‎ثنائية المترديات


‎كيفما كان مستوى ما قاله رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيرن في حق الوداد البيضاوي أو الرجاء أو غيرهما، فإن طريقة تدبير رد الفعل على كلام أمين عام حزب العدالة والتنمية كانت تافهة، وتم النفخ في الحبة حتى صارت قبّة، وفوق هذه القبة جلس السيد رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم فوزي لقجع، ليجمع الصحافيين ويجلس ليقرأ عليهم خطبة عصماء ركيكة ومليئة بالطلاسم، تحدث فيها عن أن: “الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لن تسمح لأي شخص مهما كانت  وضعيته بأن يستغل منصبه السياسي في الميدان الكروي”، وأن “الجامعة ستواصل تتبع الوضع بشكل دقيق داخل الفرق الوطنية وعلى كل المستويات التي تشرف على تنظيم مبارياتها خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة”.

‎وعندما انتهى السي لقجع جمع أوراقه، وانسل دون أن يفتح المجال للحاضرين لطرح الأسئلة التي تلزم رئيس الجامعة بالإجابة عليها، لأن الصحافيين هم ممثلو الرأي العام، والرأي العام لابد أن يفهم ما يجري بالضبط.

‎إن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ظلت تقف منذ تأسيسها على أرجل سياسية وماتزال. والخلط بين الرياضة والسياسة علامة مغربية بامتياز، ولذلك كان من التهريج الادعاء بأنه مع عهد لقجع، بزغ فجر الاستقلالية، وأنه مع عهد ابن كيران، هناك مؤامرة دفينة لخونجة كرة القدم. إنه استبلاد المغاربة، وتصفية الحسابات السياسية بطريقة بدائية.

‎ولو كان لقجع ومن معه، وربما من وراءه، لهم غيرة على كرة القدم كلعبة وكرهان وازن اقتصادي وإشعاعي، لكان الحال غير الحال، فلا ينقصنا لا مدربون ولا تقنيون ولا لاعبون موهوبون، ولكن تنقصنا سياسة رياضية جعلتنا اليوم نعيش أسوأ الأيام وقد حكمت علينا الكاف بغرامة خيالية لأننا لسبب غامض رفضنا تنظيم كأس إفريقيا للأمم في وقتها، وها هو وزير الرياضة أقيل والوزير الذي قبله كان اسمه الحقيقي هو “مونتيف” بالخياط، والحال يغني عن السؤال.

‎قد لا نطلب استقلالية الرياضة المغربية لأنه مطلب بعيد المنال، ولكن على غير المستقلين ألا يضحكوا على ذقون المغاربة، وعلى “ديكتاتوريي” هذه اللعبة أن يبرروا استحواذهم عليها بالنتائج الجيدة، وآنذاك لن يلتفت أحد إلى طريقة تدبيرهم.

 

‎يحق للسيد الناطق الرسمي باسم الحكومة ووزير الاتصال مصطفى الخلفي أن يكون مزهوّاً بڤيينا وهو يتلقى جائزة “ميديا تينور”، ولها اسم جميل هو  “جائزة السمعة الطيبة”! في مجالات الاتصال والصحافة الحرّة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فكل وزير اتصال في البلدان التي ماتزال في حاجة لهذه الحقيبة الوزارية الزائدة همّه هو تلميع الصورة والاحتفاء بالمنجزات، أي أنه مدير عام التواصل في شركة كبرى اسمها “الحكومة المغربية”. مصطفى الخلفي منذ وصوله إلى كرسي الوزارة وهو يستعمل جميع مواهبه في كتابة التقارير ومحاورة المنظمات الدولية المهتمة بقياس منسوب حرية التعبير والرأي والصحافة، وإذا كنا متفقين على أن بعض المنظمات تنقصها الحيادية، أو على الأقل تعتمد على معايير غير دقيقة في تصنيف حرية الصحافة في البلدان المعنية، كـ “مراسلون بلا حدود” التي وضعت المغرب هذه السنة في الرتبة 130، فيما دول أخرى أسوأ منه وضعت في رتبة أحسن كموريطانيا التي احتلت في ترتيب سنة 2015 الرتبة 55 بعدما كانت سنة 2014 في الرتبة 60، والمثير للشفقة أن مراسل منظمة “مراسلون بلاحدود” في نواكشوط ليس سوى مستشار رئيس الجمهورية في شؤون الإعلام والاتصال! إذا كنا متفقين على هذا، فإن ما لا يمكن أن ننكره هو أن مجال احترام الممارسة الصحافية في بلادنا مايزال يعرف المد والجزر، والمتتبع الموضوعي لابد أن يتفهم قرار لجنة تحكيم جائزة “ألبير لوندر 2015” للصحافة الفرنكفونية عدم تنظيم دورتها الـ 77 التي كانت مقررة بطنجة، وذلك لأن المغرب “ليس المكان الأنسب” حسبها، وذلك كرد فعل على طرد صحافيين فرنسيين من بلادنا في 15 فبراير الماضي بدعوى عدم حصولهما على ترخيص مسبق لإنجاز ربورتاجات إخبارية مصورة.

‎إن المغرب بلد ذو سيادة، وله قوانين، قد تكون سيئة بحاجة إلى تطوير، ولكن لابد من احترام هذه القوانين، إلا أن أسلوب التعامل من أجل تطبيق القانون في هذه النازلة لا يمكن بأي حال من الأحوال هضمه، وبلاغ ولاية الرباط بحق الصحافيين الفرنسيين غريب، بحيث إنه يتحدث عن تنبيه وحوار في الوقت الذي تم عقب كل هذا الهجوم على مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عندما دخله هذان الصحافيان، وكان بالإمكان بكل هدوء واطمئنان أن يتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق الصحافيين داخل فندقهما، وكأن هناك من يلعب لعبة مع الجمعية ولتذهب سمعة المغرب إلى الجحيم.

‎هل هذه المملكة التي يجيب فيها رئيس الدولة على جريدة فرنسية في موضوع حساس كوجود حسابات سرية بالخارج ببيان حقيقة موقع من طرفه ضعيفة إلى هذا الحد حتى تخاف من الترخيص لصحافيين فرنسيين لإنجاز ربورتاج بمدينة الرباط؟ هل هذه المملكة التي ينشط جنوبها انفصاليون قياديون بالبوليساريو ويتحركون بحرية خائفة من كاميرا؟

‎لا يشرفنا أن نسقط في مثل هذه الأخطاء التي يؤدي البلد ثمنها بدعوى نظرية مؤامرة عفا عليها الزمان، إننا نحس وكأن المغرب يعيش زمنين، زمن الحسم في الإصلاح وتقنين الحرية وتكريس النموذج المجتمعي المنفتح العصري، وزمن “الزرواطة” والمنع والطرد والتخوين.

‎أعتقد دائما أننا أقوياء بحريتنا، ولكن ألاحظ دائما أن هناك من لاتزال كلمته مسموعة ويعتقد أننا أقوياء بالمقاربة الأمنية فقط، فمرحبا بالسكيزوفرينيا.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق


إقرأ أيضاً