القوة الناعمة
يمكن القول بأن أيامنا هذه في المغرب هي أيام المصالحات، فبعد مصر وما جرى معها من مماحكات، ها هي الأزمة تنتهي بالانفراج، ويأتي وزير الخارجية المصري إلى المغرب ليعيد ربط حبل العلاقات بين القاهرة والرباط ويصرح بوقوف مصر مع الوحدة الترابية للمملكة المغربية.
وينتظر أن يزور مزوار باريس أو يطير لوران فابيوس إلى الرباط، وذلك لنزع فتيل أزمة أخرى أعقد مع فرنسا دامت شهورا، وكانت وللأسف آثارها سيئة على البلدين المحكوم عليهما بالعيش المتناغم لأن العلاقات والمصالح بينهما هي في غاية التشعب والتداخل.
صحيح أنه في الملف المصري لم نفهم شيئا، وفوجئنا بالتلفزيون المغربي وقد أصبح من خلاله ما جرى في مصر “انقلابا”! مع العلم أن الموقف الرسمي للرباط لم يسبق أن صنف نظام السيسي في هكذا خانة، وتُرك المغاربة والمتتبعون لمخيلتهم وهم يضربون أخماساً في أسداس ويرجحون أن تكون وراء غضب الرباط زيارة وفد صحافي مصري لتندوف أو زيارة أحد الضباط المصريين للبوليساريو أو التهجم على الملك محمد السادس في الإعلام المصري، ولكن الحقيقة لم يكن يعرفها إلا جزء من الدائرة الضيقة للدولة، وإذا كانت العبرة بالنتيجة، فإن هذه النتيجة جاءت جد إيجابية وعادت العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها وأصبحت منسجمة مع الاتجاه الرسمي للديبلوماسية المغربية في كل ما ارتبط بالربيع العربي وبالمزاوجة بين التجربة المغربية التي يقود فيها الإسلاميون الحكومة، وبين التحالف القوي مع بلدان الخليج التي وقفت بالمرصاد للإسلام السياسي ودعمت بشكل قوي المشير عبد الفتاح السيسي كرئيس لمصر.
أما فرنسا فإن ما جرى فيها كان مبعثا للأسف، وخصوصا أنه جاء على إثر حوادث معروفة أقواها هو تجرؤ ضباط شرطة فرنسيين على زيارة مقر السفارة المغربية بباريس وطلب استجواب رئيس المخابرات الداخلية المغربي عبد اللطيف الحموشي الذي كان برفقة وزير الداخلية حصاد من أجل شكاية بالتعذيب وضعها بطل الكينغ بوكسينغ المثير للجدل المومني، وإذا كانت هذه إهانة لا يمكن أن تقبلها أي دولة، فإن محاولات تطويقها قد باءت بالفشل وتوالت الإشارات السلبية التي لم تعمل إلا على تعميق الجرح، ومنها للتمثيل لا الحصر تفتيش وزير الخارجية المغربي مزوار بمطار أورلي بباريس، واقتحام الضابط السابق أديب لغرفة الجينرال عبد العزيز بناني بالمستشفى العسكري فال دوغراس بفرنسا.
الصلح هو الطريق الأقوم نحو المصالح، والخصوم سيحاولون دائما أن يقطعوا هذه الطريق وأن يختلقوا الأزمات ويفتعلوا الصدامات، وهذا جزء من دورهم، ولكن غير المفهوم هو أن يكون جزء منا متربصا بأي شرارة خلاف ليحوِّلها إلى أزمة، وكأننا لا يمكن أن يكون لنا دور معتبر إلا إذا كانت الحبال مشدودة والجفاء يرقص فوقها.
داخل جزء من الدولة هناك من يحب صب الزيت على النار، لأن الوطنية بالنسبة للبعض لا تعني إلا التحدي والمواجهة، وهذا في غالب الأحيان يخدم الخصوم الذين تنتعش مصالحهم كلما انكمشت مصالح خصومهم، والمشكلة أن بعضنا أيضا تصبح كلماته مع كل أزمة بمثابة سلاح مواجهة، مع العلم أن الكلمات هي أقرب للمطافئ منها إلى إشعال الحرائق.
وها نحن رأينا كم من مداد سال في مواجهة مصر وفرنسا، مما لم يساعد على ترجيح نبتة الحكمة والاعتدال وأدى إلى فورة الأعصاب، والحمد لله أن العبرة بالنتيجة، وقد كانت اليوم إيجابية، وسنعود لنصفق لهذه النهاية السعيدة في انتظار أزمة أخرى.
إن المغرب لا يمكن أن يكون حائطا قصيرا، فكرامته تسبق مصالحه، وهذا أكدناه، وزدنا عليه بأنه إذا كانت عندنا قضية وطنية صعبة تتعلق بسيادتنا على جزء كبير من ترابنا مازالت في أروقة الأمم المتحدة، فهذا لا يمكن أن يجعلنا نخضع للابتزاز، إلا أن كل هذا لا يجب أن يجعل أول خياراتنا هو المواجهة المقرونة في أحيان كثيرة بالغموض.
إن الذين يدفعون بأن الأزمة بين المغرب وفرنسا أثرت على الإمكانية الاستباقية للجريمة الإرهابية ضد أسبوعية “شارلي إيبدو” لا يجانبون الصواب، فالتعاون الاستخباراتي هو السلاح الحاسم لمواجهة الإرهاب، ولنا أن نتصور لو لم تكن هناك هاته المشاكل الصعبة مع الجزائر مع إغلاق للحدود ومواجهة بينية في إطار حرب باردة شرسة، ولو كان هناك تعاون أمني مغاربي، فإن الكثير من الخلايا السرطانية التي تنتشر بين ضفتي المتوسط وفي الساحل سيقطع عنها الدم الذي يغذيها، وعلى الرغم من أن الإرهاب هو قضية أوسع فكرية واجتماعية واقتصادية، فإن العامل الأمني حاسم في الحفاظ على الاستقرار وحماية الحق في الحياة والحرية، وهذا للأسف لا يكون دائما متاحا، لأن هذا الإرهاب يستغل أي فجوة ليتسلل منها ويضرب بشكل موجع، وهذا يفسر جزءا مما جرى في باريس، والذي يمكن اعتباره 11 شتنبر فرنسية بامتياز.
إن المنطق الذي يوصلنا اليوم إلى تدفيء العلاقات مع الشريك الأول للمملكة في العالم، وهو فرنسا، ومع البلد العربي الأول مصر، هو الذي يجب أن يحكمنا في علاقاتنا الأصعب مع الجارين القريبين.
وقد يبدو اليوم أن التقارب مع الجزائر مستحيل، إلا أن الأقرب إلى المنطق هو أن هذا التقارب صعب جدا، أما المستحيل فلا يوجد في السياسة أصلا على الرغم من أنها فن الممكن، وما هو غير ممكن اليوم قد يصبح ممكنا غدا، والنظام الجزائري برمته يمر من مرحلة انتقالية تاريخية يوجد فيها رئيس يحتضر وتجد فيها الدولة العميقة في الجزائر صعوبة للتوافق حول رئيس جديد، إلا أنه لا يجب أن ننسى أنه في عز الحرب الباردة مع الجزائر كادت تحصل المعجزة بتصالح مغربي جزائري مع وصول رؤساء جدد إلى قصر المرادية، ومنهم الشاذلي بنجديد، وعلى الخصوص بوضياف الذي اغتيل لأسباب مجهولة.
نفس الشيء يجب ألا نمل من القيام به مع الجارة موريطانيا التي تعاني علاقاتنا معها من حساسية مفرطة، ولن يتحقق هذا إلا بالتأني والعمل الدؤوب من أجل مصلحة المغرب ومصلحة شركائه، فنحن اليوم بوابة إفريقيا، وفاعل هام في جزء منها، وحل الكثير من مشاكلنا ومشاكل شركائنا في إفريقيا يمر عبر توسيع شبكة الأصدقاء وتضييق نادي الخصوم، وتحويل علامة المغرب في الاقتصاد والجانب الروحي والنجاعة الأمنية وأهلية قيادة الشراكة الأوربية الإفريقية إلى علامة مميزة في النمو والاستقرار، وهذا هو الذي سيزيد من القوة الناعمة للمملكة.