مع تدخل ملكي شخصي في توطيد العلاقات مع دول الخليج، التي ارتفعت إلى أقل من عضو وأكثر من شريك. وبغض النظر عن الجانب الاقتصادي الذي استجلبت فيه ملايير الدولارات كاستثمارات للمغرب، فإنه على الجانب السياسي والأمني أصبح المغرب لاعباً مهما في المنطقة، وساهم بشكل أو بآخر في المصالحة الخليجية والتغيير الكبير الذي طرأ على السياسة الخارجية لقطر، ومع بروز “داعش” تدخل المغرب بشكل رسمي عسكريا وأمنيا على الأقل في الإمارات العربية المتحدة التي تعتبر العدو الأول للإخوان المسلمين في المنطقة.

ووسط هذه اللوحة الواضحة المعالم، جاء التقرير التلفزيوني لدار البريهي الذي اعتبر المشير عبد الفتاح السيسي انقلابيا ومحمد مرسي رئيسا شرعيا مطاحا به ليُلغز كل شيء. فكل هذا البناء الذي بنيناه في الخليج العربي يبدو وكأنه مهدد مادام الموقف من الإخوان المسلمين هو خط أحمر في تحالفات إمارات البترول، بل إن مصر التي قصفنا نظامها لم يصدر منها في العلن ما يستوجب هذه الرسالة القوية. وهنا طرحت الأسئلة المحيرة، فالمغرب دولة لا يمكن أن تلعب بمصالحها، إذن ما الذي جرى في الكواليس؟ وما هي المعلومات التي تتوفر عليها الأجهزة المغربية عن بعض المواقف المصرية التي تطلبت هذه النقطة نظام؟

إن الإعلام المصري انزلق في الأسابيع الأخيرة إلى استفزاز المغرب من كونه بلد الدعارة أو الشعوذة، ولكن هذا الفعل لا يرقى إلى رد الفعل المغربي. وكان هناك مذيع مصري تهكم على الملك شخصيا، وعلّق على ما تدوول من أخبار من أن محمد السادس سافر إلى إسطنبول بست طائرات، وأنه جاء في طائرة فيما الأميرة للا سلمى جاءت في طائرة أخرى، ولكن هذا الصحفي اعتذر في اليوم الموالي، والأكثر أهمية من هذا هو أن وفدا صحافيا مصريا سافر إلى تندوف، وشبه أعضاء هذا الوفد المغرب بإسرائيل من حيث إنه حسب زعمهم يحتل الصحراء. ولا يخفي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ميوله للجزائر، وقد قام بأول زيارة لها بعد انتخابه أو انقلابه. كل هذه الاحتمالات واردة ولكن لا جزم ولا تأكيد.

لنعد إلى الديبلوماسية المغربية، ففي نفس الوقت الذي حافظت على تجربتها الربيعية، ورسخت علاقاتها في الخليج، استطاعت أن تعيد العلاقات الديبلوماسية مع إيران، كما طبعت ليس مع تركيا فقط، ولكن مع رجب طيب أوردوغان الذي يمثل العدو رقم واحد للنظام المصري، وقد قيل إن صورة الملك محمد السادس العائلية خلال زيارته الخاصة لإسطنبول مع عائلة أوردوغان قد أثارت حفيظة النظام المصري، وقد يكون هناك رد فعل جعل المغرب يشهر الورقة الصفراء في وجه نظام السيسي بالتقرير التلفزي.

إن المغرب لحد الآن يلعب جيدا في منطقة مشتعلة بالغة التعقيد ويجمع بين المتناقضات في إطار مصالحه، وربّما يكون هذا النفوذ القوي للمملكة قد أزعج مصر التي تجعلها ظروف عدم الاستقرار بلا نفوذ اليوم، وهذا احتمال أيضا، وكل احتمال كما أسلفنا وارد في غياب الخبر اليقين.

لن نعرف بالضبط ملابسات ما جرى بيننا وبين مصر، والذي نستخلصه من هذه الحادثة هو أن الدولة المغربية بدأت تستعمل أدوات أخرى في علاقاتها الدولية غير ما تتوفر عليه من آلة ثقيلة للجهاز الديبلوماسي أو التواصل الرسمي للدولة، وأصبح تقرير تلفزي غامض الدوافع أسلوبا في تدبير الأزمات وتوجيه الرسائل، وهذا معطى يجب أن يدخل إلى مختبرات التحليل المؤسساتية والتواصلية، وسنعيدها للمرة الألف، إن تدبير شؤون المغاربة مقرون بشكل أوتوماتيكي بضرورة إخبار المواطنين بالقرارات والمتغيرات لأنهم معنيون بها، وكما تعقد الندوات لشرح دواعي خروج مسلحين إلى شوارع المدن في إطار خطة “حذر” أو إرسال جنود إلى الإمارات أو تطورات قضية الصحراء، فلابد أن نعرف ماذا تفعل مصر ولماذا علينا تنبيهها حتى نكون على بينة من قضية غاية في الأهمية لأنها تتعلق بالمصالح العليا للبلاد، وإذا كنا نلعب لحد الآن بشكل جيد في الميدان ونمسك البوصلة في دروب الربيع العربي المدلهمة، فلابد أن نلعب جيدا أيضا مع الرأي العام المغربي حتى لا تتوالى عليه الألغاز ويصبح الناطق الرسمي باسم الحكومة مجرد “شاهد مشافش حاجة”.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً