التغيير… ف الخاطر!


… التغيير في المغرب، بحالو بحال التيساع

المغاربة الطيبون، أولئك الذين يضطرون يوميا إلى ركوب الحافلات وسيارات الأجرة الكبيرة وموطورات الشينوا والكرويلات

… أولئك الذين لا يعرفون من المغرب غير السكن الاقتصادي في كل شيء، في عدد الأمتار وعدد الغرف وعدد التجهيزات المتوفرة في غيتوهات السكن الاقتصادي…المغاربة الذين يضطرون إلى الزج بأبنائهم في فصول وحجرات المدارس العمومية. المغاربة الذين تحملهم أرجلهم قبل سيارات الإسعاف إلى المستشفيات العمومية. المغاربة الذين تقودهم أقدارهم إلى السجون…

… هؤلاء، يعرفون جيدا أن التيساع… فْ الخاطْر

عندما يشتد الضيق وتتكدس الأجساد قبل الأرواح فوق بعضها، يلجأ المغاربة الطيبون إلى “الخاطر”. يعولون على ما تبقى من “التيساع” في دواخلهم، كي ينسوا ولو للحظة كل ذلك الزحام المرادف للغات الفقر وقصر ذات اليد في البلد.

ولأن السياسة في بلدي ليست بالضرورة انعكاسا لصورة المغاربة في مرآة الشأن العام، ليست جوابهم المفترض على أسئلة مزمنة قضيت حاجاتها بتركها وتأبيدها…

لأن الفقراء في النهاية هم وقود السياسة ورمادها، فقد كان لابد أن يحضر الفقراء في طبخة السياسة، أن يحضروا على الأقل وليمة الهبل المقامة باسمهم… 

كان لابد أن يحضر الفقراء، ليس كسؤال، وليس كجواب. كان لابد أن يحضروا كوصفة قديمة تراهن على البهارات والمرق، كي تضيع الذوق الغائب أصلا، كي تشغلنا عن مكونات الوصفة وأساسها، وتشغلنا بـ “البلول” والتغماس.

“البلول” في بلدي… هو كل هذا الحديث المتعاظم والمزمن عن التغيير والاستثناء ومحاربة الفساد ومحاربة الريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة والانتصار لدولة المؤسسات والديمقراطية والحداثة

… و”التغماس” في بلدي هو استمرار الريع واستمرار وجود خيرات المغاربة في أيدي المحظوظين والنافذين.

“التغماس” في بلدي هو ظهور أكبر “كراطة” في العالم بمبلغ لا يتجاوز الــ 20 ملياراً.

هو نقل جثث المغاربة في شاحنات زبالة

هو نشر أسماء بعض المستفيدين من الريع … دون استرجاعه منهم، هو سقوط قناطر بعد تدشينها بأشهر معدودات. هو الشكلاط المؤدى من جيوب المغاربة قبل إلصاقه بجيب سائق الوزير، هو الأراضي التي فوتت بثمن رمزي لوالد وزير الشكلاط، هو تفويت حديقة عمومية بالقنيطرة لمطعم بأمر من طرف رئيس بلدية القنيطرة، الذي ليس سوى وزير التجهيز والنقل واللوجستيك… الذي سبق أن أطربنا ذات يوم بأن عهد اقتناء الشكلاطة والورود لتأثيث مكاتب الوزراء قد ولى إلى غير رجعة، قبل أن يكتشف أن زميله الكروج لا يقتني الشكلاطة لمكتبه، ولكن لأسرته، وقبل أن يكتشف أن تفويت حديقة عمومية لمطعم خاص هو فعل لا يذوب بالمرة… عكس الشكلاط.

التغماس في بلدي، هو أن تصرف الغرفة الثانية الملايير … رغم أن صفتها الدستورية تطرح أكثر من إشكال وجودي، وهو أن يعين المستشارون في ذات الغرفة المشكوك في دستوريتها أبناءهم وأقرباءهم رغم أنف الدستور أو الضصطور…

لأجل كل هذا، وكثير غير هذا، كانت السياسة في بلدي محتاجة للفقراء… للطيبين من بلد المشروع الحداثي الديمقراطي والتنمية البشرية، أولئك الطيبون الذين لم تصلهم من كل عناوين المغرب سوى بعض “جبانيات حريرة” في رمضان، وبطاقة راميد غير معبأة بالولوج للعلاج، في انتظار شي بروموسيون تجعل للبطاقة بعضا من معنى الكرامة.

… لأجل كل هذا، وكثير غير هذا، كانت السياسة في بلدي محتاجة للفقراء، ليس كضرورة ولا حتى كمشروع أو حلم، كانت محتاجة فقط لإبداعاتهم… لفلسفتهم العميقة والبسيطة في الحياة. كانت محتاجة للغاتهم الأصلية، لحروف يومياتهم الأبدية

حين يقول المغاربة المخنوقون في كل مكان إن “التيساع ف الخاطر”، فإنهم ببساطة يمنحون “المو د باس” للسياسة، يمنحونها الكلمة السحرية التي لم تكن لتوجد لولاهم.

إذا كان المغاربة يصبرون على مختلف أشكال الضيق… إذا كانو يلجؤون للـ “خاطر” في شساعته ورحابته كي يتعايشوا مع كل أنواع ومفردات السكن الاقتصادي للحقوق، علاجا وتمدرسا وراتبا وكرامة، فإنهم بالضرورة سيكونون أكثر قابلية للتعايش مع اتساع الخاطر، حين يتعلق الأمر بسؤال التغيير…

التغيير في بلدي بحالو بحال التيساع… يسكن ف الخاطر. التغيير… غير فكرة، بحالو بحال الجوع… يكفي أن تهمله، ألا تفكر فيه كثيرا، كي يتحقق لك زوال الجوع، دون أن يتحقق لك الشبع.

… مع نهاية شهر نونبر من السنة الماضية، كان حزب العدالة والتنمية (الحاكم حقة والواد) يخلق الحدث من خلال انسلاله عن كوكبة الأحزاب المشكلة للأغلبية، ليسبقها إلى تقديم تعديلات على مشروع القانون التنظيمي للجماعات الترابية الذي أعدته وزارة الداخلية (التي يقودها شخص لا علاقة له بالأغلبية ولا المعارضة ولا الأحزاب عموما)، أمام البرلمان.

بيجيديو الزمن المغربي تقدموا بمقترح قانون أمام مجلس النواب، كان هدفه تعديل المادة 28 من القانون 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي، ويشترط من خلاله… ضرورة توفر شهادة الباكالوريا من أجل الترشح لشغل منصب رئيس جماعة قروية أو جماعة حضرية.

… مع بدايات دجنبر من السنة الماضية، تراجع بيجيديو التغيير والإصلاح ومحاربة الفساد عن هذا الشرط، وسحبوا تعديلاتهم… واتفقوا مع نظرائهم في أحزاب الأغلبية، ووزراء الحكومة غير المنتمين لأي شيء، على عدم فرض أي مستوى تعليمي على المترشحين لمنصب رئيس جماعة قروية أو جماعة حضرية. نعم… في بلدي، خاصك الباك باش تتخلص بالسميگ إيلا لقيتيه… لكن إلى بغيتي تتصرف فملايير جماعة وتحكم في منطقة ما، يكفي أن تكون أميا، وتقدر تكون جاهل گاع. مادام المغرب يعيش أبهى تفاصيل المشروع الحداثي الديمقراطي… الباك لاش؟؟  

… مع نهاية شهر نونبر من السنة الماضية دائما، استبق فريق حزب العدالة والتنمية بمجلس النواب مشروع القانون التنظيمي للجماعات الترابية (دائما) الذي أعدته وزارة الداخلية (دائما)، وتقدم بمقترح قانون بتعديل المادة 6 من القانون 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي، يطالب من خلاله بإشراف القضاء على عملية انتخاب رؤساء وأعضاء مكاتب المجالس الجماعية، وبإبعاد رجال السلطة عن عملية الانتخاب.

مع بداية شهر دجنبر من السنة الماضية دائما، أعلن وزير الداخلية، المختص في محاربة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عوض محاربة الجريمة، رفضه لمقترح الحزب الذي يقود الحكومة التي يشتغل حصاد تحتها (أو فوقها على حساب زاوية الرؤية). حصاد رفض إشراف القضاء على انتخاب رؤساء الجماعات المحلية.

في النهاية، رئيس الجماعة ماشي ضروري يكون عندو الباك، ورجال السلطة هم الذين سيشرفون على انتخاب رئيس الجماعة اللي ما عندوش الباك… وعلينا نحن أن نؤمن وأن نعتقد حد التطرف أن المغرب يعيش أبهى أزمنة التغيير

… مع فيضانات “شاحنة نقل الجثث المغربية” خلال شهر نونبر من السنة الماضية دائما، لوح “بوانو”، رئيس البيجيديين بالبرلمان، بضرورة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في الفضيحة والكارثة الوطنية التي لم ينكس من أجلها علم البلاد.

مع بدايات شهر دجنبر من السنة الماضية (دائما)، تراجع بوانو وفريقه وحزبه عن هذا الطلب الذي كان يهدف إلى تحديد المسؤوليات وترتيبها بشأن ما وقع من خسائر بشرية ومادية في الجنوب والجنوب الشرقي، بعد موجة الفيضانات التي ضربت المنطقتين. 

في النهاية، ما كان يحدث منذ سنوات دون خجل ولا محاسبة، سيظل يحدث دون خجل ولا محاسبة. التغيير راه ف الخاطر. عوض التضييق على الفساد والعبث… نطلب من المغاربة اليوم أن “يوسعو خاطرهم” لاستيعاب كل هذا القرف.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً